فلسطينيون في الأردن.. الجنسية الأردنية لا تخدم القضية
فلسطينيون في الأردن.. الجنسية الأردنية لا تخدم القضية
(في العاصمة عمّان، تصوير: خليل مزرعاوي)
تتجرّع الأردنية منال (اسم مستعار) الأمرّين، ولا تنفكّ عنها الصعوبات، والتي تترصّد لها كظلّها، هي وأبناؤها، عند محاولتها السفر، والبحث عن عمل تقتات منه، حتّى حق التعليم والتمتّع بتأمين صحّي حُرمت منه، لتصل ذروة معاناتها إلى عجزها عن استصدار أيّ وثيقة رسمية نتيجة مضاعفة رسوم التجديد.

كل ذلك، وغيره من صور التعب والمعاناة المرّة، حلّ بها وبعائلتها، عقب حرمانها وأبناءها من جنسيتهم الأردنية، عقب رفض دائرة الأحوال المدنية والجوازات الأردنية تجديد هويّات أبنائها، لتُراجع دائرة المتابعة والتفتيش الأردنية، ليبلغوها هناك، وفق ما تؤكده لـ"جيل"، بسحب الجنسية من أبنائها وزوجها الذي يحمل البطاقة الخضراء، بحجّة سفر الوالد إلى الضفّة الغربية المحتلّة، وتحديدًا في العام الذي كان فيه قرار فك الارتباط (1988).

لم يتبقَ لهذه الأم المكلومة سوى باب وحيد، كان في وزارة الداخلية الأردنية، لتقدم طلب استرحام، كما نصحها بذلك عدد من المعارف، فتجيبها الوزارة بأن "تجنيس الفلسطينيين في الأردن يضرّ بالقضية الفلسطينية، والتي تحتاج أبناءها ليكونوا جزءًا منها".

منال بدورها وصفت الردّ السابق بغير المنطقي والمقنع أبدًا، فـ"أبنائي ولدوا وعاشوا هنا، وقضوا حياتهم في الأردن، ويحملون جنسيتها، فكيف يغدون بين ليلة وضحاها غير أردنيين؟"، تتساءل بحرقة.

وفي مسعى من "جيل" للحصول على توثيق بعدد من يعانون سحب جنسياتهم في الأردن، انتظرنا، أيّاماً عدة، ردًا من وزارة الداخلية الأردنية، عن أعداد المواطنين الذين سُحبت منهم الجنسية الأردنية، إلا أنّنا لم نواجه سوى المُماطلة والتأجيل من قبل الوزارة، ولم نتمكّن من الحصول على ردّ حول أعداد من تم سحب جنسياتهم.

من ناحيتها، نفت مديرية الأحوال والجوازات الأردنية لـ"جيل"، وتحديدًا على لسان الناطق باسمها مالك الخصاونة، سحب الجنسية مؤخرًا من أي مواطن أردني، يحمل البطاقة الخضراء، مؤكدًا أن الدائرة تقوم بتجديد جوازات هؤلاء بشكلٍ عادي ومن دون أدنى شائبة، باستثناء من تُثبت عليهم مخالفات قانونية لم يحدّدها، ليُعاد النظر في طلبات تجديدهم.

المحامي والباحث في شؤون الجنسية أنيس قاسم، يُرجع في حديثه لـ"جيل" تحفّظ الحكومة الأردنية على المعلومات والأرقام المتعلقة بسحب الرقم الوطني والجنسية، إلى وجود عيوب وأخطاء فادحة تحيط بكل ما يخصّ الأمر، وهو ما يخالف الدستور الأردني، ما يدفع الحكومة إلى إخفاء هذه المعلومات، والتي تطعن في شرعية إجراءاتها، على حدّ قوله.

وعلى الرغم من التكتّم الحذر، إلا أن مصادر شبه رسمية، كشفت في تصريح خاص بـ"جيل"، عن وجود ما يقارب 40 ألف مواطن جرى حرمانهم من الجنسية الأردنية، والحديث هنا عن أصحاب البطاقات الخضراء، لتناقض هذه الإحصائية إحصاءات رسمية سابقة قدّرت عدد من سُحبت أرقامهم الوطنية بـ 4800 شخصٍ فقط.

هذا ويشكل الأردنيون من أصل فلسطيني، والذين استقرّوا في المملكة بعد قيام دولة الاحتلال عام 1948، غالبية السكان الذين يزيد عددهم عن تسعة ملايين نسمة.

وكان الأردن قد بسط سيادته على الضفّة الغربية، إثر أول حرب عربية إسرائيلية، ومنح جميع سكانها الجنسية الأردنية، إلا أنه في عام 1988 صدر قرار فك الارتباط القانوني والإداري بين الأردن والضفّة الغربية، وبالتالي سحب الجنسية الأردنية من الفلسطينيين المقيمين في الضفّة في ذلك الوقت.

ويؤكّد خبراء في القانون، من بينهم المحامي أنيس قاسم، أن الجنسية الأردنية فُرضت على الفلسطينيين اللاجئين، خلال الفترة بين عامي 1947 و1948، إلى الضفة الشرقية، وفقًا لنص القانون رقم 56 الصادر في عام 1949، والذي ينصُّ على أن "جميع المقيمين عادة عند نفاذ هذا القانون في شرق الأردن أو في المنطقة الغربية، والتي تُدار من قبل المملكة الأردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية، يعتبرون حائزين للجنسية الأردنية".

