الزواج في غزّة: الخاطبة أم أحمد في بيت مارك
الزواج في غزّة: الخاطبة أم أحمد في بيت مارك
(حفل زفاف جماعي بغزّة، تصوير: مجدي فتحي)

في مناطق النزاعات والحروب والأراضي المُحتلة كقطاع غزة مثلًا، تدفع ظروف الحياة فيها إلى اتباع مبادرات أو أساليب خارجة عن نطاق المتعارف عليه، وإن تباينت فيها الآراء واختلفت، يبقى هدفها الخروج من سوداوية الواقع وتجاوز صعوباته؛ نخصّص الحديث هنا، عن طريقة "الزواج الجديد" في المدينة المحاصرة من طرف الصهاينة.

بداية، تتمّ الطريقة التقليدية للزواج في المجتمع الفلسطيني المحافظ في الغالب ببحث والدة الشاب (العريس)، عن فتاة ذات مواصفات خاصّة حدّدتها هي، وهو ما يسمى بـ"زواج الصالونات"؛ لكن وفقًا لتغير الظروف وتطوّر المجتمعات بجانب عدم قدرة أعداد هائلة ومتزايدة من شباب غزّة على الزواج نظرًا لعدم امتلاكهم متطلبات الزواج المادية وعدم توفّر فرص عمل، أطلت على مواقع السوشيال ميديا وتحديدًا الفيسبوك "الخطابة أم أحمد" وزميلاتها، وظهرت صفحات ومجموعات لتشكل حلقة وصل بين الشباب المقبلين على الزواج والفتيات، رغم انتقاد صارخ من رواد مواقع التواصل لأم أحمد وطريقتها.


أم أحمد المُنقذة
"فتاة من غزة جميلة جدًا، طولها 160 سنتيميترًا، لون بشرتها بيضاء، عيونها كبيرة وعسلية، مطلقة، جلست في القفص الزوجي فقط شهرين، سبب الطلاق عدم التفاهم، وللجادين التواصل معي على الخاص أم أحمد".

هذه المعلومات، هي بيانات أرسلتها فتاة من غزّة إلى صندوق الرسائل الخاص بصفحة "خطابة نت فقط من غزة"، تريد من مديرة الصفحة التي تُدعى ماجدة وتكنّى بأم أحمد، اختيار شريك حياتها.

https://goo.gl/EQDy23

هذا مثال واحد على طريقة الزواج الجديدة في غزة؛ إذ تعتمد على أن يرسل الشاب أو الفتاة مواصفاته، والمواصفات التي يرغب بأن تتوفّر في الشريك المنتظر، للقائمين على إدارة الصفحة، الذين يقومون بوضع "بوست" على حائط الصفحة، بالطلبات المتوفّرة لديهم بانتظار الردود من المشتركين الراغبين بإيجاد الشريك المناسب.

تقول أم أحمد (42 سنة)، في حديث إلى "جيل"، إن فكرة الصفحة جاءت للمساعدة في تقريب وجهات النظر بين الشريكين والتخفيف من شروط الزواج المعقدة التي يفرضها أهل العروس.

وتضيف المتحدثة أن من بين العوامل الرئيسية لإنشاء الصفحة هي محاولتها لكسر حاجز الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة في غزة، والتي ترى أنها أدّت إلى عزوف الشباب عن الزواج.

وتعد هذه الصفحة بمثابة مشروع صغير تديره أم أحمد مع صديقاتها؛ إذ تحصل ماجدة على مبلغ 500 شيكل (130 دولارًا أميركيًا)، مقابل كل حالة زواج تتوسّط فيها.


البطالة والعنوسة
وتعد صفحة أم أحمد من الصفحات المشهورة في قطاع غزة، رغم العدد القليل للمتابعين لها، والذي لا يتجاوز 5 آلاف، والسبب في ذلك: الرفض القاطع الذي تواجهه من طرف كثيرين، فتعليقات بعضهم ترفض إعلانات الزواج الترويجية على مواقع التواصل الاجتماعي.

طبيعة الطلبات التي تتلقاها الخاطبة ماجدة من الفتيات، تنحصر في إطار محدود، وهي البحث عن شريك محترم يقدّر الحياة الزوجية، له دخل ثابت حتى وإن كان متواضعًا. وبحسب أم أحمد، فإن المتوسّط العمري للفتيات اللاتي يتعاملن مع الصفحة تبدأ من 25 عامًا فما فوق.

وتسود في غزّة فكرة أن الفتاة التي تتخطى سن الخامسة والعشرين ولم تتزوج، قد دخلت مرحلة العنوسة، أما الشباب فجُلّهم تتمحور شروطهم حول أن تكون موظّفة، مقابل التنازل عن بعض المعايير وخاصة مقياس الجمال، نظرًا لعدم توفّر فرص عمل لدى فئة الشباب.

أظهرت الإحصائيات الأخيرة، بحسب ماهر الطباع، رئيس العلاقات العامة بالغرفة التجارية بغزة، أن معدّلات البطالة - نقلًا عن مركز الإحصاء الفلسطيني - قد بلغت في قطاع غزّة نسبة 42.7% في الربع الثالث من عام 2015، وتجاوز عدد العاطلين من العمل ما يزيد عن 200 ألف شخص. وبحسب البنك الدولي، فإن معدّلات البطالة في قطاع غزّة تعتبر الأعلى عالميًا، وتجاوزت معدّلات البطالة بين فئة الشباب والخريجين في قطاع غزة نسبة الـ60%.


