المؤسسة العسكرية في مصر.. مواجهة بين جيلين وثورتين
المؤسسة العسكرية في مصر.. مواجهة بين جيلين وثورتين
ثورة
8 أكتوبر 2017

يكاد جيل السبعينيات في مصر أن يحمل نقيضين في مشاعره تجاه المؤسسة العسكرية، ليس ذلك فحسب؛ ولكنه نقيض وليد تصدّع عنيف وتبدل المكانة بصورة راديكالية من حال لحال مغاير تمامًا؛ فهؤلاء الذين شهدوا هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967، وهزت يقينياتهم السياسية والتاريخية، فأرغمتهم على سؤال الذات في مواجهة الآخر، وموقع كليهما في التاريخ؛ حتى أضحى بمثابة تحدٍ وجودي لكلاهما يهدد هوياتهم وحياتهم، ومع انحسار المد القومي الناصري وتقلص صورة الزعيم، شرعوا في البحث عن مرجعية بديلة وشرعية أخرى، غير التي مررت الهزيمة بتلك الرعونة، وكشفت عن فوضوية الخطابات التعبوية، وضجيجها الزائف وصخبها الشديد بغير هدف أو مضمون.

لم يستوعب ذلك الجيل الذي ظل يردد أغنية الشيخ إمام: "واه ياعبد الودود.. يا رابض على الحدود"، في إشارة للجندي المصري، الذي يحمي تراب الوطن، فمضى بأحلامه الرومانسية، في ظل زخم الحراك الطلابي في السبعينيات، ينشد رغبته الحثيثة في تحرير الأرض والتطوع في الجيش لخوض المعركة ضد الكيان الصهيوني؛ أن يواجه نفس الجندي ببزته العسكرية المميزة، أثناء مظاهرات الخبز في 18 و19 يناير 1977، فيقمعه بالعصا والرصاص، ويواجهه بالدبابات ويركله ببيادته ويقبض عليه، فيمارس ضده صنوف التعذيب والقهر، في تحول مشهدي لم يعتده من قبل، حيث كانت المواجهة التقليدية والمعتادة، مع أفراد الشرطة المدنية، خاصة أنه لم يمض على الحرب وانتصار أكتوبر، سوى أربع سنوات احتلت فيها صورة الجندي مكانة خاصة في كل بيت مصري وقداسة وعصمة لم يحظ بها أحد غيره.

تبعية المؤسسة العسكرية وصلاتها العضوية بالطبقة السياسية، التي حكمت مصر طوال فترات عهدها، خاصة مع حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو/تموز 1952، أدت بها إلى خضوعها لابتزازه السياسي، من ناحية، وتثبيت دورها فقط للحفاظ على شرعيته، من ناحية أخرى.

 هكذا، تحولت مهام المؤسسة العسكرية في الدفاع عن حدود الوطن، إلى شريك سياسي وحليف في عدة أنشطة اقتصادية واستثمارية، محلية وإقليمية، وأن تدخل في عدة أدوار تتوغل فيها وتستفيد من موقعها السيادي، فتخرج عن رقابة الدولة وتحظى بتيسيرات مختلفة، فتوسعت اقتصاديات الجيش، في مختلف المشاريع الهندسية والصناعات الثقيلة والأسلحة والنفط ومحطات البنزين، ومؤخرًا، مجال مثل الإعلام حتى أنها تملك أكثر من 47% من الاقتصاد المصري؛ ذلك الوضع الذي يحتم عليها أن تصبح ذراعًا عسكريًا للحفاظ على بنية النظام من حدوث خلل يهدد بقاءه ومواجهة الاضطرابات السياسية والمجتمعية والتدخل فورًا عند حدوث احتقان طبقي وتصفية عناصره.

فإن تدخل الجيش لقمع المظاهرات في السبعينيات، للمرة الأولى، كان حدثًا مهولًا ومفاجئًا، بعد تصفية السادات للقضية الوطنية ومساومته للتفاوض عبر الوسيط الأميركي، مع الكيان الصهيوني والاعتراف بشرعيته ودولة إسرائيل، لكنه في الوقت ذاته، كان يفصح عن نوايا السلطة وأدوار العناصر القائمين داخلها.

ثمة تحولات جذرية سيشهدها المجتمع المصري بعد الصلح مع إسرائيل والدخول في تبعية مباشرة للحليف الأميركي، والوقوع تحت ضغط الصندوق والبنك الدوليين، من أجل توقيع اتفاق معهما، فكانت المحصلة الرئيسية لهذه القرارات هي تحميل الفقراء من المصريين أعباء مالية تقترب من 500 مليون جنيه سنويًا، تدفع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على شكل زيادة في أسعار جميع السلع الضرورية، وهو الأمر الممتد حتى اليوم، ويؤدي إلى حدوث زيادة مباشرة في أسعار الخبز البنزين والسكر والدقيق والأرز ومختلف السلع الأساسية بنسب تتراوح ما بين 30% إلى 50%.

كما حدث تدهور سريع في الأحوال المعيشية لغالبية المصرين، ففي الفترة من 1973 إلى 1976، ارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة 42 %، وتشير دراسة لهيئة العمل الدولية جرت عشية انتفاضة الخبز أو ما وصفها الرئيس المصري في حينها، انتفاضة الحرامية، بأن 44% من المصريين، يعيشون تحت خط الفقر.

يشبه ما حدث في يومي 18 و19 يناير 1977 ووقائعه، أحداث الخامس والعشرين من يناير 2011، والتي بدأت في كليهما، عفوية وبسيطة، إلا أنها فاجأت الكل بتجمعاتها الهائلة وأعدادها الهادرة، في لحظة واحدة، غير مسبوقة، ومن دون تنظيم قبلها، تطوق شوارع القاهرة وتحتل ميادينه في محافظات وأقاليم مصر، ومثلما كان الحال في الربيع العربي، هربت الشرطة من الشوارع، ولم تتمكن من احتواء المظاهرات ووقفها، فنزل الجيش  لقمع المظاهرات، التي بدأت تهدأ تدريجيًا، مع تراجع الدولة عن قراراتها الاقتصادية برفع الأسعار، لكن استمرت بعض الصدامات حتى فجر 20 يناير.

اتجهت المظاهرات في عنفها بالأساس ضد رموز الاستبداد، وهو الأمر الذي لا يختلف أيضًا عن أحداث 2011، من حرق وهدم أقسام الشرطة والمباني الحكومية فضلًا عن اقتحام بيوت الوزراء الذين شهدوا طفرة في منازلهم غير المعتادة ووقتذاك والعربات والمحلات الفاخرة والملاهي والفنادق التي كانت مظاهر ثراء وترقي اجتماعي سريع وفاحش، فكان القمع الذي مارسه النظام بنزول الجيش رد فعل مباشر على اشتداد حالة العنف الجماهيري.