الاشتراكيون الثوريون... خروج عن نص اليسار التقليدي
الاشتراكيون الثوريون... خروج عن نص اليسار التقليدي
هناك فرق جوهري بين اليسار التقليدي ومجموعة الاشتراكيين الثوريين(Getty)
ثورة
14 سبتمبر 2017
يعاني اليسار المصري منذ عقود من حالة جمود عقائدي وتشتت أحزابه وتنظيماته، التي انقسمت على ذاتها وتعددت فصائلها، كأحد أمراض اليسار المزمنة، التي ساهمت في تهميشه وضعفه وتلاشي فرص بقاءه وصموده، في مواجهة الأنظمة السياسية، والنضال ضد سياساتها القمعية، وهو ما أدى كذلك إلى انحسار تأثيره السياسي المتراجع، خاصة، في الدوائر التي يُعنى فيها بالحشد والتعبئة، حيث صفوف الطبقة العاملة، في مختلف قطاعات الدولة، الحكومية والخاصة.

فثمة مهن وحرف مختلفة لا تجد نقابات تدافع عن قضاياها وقيادات عمالية تقف بجانب اعتصاماتها، وفرض وعي جذري منظم للحصول على مكتسبات حقوقية للعمال، ووقف استغلال قوى رأس المال ورجال الأعمال، سواء في ما يتصل بالأجور وربطها بحركة الأسعار، أو عمليات الفصل التعسفي المستمرة، بالإضافة إلى عدم توفير درجات أمان، لتفادي إصابات العمل، وتدشين شبكة ضمان اجتماعي وصحي للعاملين.


بعد نجاح الثورة المضادة في مصر مع تولي عبد الفتاح السيسي للحكم، عمد إلى استخدام الخطاب الشعبوي التحريضي، وتهييج المشاعر الوطنية، عبر استدعاء مفاهيم الدولة القومية، وشعاراتها القديمة، التي فقدت صلاحيتها تاريخيا، ووحدة المكون المصري، أمام تثبيت خطر محدق، هو الإرهاب، وتمرير فزاعة الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين.

سلط النظام الحالي سيوفه على كافة المكونات التي بإمكانها مواجهة سلطويته وقمعه، وعمل على تصفيتها، فسحق العسكر الصحافة وحرية الرأي والتعبير، التي قام بتأميمها، واحتكرت الأجهزة الأمنية مؤسساتها ومنصاتها المختلفة، وواجهت تمرد قطاعات العمال والفئات الوسطى والفقيرة ضد الغلاء، والمطالبات بزيادة الرواتب وغيرها من المطالب الخاصة بتحسين الظروف المعيشية، بل ومواجهتهم بملاحقات قضائية عسكرية وأحكام استثنائية، مثلما حدث مع عمال الترسانة البحرية في الإسكندرية وغيرهم.

فالجنرال السيسي يعيش أزمة خانقة على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إضافة إلى الاضطرابات الأمنية المرتبطة بالإرهاب، كما يصفها النظام، والأوضاع المعيشية للجماهير ما تزال سيئة بل وقد ازدادت سوءا.

وقد ظهر في تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن الغالبية العظمى من الأسر الريفية لا تتمتع بخدمة شبكات الصرف الصحي، التي لا تشمل سوى 30% من أسر الريف، مقابل 89.8% من أسر الحضر، وأن 97.3%، من أسر الحضر متصلون بالشبكة العامة للمياه مقابل 89.2% في الريف . كما بلغت البطالة بين الشباب مستوى قياسيا تجاوز الـ40%.

ففي ظل هذا الوضع القاتم والمحتدم على المستوى الطبقي والسياسي المصري، يتماهى اليسار التقليدي في ظل خطاب النظام حول المشكلات التي يواجهها ويتبناها دون تفريط، بل ويعمل على الدعاية لها، للتعمية على الأسباب والتناقضات الداخلية في قلب النظام، التي تؤدي في الواقع إلى مزيد من الفقر والقمع والاضطرابات الأمنية، وولادة جيل من المتطرفين ممن يتبنون الحل العسكري لمواجهة الدولة والنظام.