قيود اجتماعية
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتسهيل وصول العريس إلى عروسه أو العكس، من خلال نشر معلومات تفصيلية عن أحد الطرفين، تمهيدًا لتواصل أكبر، سواء على الدردشة العامة من خلال التعليقات، أو على الخاص من خلال الدردشة الثنائية للاستيضاح أكثر عن الشباب الراغب في الزواج من الجنسين، أمر يرفضه الأهالي بالمطلق؛ ويعزّز هذه الزاوية المختص في العلاقات الزوجية أحمد سحويل.

يعلّق سحويل: "لا يقبل أن يتعدى الشاب أو الشابة على خطوط الأهل في قضية الزواج وخاصة والدة العريس، إذ إن أي علاقة تتم في ذلك الإطار غالبًا ما تتم في الخفاء وقد تُكشف إلا لاحقًا".

إن مثل هذه الحالات من الزواج تكون نسبة النجاح فيها ضعيفة جدًا، بسبب الطريقة المنافية للتقاليد، كما أن المجتمع لم يستسغ حتى صياغة هذا النص فكرة الزواج من خلال الإنترنت، بحسب المتحدث.

من جهته، يرى مختار عائلة آل لبد، إسماعيل لبد، أن استخدام الفيسبوك بهدف الترويج للزواج، له انعكاسات سلبية على المجتمع، إذ قد يستخدم الشخص على الفيسبوك أسماءً مستعارة وبعيدة عن الحقيقة، مشددًا على أن أمور الزواج في غزّة لا تتمّ إلا عن طريق العائلة، رغم الظروف والتغيرات، فهذا أساس قائم في "اجتماعيات" هذه المنطقة، على حدّ قوله.


وصال.. أم العرسان
لم يكتف "جيل" بصفحة أم أحمد، فمن خلال بعض الزملاء والمتابعين توصّل إلى صفحة "وصال"، وهي مجموعة فيسبوكية تنشر يوميًا طلبات زواج يقودها الشاب هشام شيخة بمساعدة صديقين له.

شيخه (37 عاما)، يقول في حديث إلى "جيل"، إن المجموعة التي أنشاها منذ عام مثلت حلقة وصل بين الشباب الراغب في الزواج، في ظل عقبات كثيرة أمام المقبلين على الزواج، مؤكدًا أنه نجح في ربط 150 حالة زواج على هذه الصفحة بعدما تلقى طلباتهم. هذا العدد في قصص النجاح قد يعطي مجموعة وصال وصف "أم عرسان غزة".

توسّعت المجموعة وباتت لديها شبكة من النساء "خطابات"، تساعد في تعريف الشاب على منزل الفتاة التي تقدّمت بطلب الزواج، فيما ينفي شيخة وجود استغلال سيئ للمعلومات التي يزوّدون بها الشباب عن الفتيات كالابتزاز مثلًا، لكنه كشف عن بعض حالات عدم الجديّة في التعامل وكان الهدف منها التسلية.

https://www.facebook.com/groups/1665661517010324/


الزواج والمخابرات
عميد المعاهد الأزهرية عماد حمتو، يرى أن التعرّف "الإلكتروني" على شريك الحياة ليس خاليا من السلبيات، مستندا إلى قاعدة: "الأصل في العلاقات الشرعية أن تجري بوسائل شرعية".

وأضاف المتحدث أنه لا يجوز أن يتولّى إنسان مجهول أو غامض مسؤوليّات يتعرّف من خلالها على أسرار الناس وعوراتهم، وينصح "بالترفع عن أسلوب الزواج الفيسبوكي كونه يحمل شبهة بالغة".

في مقابل ذلك، يبرّر صاحب صفحة "وصال"، أن هذا الأسلوب الجديد جاء كَحَل للكثير من المشاكل المجتمعية التي أدخلت الآلاف من الشبان والفتيات في حالة من الإحباط واليأس وفقدان الأمل.

من جهته، الداعية طاهر اللولو، أضاف إلى قول عماد حتو بالقول: "إن هذه الطريقة منهي عنها شرعاً، كونها تتسبب في مشكلات عدة"، ويبدو أن اللولو كان أشد حزمًا حين أدخل المحادثات التي تحصل بين الشاب والفتاة في قائمة "المحرمات"، وخاصة في أمور الزواج والعاطفة، كما تطرّق إلى الجانب الأمني، حين قال في حديث إلى "جيل": "إن العدو الإسرائيلي ليس بعيدًا عما يحصل، حيث يمكنه أن يلتقط بعض الصور والمحادثات حين يصمم مثل تلك المجموعات، ويستغلّها في إخضاع الشبان للعمالة".

ويذهب إلى هذا الطرح إياد البزم، المتحدّث باسم وزارة الداخلية الفلسطينية في غزة، حين قال: "ليس مستبعدًا أن تنتحل أجهزة أمنية ومخابراتية إسرائيلية صفة أشخاص أو مؤسّسات، والترويج لبعض الموضوعات كمجموعات الزواج ومواضيع أخرى لأجل تحقيق أهداف أمنية"، مؤكدًا أن أي وسيلة ترى وزارة الداخلية فيها محاولة للإضرار بالمجتمع الغزي، سيجري اتخاذ الإجراءات القانونية بحقها بأسرع وقت.

ورغم سلبية وإيجابية هذه المبادرات الرامية إلى تحقيق فرص الزواج في غزة، إلا أنه لا يكاد يختلف اثنان على أن الزواج في غزة أصبح مشكلة اجتماعية معقّدة، بسبب الانقسام السياسي والاجتماعي الذي وسّع الهوّة بين المجتمع، منذ بداية صائفة 2007.