"الريف" يقدم مزيداً من المعتقلين
"الريف" يقدم مزيداً من المعتقلين
(Getty)
ثورة
15 سبتمبر 2017
وسيم البوستاتي، الشاب الهادئ، المحبوب من لدن أصدقائه، حتى إن أقربهم إليه دخل في حالة هيستيرية يوم أخبر أنه أخذ تذكرة عكاشة مع قيادات الحراك.

لا ينتمي إلى جيل الثمانينيات كما غالبية السجناء في عكاشة بل رأى النور يوم 23 مايو 1993 بإمزورن التي كانت في كل فترات الحراك مركزا للاحتجاج.

شارك وانخرط مثل كل أبناء جيله في التعبير عن مطالبهم بالكرامة والعيش الكريم، لكن كما يقول صديقه كان مؤمنا بأن الحق في الشغل هو العماد في كل شيء.

وسيم البوستاتي اليافع، الذي وصل إلى سن الرابعة والعشرين كبر و ترعرع في مدينة إمزورن. وقد كان واضحا منذ طفولته شغفه وحبه بمجال الإلكترونيات فتفوق في الميدان تماما كما تفوق في حجز مكانة في قلوب كل من أرسلوا شهاداتهم فيه.

شاءت الظروف الصعبة أن لا يكمل مساره الدراسي لكن حبه للموسيقى صار مع الوقت يميل إلى الاحتراف إذ كان يعزف على الغيتار. أنشأ بمعية المعتقل كريم أمغار فرعا لإكسيل قبل أسابيع قليلة من اعتقاله... هو الابن الوحيد لأمه وهو المعيل لها ولأخته...

بعدما أنشأ مع كريم أمغار المعتقل الآخر في عكاشة فكر في أن يخطب لكن عكاشة أنهت هذا الحلم في انتظار مستقبل أقل قساوة...

كريم أمغار.. الفنان التشكيلي
يوم اعتقل كريم أمغار كان الجميع مصدوما فالشاب الذي كان دائما متمسكا بالسلمية وداعيا إليها وحاثا النشطاء على عدم الخروج على نهجها وجد نفسه يشق الطريق بين الحسيمة والبيضاء في اتجاه عكاشة.

ولد امغار بمدينة إمزورن التي شكلت خلال أيام الحراك القلب النابض للاحتجاجات وكان حجم المشاركة فيها كبيرا بل كان نصيبها من الاعتقال وافرا جدا.

أمغار الفنان التشكيلي الموهوب الذي كان يحاول تمثل العالم بالريشة وبالألوان وبالفن، كان ضمن جمعية "ألوان" للفن التشكيلي التي نظمت تظاهرة كبرى في إمزورن. يقول مقرب منه إنه كان يشتغل دون توقف وكان حلمه أن يرى حلم معرض تشكيلي في مدينته.. كان واحدا من المنخرطين في الحراك وواحدا من المؤمنين به وبمطالبه...

بالإضافة إلى انشغاله بالفن التشكيلي وتماهيه التام مع الألوان قبل أن يفتح فرعا لشركة إكسيل للصباغة أسابيع فقط قبل اعتقاله.

أمغار متزوج وأب لطفلين وحاصل على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب، ومن مآسي الاعتقال أنه رزق بطفل وهو قابع في سجن عكاشة...

يوسف الحمديوي.. "المثقف"
كان يوسف ذاهبا إلى تلامذته الذين يحبونه غير أن الطريق إلى "أمنوذ" (حيث يدرس) ليس دائما مفروشا بالنوايا الحسنة بل قاده إلى سجن عكاشة خلال شهر مايو الماضي.. في 10 يونيو/حزيران سنة 1984 خرج يوسف الحمديوي إلى الوجود في سنة أخرى ما تزال منقوشة في تاريخ الريف.

في عيد الفطر الماضي كنت على لقاء مشحون مع والده في منزله بحي كالابونيطا، هناك عرفت إسراء ابنة يوسف وهناك عرفت مكتبة الحمديوي.. يمكن أن تختار ما شئت: من الشعر إلى الرواية إلى التصوف إلى الفكر الإسلامي.. يوسف يشبه مكتبة متنقلة، سافر إلى الدار البيضاء كي يقتني بعض الكتب ثم شاءت الأقدار أن يقرأها فيما بعد في سجن عكاشة.

