حجاب ابنة الداعية: ما الذي يهمّنا؟
حجاب ابنة الداعية: ما الذي يهمّنا؟
(جدارية في ضواحي مدينة سيدني، تصوير: بيتر باركس)
ثورة
30 ديسمبر 2016

يذكر مؤرّخون أن قصر فيرساي، حيث كانت تقيم ملكة فرنسا ماري أنطوانيت وغيرها من النبلاء كانت تفوح منه رائحة البول والبراز، إذ كان الجميع، سواءً من الزوار أو المقيمين هناك، يقوم بالتبوّل في الممرّات وزوايا الغرف، إلى أن قُرر لاحقًا تصميم مراحيض داخل القصر، وهي عادة لم تكن مألوفة في تلك الفترة، ففضاء البلاط الذي كان من المفترض أن يكون للنقاشات وتبادل النمائم وأخبار السلطة والأموال، تحوّل إثر هذه الظاهرة إلى فضاء لمناقشة رائحة التبوّل والبراز والحياة الخاصة بأنطوانيت ومن حولها، فالرأي العام أو المساهمين في "النقاش" في تلك الفترة، بوصفهم منخرطين في "الفضاء العام" كان الحديث بينهم يراوح بين مشكلات الشعب وبين تبوّل أنطوانيت.

في إطار المنطق السابق، الآن، خصوصية الحياة الفردية للأشخاص تحوّلت إلى قضايا للرأي العام والنقاش، والفضاء هو مساحات مواقع التواصل الاجتماعي، التي جعلت الخيارات الشخصية للبعض والتي ترتبط بهم جسديًا قضايا للنقاش العام، ويزداد الهرج والثرثرة حول هذه المواضيع كلما زادت "شهرة" هذا الشخص أو مكانته التي اكتسابها نتيجة عمله أو نسبه، أي ما هو بعيد عن حياته وخياراته الشخصيّة.

هذه الحالة نشهدها وكثيرًا في قضايا نزع الحجاب، واختيار "اللاحجاب" بوصفه تحررًا من قيد ما، لن نناقش مدى شرعية الحجاب أو صحته من عدمها، فهو خيار شخصي بحت سواء كان خاطئًا أم صحيحًا، كذلك، إن أغلب حالات نزع الحجاب لا تنشأ من موقف واعٍ بوصفه "يجنسن" جسد المرأة و"يوحشن" الرجل ونزعه رسالة نسوية سامية، بل أغلبها يندرج تحت خيار شخصيّ، بوصفه خيارًا، لا رفضًا، حدثاً آنياً ولا يحمل نزعة للتحرّر، بل فقط "اللاحجاب" وخلق خطاب "cool" مرتبط بمرجعية الحجاب.

هذه الصيغة تحضر فيما فعلته مؤخرًا ميسون سويدان، ابنة الداعية طارق سويدان، بعيدًا عن التقييمات المرتبطة بوالدها، تحوّلت مؤخرًا إلى موضوع للنقاش، إذ بعد كتابتها لـ"ستاتوس" على صفحتها على فيسبوك، عن كيف أنها تريد البحث عن الله وحدها، وأن الناس هم الحجاب نفسه، ظهرت إلى جانبه تنشر صورة لنفسها دون حجاب، وتحدّث نفسها بصيغة الغائب بوصفها نزعت الحجاب "بكل معانيه"، وأنها تتحرّر من القيود فيما يشبه رحلة روحية نحو الله، أشبه برابعة العدويّة لكن مع I-phone، السؤال الأهم في كل هذه الملحمة الأوديبيّة، ماذا يهمّنا في الموضوع؟ التعليقات التي نقرأها على الحدث تتراوح بين المديح والحث على متابعة الرحلة. وبين الدعوة للهداية والعودة لصراط الحق، نعيد السؤال، ماذا يهمّنا إن نزعت الحجاب أم لا؟ ما الذي يهمّنا في رحلتها الروحيّة وتساميها الرومانسي عن معتقدات البشر؟