إن تنامي الإرهاب يكون رد فعل على آليات الدولة القمعية، التي تمارسه عبر التعذيب والتصفية الأمنية، والذي يتحول إلى عمل انتقامي أكثر من كونه قناعة أيديولوجية مؤسسة عبر مرجعية دينية تبرر ذلك النشاط. فالإرهاب، كما هو معلن اليوم، تُعزّز من وجوده وانتشاره الدولةُ الفاشيةُ، التي تحصل منه على شرعيتها وتستمد منه نفوذها في الحكم، وتستند إلى حربها عليه لتبرير فشلها في تحقيق العدالة السياسية والاجتماعية، وغياب سيادة القانون، ولإسكات المطالبين بالتحول الديمقراطي.

تحولت كيانات اليسار إلى ما يشبه دار مناسبات تنعقد فيها جلسات حميمية لتأبين شخصيات تاريخية أو عقد ندوات "ثرثرة"، لا يجري فيها عمل منظم ونضالي، ينطلق من تحديد طبيعة السلطة وتحليل تناقضاتها وموقعها من تطلعات الجماهير، وفضح ممارساتها الفئوية والطبقية، وتحالفاتها المحلية والإقليمية، التي تؤدي إلى التبعية والتفريط في الثوابت الوطنية وبيع الأرض، في حالة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.

الفارق الذي يمكن استلهامه بين اليسار التقليدي ومجموعة الاشتراكيين الثوريين، التي بدأت تتكون في تسعينيات القرن الماضي، وتستعيد أفكار أحد المفكرين الاشتراكيين ليون تروتسكي، للخروج من هيمنة ونفوذ الاتحاد السوفييتي وأفكاره الستالينية، السائدة بين أوساط الشيوعيين المصريين وصراعاتهم القديمة.

انتصب فكر الاشتراكيين الثوريين على أداة التحليل الطبقي الراديكالي وتحرير أنفسهم من التصنيفات الطائفية والهوياتية، التي تبدد من فعالية نضالهم وتماسكهم، فكان ذلك الموقف أحد أسباب الهجوم الدائم ضدهم، منذ ذلك الحين وحتى الآن؛ فموقفهم من جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي، بوجه عام، كان خارج توقعات التيارات الماركسية، التي عمدت إلى الهجوم المستمر وترك انطباعات أبدية وكليشيهات جاهزة وطرح صورة باهتة عن الإسلاميين، الذين يعيشون نوبات عصبية وتشنجات نفسية في ملحمة الجنس والعمليات الانتحارية.

"مع الإسلاميين أحياناً... ضد الدولة دائماً"، كان ذلك الشعار الذي دشنه الاشتراكيون الثوريون للتواصل مع التيارات الإسلامية والمقاومة في مطلع الألفية، والذي تأكد خلال حرب لبنان، وصولاً إلى الفاعليات التي اشتركوا في تنظيمها مع الإخوان المسلمين، ومناهضة غزو العراق في 2003، التي أوصلت عشرات الآلاف، للمرة الأولى في عهد مبارك، لميدان التحرير في 20 و21 أيار/مايو.

وتصدى الاشتراكيون إلى سنوات القمع التي مورست ضد الإخوان والجماعة الإسلامية، والتعامل معها كجماعة "محظورة"، وخالفوا في ذلك اليسار الرسمي، الممثل في حزب التجمع، وقائده الشهير، رفعت السعيد، الذي دأب على الهجوم على الإخوان، ووصمهم بكل الاتهامات في مقابل تبرئة جنود التعذيب، من أمن الدولة في عهد مبارك، والمجلس العسكري، خلال سنوات الثورة، من كل عمليات التعذيب والقتل الممنهج، وانتهاك حقوق الإنسان ومصادرة الحريات، ووقف ضد عمليات التشنيع، لإخفاء الوجه الحقيقي للنظام، المتورط في الدم، وعمد إلى استخدام لغة صريحة ومباشرة تدين المسؤول عن جرائم الدولة.

فكان فض اعتصامي رابعة والنهضة بالنسبة لقاموسهم السياسي وأدبياتهم "مذبحة دموية" عمّد بها النظام السياسي وجهه ومروره للحكم، مثلما فضحوا ممارساته أثناء الثورة من تعذيب في المتحف المصري، وإدانتهم لدخول الجمال لمحاولة فض اعتصام الـ18 يوما وكشوف العذرية بميدان التحرير قبل سقوط مبارك ودهس المواطنين بماسبيرو والمطالبة بمحاكمته وتقديم قياداته للمحاسبة وتأسيس مجلس رئاسي، وكان من الأنشطة الثورية التي ساهموا فيها هي حملة "كاذبون" التي تولت عرض أكاذيب المجلس العسكري.