فوتوغرافيا خالد أبو الجديان.. حصار البحر في غزّة
فوتوغرافيا خالد أبو الجديان.. حصار البحر في غزّة
(من صور المعرض)

كيف يقضي الصيَّاد الغزيّ معيشته باحثًا عن الرزق في مهنة بحريَّة محفوفة بالمخاطر؟ سؤال تجيب عنه ثماني عشرة صورة التقطتها عدسة المصور الفوتوغرافي خالد أبو الجديان (25 عامًا)، عُرضت قبل أيام على متنِ أحد القوارب وسط حوض الميناء غرب مدينة غزة.

أقام المصور الفوتوغرافي معرضه، "صنّارة"، كنوع للتضامن مع الصيَّادين، وتوثيق الانتهاكات المستمرة التي يتعرضون لها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيليّة المتمركزة في عرض البحر الغزيّ، إضافة للحصار المفروض على مدينتهم منذ عشرة أعوام. تروي صور المعرض حكايات متنوعة عن واقعهم المرير.

استغرقت المغامرة الفوتوغرافيَّة التي قضاها أبو الجديان لتوثيق صور مهنة الشباك والبحر عامًا كاملا؛ إذ كان يقضي ما يقارب الست عشرة ساعة يوميًا بصحبة الصيَّادين على ظهر قواربهم، ومعداته التصويرية، متنقلًا في البحر من جنوبهِ حتى شمالهِ الغربيّ لمسافة لم تَزِد عن ستةِ أميالٍ، وهي الحد المسموح للصيد.

يقول المصوِّر عن تلك التجربة البحريَّة: "كانت تبدأ رحلتي من الرابعة عصرًا حتى الثامنة صباحًا من اليوم التالي، تعرضت لإطلاق النار بشكلٍ متعدد من قبل رشاشات الزوارق البحرية، متوقعًا الاعتقال أو الموت أكثر من النجاة في كل مرة أذهب فيها للتصوير مع الصيَّادين".


شكّلت معاناة مزاولي مهنة الصيد الذين يدفعون دمهم ثمنًا لرزقهم، حافزًا قويًا دفع أبو الجديان لإنشاء معرض يختزل قصصهم، على متن قارب الصيَّاد عبد المعطي الهبيل الذي رافقه في مغامراته البحرية، وقامت قوات الاحتلال الإسرائيليَّة باعتقالهِ أخيرًا.

يوضّح أبو الجديان أن الصياد الغزيّ يتعرض لسلسة انتهاكات كبيرة تتمثل بإطلاق النار عليه بشكلٍ مباشر من مسافات قريبة، وتعطيل قوارب الصيد، وتقليص المساحة المسموحة له بين الفينة والأخرى، وتعرضه للاعتقال؛ فيمنعه ذلك من اصطياد السمك مما يعرضه للخسارة.

عُرضت الصور الفوتوغرافيّة التي رصدت حياة الصيَّادين، بين شباك الصيد، داخل المعرض البحري المحاط بقوارب مهترئة ممتدة قرب الشاطئ لصيادين تركوا المهنة؛ بسبب المضايقات المستمرة لهم، كما شهد المعرض حضورًا لافتًا من الصيَّادين، خاصة الذين عبَّروا عن مدى إعجابهم بالفكرة التي جسدت واقعهم.

تحمل المجموعات الفنيَّة التي التقطتها عدسة المصور مضامين مختلفة عن مهنة الصيد في قطاع غزة، وبرزت في المعرض متنوعة بشكلٍ مغاير لصيَّادين في البحر يُجذفون بقواربهم عبر حلقات سباق يعدونها بينهم.

كما تظهر صورة أخرى حياة الصيَّاد بعد انتهائه من رحلته، ومُلاقاته أطفاله الذين ينتظرون عودته بفارغ الصبر حاملاً بين يديه ما جنته شباكه من سمك بأنواعه المختلفة طِيلة ساعات عمله. وبجانب تلك السلسلة الفوتوغرافيّة، ثمة صورة أيضًا، لفتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها العام تعانق والدها الذي قتلته رشاشات الزوارق البحرية أثناء عمله بمهنة الصيد في إبريل/نيسان الماضي.

وحمل المعرض رسالة أراد المصور إيصالها للمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان حول الحياة الشاقة التي ترافق الصيَّاد الفلسطيني أثناء عمله، وفضح الممارسات الإسرائيليَّة ضده، وكذلك الدفاع عن هوية الشعب الفلسطيني الذي يعمل ليعيش بكرامته، ولم يكتفِ بالصور؛ بل استعان بعمل فيديو تم تصويره في ساعات الليل العتمة داخل البحر أثناء قيام القراصنة الإسرائيليين بالاعتداء على مجموعة صيّادين.

يُزاول العديد من أهالي قطاع غزة مهنة الصيد بالوراثة، واعتادوا أن يصطحب الصيَّاد أبناءه وأحفاده للعمل على متن القارب الواحد الذي يضم اثني عشر فردًا؛ لتدريبهم على العمل لاحقًا.  ويعمل ما يقارب الـ3000 صيَّاد على طول 25 كيلومترًا من الشريط البحري الممتد لقطاع غزة.

وحسب إحصائية لجان عمل الصيادين منذ بداية العام الحالي 2017، تعرض 27 صيادًا لإصابات بشكل مباشر، وتم تدمير 14 قاربًا بشكل كلي وجزئي، وسرق المئات من شبكات الصيد، كما اعتُقل خمسة صيادين، وتعرض اثنان للقتل.

ورغم ما نصت عليه اتفاقية أوسلو، وما تبعها من بروتوكولات اقتصادية، على حق صيادي الأسماك في قطاع غزة، بالإبحار لمسافة 20 ميلًا، بهدف صيد الأسماك، إلا أن ذلك لم يُنفّذ منذ 15 عاما، ومازال الاحتلال يمعن في تضييق الخناق على الصياد الغزيّ حتى باتت هذه المهنة تعني له الموت المحتّم.

جاء المعرض بعد سلسلة معارض أقامها المصور في كل من فرنسا، وبلجيكا، وكندا، شاركت فيها صوره من دون مرافقته لها، بسبب منعه من السفر نتيجة الإغلاق المتكرر للمعابر.

تركّز عدسة المصور الفوتوغرافي الذي مارس شغفه في التصوير منذ طفولته على معالجة العديد من القضايا الإنسانيَّة التي تهم الشعب الفلسطيني من حروب متكررة، وحياة اللاجئين، وذكرى النكبة، والعديد من المناسبات والسياقات الأخرى.