في مسار يوسف الحياتي لحظات تفوّق كثيرة لعل أبرزها مقاله عن الرشوة الذي فاز به بجائزة إقليمية عن موضوع الرشوة.. وفي مسار حياته كذلك ميله الدائم إلى الموسيقى، ومن حسن حظه أنه كان يصعد إلى سطح المنزل كثيرا ليجد عمه فريد الحمديوي وأحد مؤسسي فرقة "ريفانا" الشهيرة يعزف على الغيتار وينتشل أغاني من التراث الريفي.. في هذا الجو الموسيقي الضاج بالحياة كبر يوسف قبل أن يتخرج من مركز تكوين المعلمين سنة 2008.

غادر والده إلى بلجيكا وهولندا وهو ما يزال في سن صغيرة لكنه عاد وفتح محلا للمواد الغذائية يدرّس به أبناءه ويواجه به تكاليف الحياة.

الابن البكر في عائلة تتكون من ستة أبناء، حاصل على دبلوم الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الأول بوجدة 2007 وحاصل كذلك على دبلوم الإجازة في علم النفس من جامعة ظهر المهراز بفاس 2015.

ويتابع حاليا دراسته في سلك الإجازة تخصص الفلسفة بفاس. مهووس بالتمرد إلى درجة أن والدته كانت تربطه كي لا "يرتكب حماقاته" الجميلة ...

يوسف "pratiqa "المحب للأغاني "الملتزمة" و"الراي" اليوم في عكاشة، ولم يقدر له أن يحضر عيد ميلاد ابنته الرابع ولم يحضر عرس أخته. وقمة المأساة أنه التقى لأول مرة بأخيه الذي لم يلتقه منذ تسع سنوات.. أين؟.. في عكاشة.

محمد الهاني.. "المناضل"
وصلت يومها إلى مدينة الحسيمة بعد ساعات فقط من مسيرة الرد على الرهط الحكومي التي اتهمت الريفيين بالانفصال. كان محمد الهاني متحمسا لأفكاره ومؤمنا إلى درجة تشدك بفلسفة الحراك وبقدرته على الدفاع عن المستضعفين والمسحوقين في كل مكان. كان الحراك بالنسبة للهاني حلما بسعة إنسانية وليس وليد رقعة جغرافية أو حسابات قبلية كما أراد البعض متعسفا أن يحصره فيها.

في يوم 24 يونيو1987-الذي يصادف تاريخ ميلاد ميسي- رأى نور الحياة الأول لكن الطفل وقتذاك لم يكن واعيا بعد سنوات أخرى مليئة بالأوجاع في تاريخ الريف. في هذه البيئة السياسية والنفسية المشحونة كبر الهاني في عائلة فقيرة كان همها الأول هو أن توفر قوت يومها.

ابن حي باريو بريرو، تابع دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية بمدينة الحسيمة، ثم انتقل إلى جامعة محمد الأول بوجدة ليتابع دراسته الجامعية في شعبة القانون، غير أن قساوة الظروف دفعته للتوقف عن الدراسة فآثر العودة إلى مدينته لكي يساعد والده الحسن الهاني في متجره الذي يشكل مصدر الرزق الوحيد للعائلة..

وفاة والده كانت صدمة أخرى في حياة محمد الهاني، وبذلك أصبح المعيل الوحيد لعائلة تتكون من أم وأربعة أبناء.. ولأن الباحث عن الأحلام مثل المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، فقد دافع عن حق أخيه سفيان الهاني في متابعة دراسته وتكفل بكل المصاريف رغم الوضعية الاقتصادية الصعبة حيث يدرس بسلك الماستر بفاس تخصص اللسانيات والأدب الأمازيغيين.

الهاني متزوج وكان في طريقه إلى عقد قرانه خلال الشهر الماضي، لكن عكاشة كانت أقرب إليه من أن يحتفل مع أصدقائه بالعرس (ثامغرا).

يقول عنه أخوه سفيان الهاني:
"أنا لا أريدك إلا طالبا للعلم، لا تفكر في شيء غير هذا. سأكسوك حتى وإن كلفني ذلك أن أبقى عاريا.. وسأقتني مقرراتك الدراسية حتى وإن كلفني ذلك البقاء جائعا، فالمهم والمطلوب عندي أن تنتقم لي من الظروف التي لم تسمح لي بمتابعة دراستي الجامعية".