اللاجئون السوريون في الأردن.. في عيد بلا وطن
اللاجئون السوريون في الأردن.. في عيد بلا وطن
(مخيّم الأزرق بالأردن، تصوير:تشارلز أوماني/ واشنطن بوست)
ثورة
26 يونيو 2017
في وقت تفيض فيه صفحات الأردنيين على مواقع التواصل الاجتماعي بمشاعر الفرح والسرور والمعايدات والتبريكات بمناسبة حلول عيد الفطر، يستقبل مئات آلاف اللاجئين السوريين في الأردن هذه المناسبة بمزيد من المعاناة والألم، وبأوضاع اقتصادية أقل ما توصف به بأنها "مأساوية"، فضلًا عن استمرار تجرّعهم كأس الغربة وويلاتها.

فمشاعر الحزن والألم، التي ترافق اللاجئين السوريين في الأردن، ترمي بظلالها على غالبيتهم، نتيجة بعدهم عن بيوتهم وأراضيهم، التي تشهد حربًا منذ أكثر من سبعة أعوام.

كل ذلك، بدد مظاهر الاستعداد لعيد الفطر، الذي بات بالنسبة إليهم "يوما اعتياديًا، كباقي أيام السنة التي تمر ببطء شديد، بعيدًا عن الأهل والوطن".

سعيد يونس (اسم مستعار)، في العقد الثاني من عمره، يشرح لـ"جيل"، كيف حل العيد هذه السنة، ولا يزال التشرّد هو عنوان الحياة حاليًا، مستذكرًا هذه المناسبة عندما كان في بلده.

"كنا نعيش هذه المناسبة في وطننا بكل معنى الكلمة، نحضّر الحلوى ونشتري الملابس الجديدة ونزور الأهل والأقارب، لكننا الآن نلزم بيوتنا، وتقتصر أحاديث العيد على سرد ذكرياتنا الأليمة يوم كان لنا وطن وأهل وأحباب"، يقول يونس.

من ناحيته، علي العبد الله، اللاجئ الثلاثيني من ريف حلب، يشير لـ"جيل"، إلى الأجواء الأسرية و"لمّة" العائلة التي كان يعيشها قبل الحرب خلال الأعياد الدينية، معتبرًا أن العقل والقلب يحولان بينه وبين فرحة العيد.

من جانبها، تقول ليلى، اللاجئة الثلاثينية، وقد اغرورقت عيناها بالدموع: "نحن محرومون من كل شيء، حتى من فرحة العيد، هل تريد مني أن أصنع الحلويات وأنا بعيدة عن بيتي وأهلي".

هؤلاء اللاجئون يتوزّعون على محافظات أردنية عديدة، كالمفرق وإربد، إضافة إلى العاصمة عمّان، ولكل عائلة سورية لاجئة حكاية ألم ومعاناة وفراق، لكن ثمّة أملا يجمعهم بالعودة إلى بلدهم، يبدو أنه لا يزال عالقًا في أفئدتهم، خاصة الشباب منهم.

فقد خلصت دراسة أجرتها أخيرًا منظمة "أوكسفام"، وهي منظمة إغاثية عالمية، إلى أن 65% من اللاجئين السوريين في الأردن، يخشون من عدم تمكّنهم من العودة إلى سورية.

وتضيف المنظمة في دراستها، والتي عاينها "جيل"، أن "اللاجئين المشمولين في الدراسة، يخشون من ألا يستطيعوا رؤية سورية مرة أخرى"، مبينة أن "65% منهم عبروا عن خشيتهم من عدم تمكّنهم من العودة إلى سورية، رغم رغبتهم الشديدة بالعودة".

"رغم أن الأغلبية الكاسحة من اللاجئين ترغب في العودة إلى سورية، أعرب ثلث من تم سؤالهم فقط عن أنهم يتوقّعون العودة إلى الوطن، إلا أن 78% من هؤلاء أوضحوا أنهم لا يعلمون متى يمكن أن يحدث ذلك"، كما أظهرت الدراسة.

ويدلّل ذلك على الفشل الكبير الذي رافق الخطوات الحثيثة من جانب المجتمع الدولي والسلطات الأردنية، والتي كانت تهدف بالأساس طيلة الفترة الماضية لإشراك السوريين، وتحديدًا الشباب، في التنمية الاقتصادية في الأردن، وفق عدد من الناشطين السوريين.

ويوضّح هؤلاء في حديث لـ"جيل"، أن واحدًا من كل خمسة لاجئين سوريين فقط استفاد من الحصول على تصريح عمل مثلًا، بسبب عقبات متعدّدة، تشمل انعدام فرص العمل، والعقد المحدد لمدة تقل عن سنة.