المأساة ما زالت تتفاعل وتتفاقم، إذ إن صلاحية سحب الجواز من أردني تم التنازل عنها عمليًا من مجلس الوزراء إلى دائرة تابعة لوزارة الداخلية، تسمّى "دائرة المتابعة والتفتيش"، لتتوسّع هذه الأخيرة في تحديد الشروط التي تبرّر سحب الجنسية الأردنية من أردني ذي أصل فلسطيني، وفق هؤلاء القانونيين.

وللاطلاع على الوضع القانوني، بالنسبة لأهالي الضفّة الغربية، لا بدّ من الرجوع إلى عام 1950، عندما تمّت وحدة الضفّتين، وأصبحت الضفة الغربية جزءًا من الأردن، وعليه حصل سكان الضفّة الغربية والأردن على جواز سفر أردني ورقم وطني أردني، وعندما نقول رقمًا وطنيًا أي أن له حقّ الانتخاب والترشيح، والدخول إلى المدارس الحكومية، والمستشفيات الحكومية، وتملّك العقار وغيره، أي أنه مواطن أردني كامل الحقوق.

وفي سنة 1967 نزح عدد كبير (نحو 200 ألف) من الفلسطينيين وتركوا الضفّة الغربية وعاشوا في الأردن، أيّ كأنهم انتقلوا من مدينة أردنية إلى أخرى.

إلا أن هؤلاء حاولوا الرجوع إلى الضفّة الغربية، إما لزيارة أهلهم الذين لم يهاجروا وإما للعيش هناك، ومن ثم حاولوا الحصول على ما يسمّى "تصريحاً إسرائيلياً بالإقامة"، أو كما يسمّى في أوساط الفلسطينيين "تصريح لمّ الشمل"، وبعضهم حصل عليه.

ومنذ ذلك الحين وهؤلاء يحافظون على الزيارات المنتظمة للضفّة الغربية، لتثبيت الهوية الفلسطينية والوثائق الرسمية الإسرائيلية وتجديدها.

أجرت دولة الاحتلال تعدادًا للسكان في 1967، شمل الأفراد الموجودين في الضفّة الغربية، ولم يشمل التعداد سكّان الضفة الغربية الذين طُردوا عام 1967، أو من كانوا خارج الضفّة الغربية لأسباب أخرى، فمنحت دولة الاحتلال من تم تسجيلهم في التعداد فقط الحقّ في الإقامة بالضفّة الغربية.

وفي عام 1983، أدخل الأردن نظام البطاقات الملوّنة للأردنيين من الضفّة الغربية، بقصد تيسير سفرهم بين الضفة الشرقية (الأردن الآن) والضفّة الغربية التي يحتلها العدو الصهيوني، ليتلقى سكّان الضفة الغربية، والذين يزورون الأردن البطاقة الخضراء، فيما تلقى الأفراد المقيمون في الأردن، وتعود أصولهم إلى الضفّة الغربية، أو فرّوا إليها في عام 1948 البطاقة الصفراء، واستخدموها عندما يزورون أهاليهم أو أقاربهم ويتنقلون بين الضفّة الغربية والأردن.

وفي 1988 تمّ فك الارتباط بين الضفّتين، وعليه، فقد الفلسطينيون المقيمون في الضفّة الغربية الجنسية الأردنية، بينما احتفظ الفلسطينيون المقيمون في الأردن بالجنسية الأردنية ورقم وطني أردني.

فأصبحت البطاقة الخضراء تدل على الفلسطيني المقيم في الضفّة الغربية، والذي ليس له رقم وطني أردني. أي أنه لا يحظى بامتيازات المواطنين الأردنيين فلا يحقّ له الانتخاب، ولا تخفيض في تكاليف الدراسة الابتدائية والجامعية ولا في الصحّة ولا يستطيع تملك العقار وغيرها من الأمور.

وأصبحت البطاقة الصفراء تدلّ على الفلسطيني الذي تعود أصوله إلى الضفة الغربية المقيم في الأردن ولديه رقم وطني أردني. وهؤلاء بعضهم لديه تصريح لم شمل أو حق إقامة في الضفّة الغربية، ويستخدمون البطاقة الصفراء عند سفرهم بين الضفّة الغربية والأردن.

يعتقد حقوقيون كثر، تحدّث "جيل" إليهم، أن الحكومات الأردنية المتعاقبة تتعمّد إصدار تعليمات "سريّة" في الظلام، لا تُنشر في الصحيفة الرسمية، ولا يعلم أحد بها حتى هذه اللحظة، تدور حول كيفية سحب الجنسية من المواطنين الأردنيين من أصول فلسطينية.

وما يدعم هذه الأقوال تعمد وجود غموض في تعليمات قرار فك الارتباط وتفسيراته، في ما يتعلق بسحب الجنسية من الأردنيين من أصول فلسطينية، الأمر الذي حرم كثيرًا من الجهات المعنية، خاصّة الجهات البحثية، حصولهم على هذه المعلومات، على الرغم من وجود "قانون ضمان حقّ الحصول على المعلومة".