ما يُمكن السؤال عنه هو هذه الصيغة الجديدة التي تقدّم لنا من "الإسلام الليبرالي"، أو الإسلام المتحرّر والمنفتح، والتي يترأسها جماعة من الدعاة ومن هم من حولهم، الصيغة التي ترى في الإسلام "خيارًا شخصيًا" وهذا معتقد لا غبار عليه، لكنه غير دقيق، فالأخير دين سياسي بامتياز، لكن هذه الحالات هي فقط محاولات للتسليع، لنيل الانتشار والتي تعكس فكرة " المسلم بشر مثلكم" وهذا بالأصل ما لا يجب أن يُسأل بوصفه ردًا على عنصرية موجودة سابقًا، وهذه الحالة من التفكّر ثم الانعتاق التي تتمثل بسويدان، تحيل أنه في نهاية رحلة (الخلاص) سننزع الحجاب كلنا ونتجه لله، والذي مرة أخرى هو خيار شخصي، لكن تحوّل هذا الخيار إلى صيغة أدائية وعلنيّة وسلعية مشابهة تمامًا لحالات ممثلات هوليوود اللواتي يتعرّين في عدة مناسبات، السلعة ذاتها، لكن الاختلاف هو مقدار ما يُكشف من الجسد وما "يُستعرض" للعلن.

أما التبريرات النصيّة المرفقة بصورة سويدان مهما كانت منمّقة فهي تتلاشى أمام وضوح الصورة ذاتها، "ابنة الداعية نزعت حجابها"، هذا ما سيبقى، الحذلقات اللفظية تتلاشى بحكم الاستهلاك والتداول، وخصوصًا أنها تدافع عن "دينها" حسب تعبيرها، ياء المتكلّم وادّعاء الفهم "للدين" و"عدم إيجاد الله في مكّة"، هي كلّها أحكام ذاتية وجسديّة مرتبطة بها، و نكرّر السؤال الأوّل، ما الذي يهمّنا نحن برحلتك نحو الخلاص؟

حالات "الانتشار" هذه المرتبطة بالتحرّر من الحجاب تنال الشهرة دومًا، وردود الأفعال المتباينة ذاتها تطفو للسطح، فسويدان التي تبحث عن الله وتتصور مع صادق جلال العظم هي حالة أعم، في حين أن هناك حالات نتيجة خيارها هذا وممارسة حقها الطبيعي باختيار ما يناسبها أيضًا تتحوّل لقضية عامة، كالصحافية المصرية سالي مشالي، التي تحوّلت إلى مثال لاستعراض الآراء، وإذ تعرّضت لهجمات هائلة بوصفها خالفت شرع الله ونزعت الحجاب، وخيارها الشخصي أصبح محطًا للدفاع عن العقيدة من جهة أو محاربة الإسلام من جهة أخرى، وكأن نزع الحجاب ليس حريّة شخصيّة كما يفترض المنطق - بالرغم من الصيغة القمعية التي يحتويها- ، بل هو يمس "عمومياً" ويعرض من تنزعه للمساءلات، لنرى أنفسنا أمام مشكلة أخرى مطابقة لمنطق الحجاب والاستتار، فإن أردت نزع حجابك، فانزعيه سرًا، لأن هناك حجابا آخر لا يمكن نزعه.

قد تكون سويدان محقّة بأن "البحث عن الله" هو جهد شخصي، لكنّ تجربتها ليست منهجًا يمكن تعميمه، حالتها الشائكة، وخصوصًا غموض عبارة "ميسون التي لم تضع قطرة مكياج أو زيف على وجهها لمدة سنتين" كتبتها، أين العلاقة بين الحجاب والشيوخ والتبرّج؟

لا يمكن تجاهل الطهرانيّة التي تروّج لها سويدان، مفاهيم العفّة الروحيّة وعدم الانصياع والانعتاق موجودة، لكن هذا الرفض يؤسس لمتخيّل آخر، لصورة أن العالم الآن بتفسيراته هو قيد، ولا بد من أن يكون هناك تفسير"منطقي" و "ما ورائي" لما يحصل، الخيار الشخصي لسويدان ليس موضوع النقاش، السؤال أن "الخيار الشخصي" لسويدان لا ينبع -حسب ما انتشر على صفحتها- من رغبة في تحرير الأنثى أو الانتصار للخطاب النسوي أو ما شابه، بل هو من رغبة في خلق أسطورة شخصيّة، وخصوصًا أن خيارها هذا ظهر في الهند، هي رفضت "الحجاب" واختارت سردية أخرى مستمدة من كتب التمارين الروحيّة التي تحقق أعلى المبيعات –مضمون هذه الكتب سطحي واستهلاكي-اليوتوبيا الدينية ببساطة تم استبدالها بيوتوبيا متخيّلة أخرى، سويدان لم تخلع حجابها انتصارًا للمرأة، هي تريد فقط أن "تأكل، تصلي وتحب".