كما يعتمد كثير من أرباب الأسر السورية اللاجئة على المعونة الإنسانية، التي ما فتئت تتضاءل، حيث إن 40 في المائة من اللاجئين يعتقدون أن "المساعدات الإنسانية هي المصدر الرئيسي للدخل، بزيادة 33 في المئة عن عام 2016"، بحسب ما يؤكده لـ"جيل"، مسؤول بارز في منظمة "كير" الإغاثية العالمية.

ولعل فكرة العودة طواعية إلى سورية بالنسبة لكثير من هؤلاء اللاجئين في الأردن، غدت حاليًا مطلبًا ملحًا أكثر من كونه حلمًا يدغدغ مخيّلتهم، ليس فقط بسبب الحصار الذي يحيط حياتهم، كما تبيّن سابقًا، بل نتيجة تبلور عدة عوامل برزت على مجريات الأحداث الدائرة في بلدهم سورية.

ناشطون سوريون أوضحوا، في حديث إلى"جيل"، أن أعدادًا من اللاجئين تختار العودة إلى سورية لأسباب متعددة، من بينها الأنباء عن تحسّن الأمن في عدد من القرى الحدودية، وكذلك لحماية ممتلكاتهم.

وأوضح هؤلاء، من بينهم الناشط البارز أحمد المسالمة، أن "العديد من اللاجئين يريدون كذلك الانضمام إلى أفراد من عائلاتهم أو أقاربهم تركوهم خلفهم ونقلهم إلى الأردن".

وأشار المسالمة، وهو ناشط سوري من مدينة درعا الحدودية مع الأردن، أن أغلبية العائدين هم من القرى القريبة من الحدود الأردنية السورية، على الرغم من أن جزءًا كبيرًا من هذه المناطق لا تزال ساحة معركة، وهو ما يدفع السلطات الأردنية للخشية على سلامة العائدين، الذين تشكّل العائلات الغالبية العظمى منهم.

مسؤول أمني رفيع، أشار في حديثه لـ"جيل"، إلى أن القلق نابع من أن يكون هؤلاء اللاجئون قد عادوا إلى مناطق تعاني من نقص في الغذاء والوقود والكهرباء، ولا توجد فيها سوى خدمات محدودة، مؤكدًا على أن الوضع الأمني لا يزال "متفجّرًا".

وإن كان الحديث السابق يرتبط بشكل خاص بالذين يريدون العودة لديارهم بصورة نهائية دون الرجوع مرّة أخرى، فإن الحديث الآن، وفي أوساط كثير من الناشطين والسياسيين السوريين، الذين تواصل "جيل" معهم، يدور حول فكرة تيسير زيارة عائلات لاجئة لقضاء عطلة عيد الفطر في مدنهم وقراهم، خاصّة الحدودية مع الأردن، ومن ثم العودة مرّة أخرى لمكان سكناهم كلاجئين.

وتبدو الفكرة، وفق هؤلاء، تحاكي ما أقدمت عليه السلطات التركية، قبيل حلول عيد الفطر، بالسماح لعشرات آلاف السوريين المقيمين على أراضيها بقضاء عطلة العيد بين ذويهم وأقربائهم، في مدن وبلدات الشمال السوري، التي تشهد هدوءًا نسبيًا نتيجة اتفاق "تخفيف التصعيد"، الذي أبرمته القوى المؤثرة في الأرض السورية قبل أسابيع، ويشمل أيضًا مناطق في الجنوب السوري المتاخم للأردن.

إلا أن ذلك، ووفق المسؤول الأمني الأردني البارز، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، لا يتماشى مع الظروف التي تعصف بالجنوب السوري، وتحديدًا مدينة درعا، والبادية السورية، حيث تشهد تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق، الأمر الذي يهدّد بشكل أو بآخر الأمن الأردني.

وتفرض السلطات الأردنية طوقًا أمنيًا مشددًا على حدودها، إذ لا تسمح بدخول حتى العالقين من السوريين إلا في الحالات الصحيّة الطارئة، التي تستدعي تقديم العلاج لهم في المراكز الطبية الحدودية.

في ظل هذه الحقائق، لا يبقى أمام السوريين هنا سوى انتظار ما ستؤول إليه الأحداث على الساحة السورية، بموازاة الحديث عن تقدّم كبير لفصائل المعارضة السورية، تحديدًا في الجنوب، ما يجعل من فكرة الانتقال من المملكة ومن ثم العودة بالنسبة للاجئين أمرًا سهل التحقيق، كما يحصل في الشمال.

الجدير ذكره أن الأردن يعد ثاني أكبر مستضيف للاجئين في العالم، مقارنة بعدد سكانه، وبنسبة تبلغ "لاجئا واحدا مقابل كل 11 مواطنا أردنيًا"، وأن 93 بالمائة من اللاجئين السوريين في الأردن يعيشون تحت خط الفقر، مع محدودية وقلة فرص كسب الرزق أمامهم.