الكتابة على الجدران.. جرائد إسمنتية في الشوارع الفلسطينية
الكتابة على الجدران.. جرائد إسمنتية في الشوارع الفلسطينية
(جدار الفصل العنصري/ بيت لحم، تصوير: توماس كوكس)
في الوقت الذي لم يكن مسموحًا فيه للفلسطينيين خصوصًا في قطاع غزّة امتلاك إذاعة أو محطّة تلفزيون أو حتى صحيفة تحمل آرائهم، انتهجوا فكرة الكتابة على الجدران، فلم يعد يخلُ أي شارع وحيّ في القطاع من تلك الكتابات التي تحمل مضامين متنوّعة تروي حياة السكان الغزّيين عبر مراحل زمنيّة.

برزت هذه الظاهرة مع انطلاق شرارة الانتفاضة الأولى على أيدي الشباب الملثّم المتنقل بين أزقّة المخيّمات وشوارع المدينة، ليخط كتابات تندرج تحت إطار الإعلان عن الإضرابات وبطولات المقاومة، شعارات الفصائل الفلسطينية، وفعاليّاتها الوطنيّة، فأصبحت الوسيلة الشائعة والأكثر تداولًا وقتها.

لم تكن الكتابة على الجدران عشوائية، بل اتخذت الأسلوب المنظّم والمنسّق بين الفصائل الفلسطينية، وكان يحجز كل فصيل الجدار رهن ملكيّته لأيّام معدودة إلى أن تنتهي، ليقوم فصيل آخر بإزالتها وكتابة عبارات تضمّ فكرته، وكثيرًا ما كانت تحدث خلافات بينهم على الجدران معتبرين ذلك قرصنة.

وفي ظل الاضطهاد الذي عاناه الفلسطينيون من قبل قوّات الاحتلال الصهيوني في تلك المرحلة، وجدوا في الكتابة على الجدران وسيلة اتصال ذكيّة بأدوات بسيطة بين ما يسمى بـ "البوية" وهو بخاخ يكتب بواسطة الرش، وبين الطباشير وأقلام الفحم، واتخذت الكتابة وقتها خطوطًا بأشكال زخرفية وألوان متعدّدة.

في ساعات الليل المظلمة، كان يخرج الشباب الملثم ليِخُط كتابته على الجدران سرًا خوفًا من الاعتقال أوالقتل المباشر الذي كان يتعرّض له على يد قوّات الاحتلال الاسرائيلية المتمركزة في القطاع الغزّي آنذاك، وغالبًا ما كانت تجبر المواطنين قسرًا على إزالتها.

والجدير ذكره، أن الجدران شكّلت همزة الوصل بين المقاومة والمواطن الذي كان يستقبل صباحه بالاطلاع محتواها كأنها صحيفة ورقية، يقرأ من خلالها أنشطة وفعاليات الفصائل الفلسطينية والشعارات التي كانت تصدر وقتها.

وإذ تطرقنا لبعضٍ من تلك الكتابات نجدها تحمل في طيّاتها عبارات مقتبسة من قصائد مشهورة، لأدباء يشجّعون على المقاومة أمثال أمل دنقل التي تقول: "لا تصالح على الدم حتى بدم.. لا تصالح لو قيل رأس برأسك." أما الجملة المشهورة التي يردّدها الفلسطينيين كما الجدران قول محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة."

وفي فترة قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، انتقلت ملكيّة الجدران من أيدي الفصائل الفلسطينية إلى عامة الناس، وبدأت السلطة بالتعاون مع المشروع الياباني في تلك الفترة الزمنية  في إزالة ملامح "الجدران الفصائلية" بهدف تبييضها، الأمر الذي اعتبرته الأحزاب السياسية الفلسطينية بمثابة خطوة لطمس معالم الانتفاضة والإعلان عن بداية مرحلة جديدة، بدا فيها المواطنون يخطّون على الجدران ملامح حياتهم اليوميّة ومناسباتهم الاجتماعية كالتهنئة بالزواج، الحج، النجاح، واستثمرها أصحاب الشركات التجارية للدعاية والترويج لمنتجاتهم، وكذلك مؤسّسات المجتمع المدني، اتخذت منها لوحات إرشادية لتصحيح وإرشاد سلوكيّات مرتبطة بالمجتمع الغزّي.

