كرداسة .. مدينة المداهمات الأمنية
كرداسة .. مدينة المداهمات الأمنية
(في كرداسة، تصوير: محمد حسام / وكالة الأناضول)
ثورة
12 أغسطس 2017

لا يكاد يمرّ أسبوع إلا وتقتحم قوّات الشرطة المصرية مدينة كرداسة في مداهمات أمنية متكرّرة، منذ فضّ اعتصامي رابعة والنهضة. حالة من القلق والاستنفار تبدو ملازمة لكافة وجوه الحياة غير الآمنة في البيوت والشوارع والمدارس، بينما لم تتوقّف مظاهرات أنصار جماعة الأخوان للحظة، رغم ارتفاع حصيلة المقبوض علىهم من المنتمين للجماعة والذين بلغت أعدادهم أكثر من 350 معتقلا، بالإضافة إلى أعداد الهاربين خارج البلاد.

فالمظاهرات التي تطوف شوارع كرداسة بشكلٍ منتظم خمس مرّات في الأسبوع، يقابلها تواجد أمني بشكل يومي، حيث تتمركز في المكان على مدار اليوم الواحد فرق وتشكيلات أمنية مختلفة، وفي توقيتات غير محدّدة، وذلك بخلاف الحملات الأمنية الكبيرة؛ فتأتي قوّات أمنية صغيرة في سيارة شرطة واحدة أو اثنتين للتأمين والمحاصرة، لكن الحملات الأمنية الكبيرة تستخدم فيها مدرّعات وأفراد من القوات الخاصّة وقوّات فضّ الشغب، وتكون بمعدل حملة إلى حملتين خلال الأسبوع، وتعتاد الظهور من الساعة الثانية صباحًا وتقوم باعتقال مواطنين، بداية من المنتمين للإخوان وفرق "الألتراس" وتوسيع دوائر الاشتباه باعتقال وتوقيف أفراد عاديين لمجرّد أن نسبهم يضعهم بين منتمين لتيارات إسلامية.

لا يخلو الأمر من طرافة سوداء عندما تشرع قوّات الشرطة في طلب القبض على شخص مضى على وفاته أكثر من عقد ونصف، فهذه الحملات لا تهدف إلا للترويع والقمع والتنكيل بالناس بدون مبرّر، وهو الأمر الذي اضطر عددا كبيرا من رجال المدينة للتخلّي عن المبيت في منازلهم بحسب أحد أبناء كرداسة المقيمين فيها.

تعدّ كرداسة واحدة من المناطق التي تُحكم جماعة الإخوان المسلمين سيطرتها ونفوذها عليها، تليها الجماعة الإسلامية، ومؤخرًا التيار السلفي بعد ثورة يناير 2011؛ فالجماعة قامت بإنشاء مدرسة للتعلم الأساسي، ووحدة صحية ودار لتعليم الأطفال وتحفيظ القرآن، فضلًا عن ترميم عدد من المنشآت، وذلك منذ بزغ دورها الاجتماعي في السبعينات، وتخلّي الدولة عن تقديم الدعم والرعاية الاجتماعية للمواطنين مع سياسات الانفتاح الاقتصادي والخصخصة.

ثمّة تواجد قوي وملحوظ لمواطني كرداسة على مستوى الخدمات المرفقية والأنشطة الخيرية والاجتماعية، بينما لم يظهر أي تيار منافس إلا بعد ثورة يناير، مثل شباب البرادعي وحمدين و"6 أبريل" وفرق "الألتراس".

يقطن بهذه المدينة نحو 350 ألف نسمة من بينهم نحو 10% من الصعيد، نزحوا إليها خلال الثمانينات والتسعينات، من أقاليم مصر المختلفة بحثًا عن السكن والعمل، نظرًا لقربها من العاصمة، وبالنسبة للسكان الأصليين، فهم مجموعة من العائلات الكبيرة ذات النفوذ والمتماسكة عائليًا ولها أعرافها القبلية في حل الخلافات والنزاعات؛ فداخل الأسرة الواحدة تتفاوت الانتماءات السياسية والفكرية، لكنها لا تصل إلى الخصومات، وهو ما يوفر حاضنة اجتماعية تضمن حماية الأفراد، الذين يتعرّضون للتنكيل الأمني واتهامهم بـ"الإرهاب"، فيضطرون إلى دسّ مجموعة من الأفراد الوافدين، ممن ليس لهم أصول عائلية داخل المدينة، كمرشدين للأمن، الأمر الذي قد يؤدّي إلى "حرب أهلية" في ظلّ التحريض المستمر.

ثمّة عقد غير مكتوب بين السكان الأصليين والوافدين إلى المنطقة؛ فالوافدون لاعلاقة لهم سوى بأداء أعمالهم ووظائفهم، أما خلافات السياسة وإدانة طرف على حساب الآخر، فهم ينأون بأنفسهم عن ذلك، وأي شخص قد يتورّط منهم في الإبلاغ للأمن عن عنصر مطلوب أو يدّعي انتماءه للإخوان، تتمّ معرفته ويصبح منبوذًا نظرًا للطبيعة العائلية المتماسكة لدى الطرف الأوّل، والتي رغم تداخل الانتماءات داخلها وتناقضاتها مثل عائلتي "الزمر" و"مكاوي"؛ ففيهم منتمون بل قيادات تاريخية للحزب الوطني المنحل والإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية، لكن صلات القرابة والدم تفرض نفسها على العلاقات.

تعكس هذه الأوضاع والتشكيلات العائلية التي تحمي الجسم الاجتماعي لـ كرداسة صمودها، بالرغم من تكرار المواجهات الأمنية، وعدم توقّفها في ظلّ استمرار حالة الشدّ والجذب بين قوّات الداخلية وخلايا جماعة الإخوان، التي تنشط بدعاية مضادّة لنظام عبد الفتاح السيسي وأجهزته القمعية والأمنية.

وما زالت تحتل واجهات البيوت صور أبناء كرداسة، ممن قتلوا في مواجهات مختلفة مع أجهزة الأمن، في الوقت ذاته، لم يكن ليستطيع مرشحو النظام عن هذه الدائرة في الانتخابات وبعدها عقد مؤتمر انتخابي أو فتح مقر لهم فيها، بالإضافة إلى التواصل مع ناخبيهم وممارسة أي دور انتخابي ودعائي بأيّ شكل.

جانب آخر في كرداسة، يخفيه حديث السياسة والمواجهات الدامية، في ذلك الشارع السياحي الذي كان يعد منطقة تجذب السياح العرب والأجانب، حيث يصادف وجود مركز الشرطة المحترق، في مدخل هذا الشارع، فيهيمن بصورة وحشية على منظره الجمالي الذي يضم مئات المصانع والورش والمحال الأشهر عالميًا، والمتخصّصة في صناعة المنسوجات؛ مثل الأنوال والشال والستائر وأعمال التطريز والمصنوعات الخزفية والتماثيل الفرعونية.

كان للمدينة موقع بارز على الخريطة السياحية المصرية، ويزورها يوميًا آلاف السيّاح، فهي تبعد عن أهرامات الجيزة ما يقرب من عشر دقائق، لكن حالة كساد عامّة يعيش فيها أبناء هذا الشارع وتلك الصناعات، قي ظلّ تراجع أي نشاط سياحي وتدهور اقتصاديات العاملين فيها، فيما يظلّ مركز الشرطة المهدّم عند مدخل هذا الشارع شاهدًا على ما آلت إليه الأمور من تدهور.