ربّما عادت مرّة أخرى ملكيّة الجدران للأحزاب السياسية مثل حركة فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الديمقراطية، وغيرها من الأشكال الوطنيّة التي مثّلت لها لوحات دعائية لقوائم انتخابية، قُبيل انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، والتي على إثرها حدث الانقسام السياسي؛ فالطابع غير المُوحّد كان واضحًا على المخطوطات التي كتبتها الفصائل الفلسطينية بشكل يختلف عما أسلفنا ذكره في مرحلة الانتفاضة.

وبدى كل فصيل يكتب على جهة، عبارات تتّسِم في مُجملها بالشرخ السياسي الذي تعيشه المرحلة بين حركتي حماس وفتح على وجه الخصوص، فبعد أن كانت تُكتب على الجدران أسماء شهداء الانتفاضةّ، كُتبت أسماء ضحايا الانقسام لكلٍ من الحزبين وكان اللون الأصفر والأخضر الظاهر في تلك المرحلة.

بدأت تتطوّر تلك المضامين الكتابيّة على الجدران بتطوّر المرحلة التي يمر بها القطاع، فوجد الغزيون في جدرانه وسيلة لمحاكاة همومهم والتعبير عن عواطفهم وإن كانت بدون توقيع، و واستثمرها السكان كأداة تواصل عاطفي بين المرسل والمتلقي الذي يعرف صاحب الرسالة من خلال شكل الخط ونوعه وموضعه في الجدار، وهذا ما يعرف بأدب الشوارع، وأحيانا كانت تروي الحيطان مشاعر البؤس والسخرية التي يحملونها.

لم تبق الجدران الغزيّة على حالها، فتأثرت كتاباتها بالحروب الثلاثة التي عاشها المواطنون مع بداية عام 2008 حتى عام 2014 والحصار الخانق، مشكلّة نقلة نوعية، فظهر على السطح فنٌ جداري جديد يسمّى الغرافيتي أو "فن الشوارع" على يد مجموعة من الفنانين التشكيليين أرادوا صنع ثورة سلميّة بلوحاتهم الجداريّة على الحائط الغزي تعبّر عن واقعهم.

يعتبر الغرافيتي فنًا هادفًا، يسعى الفنان من خلاله إلى إيصال رسالة قد تكون متعلّقة بقضايا اجتماعية أو سياسية، أو أزمة معيّنة داخل البلاد، وتعدّ فلسطين أوّل دولة عربية ظهر فيها هذا النوع من الفنون مع اندلاع "انتفاضة الحجارة"؛ فكان أحد أساليب المُقاومة التي جرّمها الاحتلال وفرض على كل من يمارسها عقوبة السجن.

كان عام 2000، العام الذي قرّرت فيها سلطات الاحتلال أن تعزل الضفّة الغربية عن القدس والأراضي المحتلة عام 1948، هو العام الذي تجلّى فيه فن "الغرافيتي" بشكل كبير، حيث وجد الفنانون الفلسطينيون في جدار الفصل العنصري مساحة واسعة للتعبير عن رفضهم للجدار ذاته والاحتلال.

وفي نظرة للمتجوّل في قطاع غزة، في منطقة السرايا تحديدًا، يجد ملامح هذا الفن بشكل جلي لأن جدرانها بدت تمثل ساحة تأبين لذكرى شخصيات وطنية متنوّعة رسمت عليها، كما اتخذ بعض الفنانين من الغرافيتي وسيلة لتفريغ الضغوطات التي يعيشونها في مدينتهم لرسم أحلامهم؛ إذ تشكّل لوحة رسمها الفنان يزيد الطلاع لفتاة تحمل كاميرا وحولها دوائر رُسمت بحروف اللغة العربية، وجُهّزت بعبارة "كن أنت تزداد جمالًا" واجهة كاملة لإحدى البنايات في منتصف غزة ملفتة نظر الزائرين و تأخذهم لنظرة تحليليه حول مضمون تلك الصورة الفنية.

وأخيرًا في ظلّ التقدّم التكنولوجي وانتشار العالم الرقمي باتت مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك" وتوتير أداة يستخدمها المجتمع الغزي للتعبير عن آرائه مستثمرًا الفضاء الأزرق، فتحوّلت الكتابات الجدرانية التي كانت تكتب داخل أسوار المدينة إلى الجدران الالكترونية. وأصبح النشطاء اليوم، يكتبون تدويناتهم على حائطهم الافتراضي، فهل من خَط كتاباته عبر حائطه الإسمنتي منذ بداية الانتفاضة ما زال يخطّها عبر الحائط الالكتروني حاليًا؟.