مطار القاهرة: دخول مصر "مش زي خروجها"
مطار القاهرة: دخول مصر "مش زي خروجها"
(في مطار القاهرة الدولي، الصورة: وكالة الأناضول)
"طلبوا مني إبلاغهم بأسماء وأرقام هواتف النشطاء الحقوقيين والسياسين الذين أعرفهم، وبعد انتهاء التحقيق أخبروني أن جواز سفري لم يصلهم وسيتصلون بي لاحقًا لتسلمه" كان هذا جزء من شهادة أحد الممنوعين من السفر في مصر.

لم يعد قرار السفر في مصر ملكًا لأحد، وغالبًا ما تكون "مكالمة هاتفية" من جهة أمنية بإدارة الجوازات وراء تقرير مصير المسافرين، فإما أن تسمح لهم بالمرور أو السفر "مؤقتًا"، أو تقرّر منعهم من السفر أو الدخول لأجل غير مسمى.

تعرّض كثير من شباب الأحزاب والمنظمات الحقوقية في مصر للمنع من السفر والخضوع للتحقيق، بعضهم صُودر جواز سفره وتلقى مكالمة بعدها واسترده، ولكن هناك من فشل حتى في استخراج جواز سفر جديد.


رحلة إلى الاحتجاز
صباح 13 أغسطس / آب 2015 ، توّجه محمود عبد الظاهر، المدوّن بصحبة تسعة أشخاص للأردن، ولكن عند منافذ الجوازات طلب منهم أحد الضباط الانتظار قليلًا، ثم عرضهم على ضابط برتبة أعلى منه، والذي سألهم عن سبب السفر، وفقًا لروايته في حديث إلى"جيل".

خُتم جواز السفر وسُمح لهم بالمرور، إلا أنه أثناء توجّههم إلى بوابة الانتظار لركوب الطائرة، حضر أحد الضباط واصطحبهم لمبنى الأمن الوطني بالمطار، الذي احتجزوا به لمدة ثلاث ساعات بعد مصادرة جواز سفرهم، وأخبروا عبد الظاهر أنه سيرسل لفرع مباحث الأمن الوطني التابع لمقرّ إقامته.

استدعي محمد عبد الظاهر إلى مقر الأمن الوطني مرتين، وحُقق معه لساعات طويلة حول خلفياته السياسية ونشاطه الحزبي والحقوقي، حيث يقول:"طلبوا إبلاغهم بأسماء وأرقام هواتف النشطاء الحقوقيين والسياسين الذين أعرفهم، وبعد انتهاء التحقيق أخبروني أن جواز سفري لم يصلهم وأنهم سيتصلون بي لاحقا لتسلّمه".

في 18 يناير/ كانون الثاني 2016، تسلم المدوّن جواز سفره بعد استدعائه لمقرّ الأمن الوطني دون توضيح سبب منعه من السفر.


الممنوعون من السفر 
وفي تقرير حقوقي مشترك بعنوان "ختم عبور"، الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن هناك 80 حالة منع من السفر بينهم 6 حالات منع جماعي شملت 48 شخصًا أغلبهم شباب ينتمون لأحزاب سياسية، و 32 حالة فردية، وأكثر من 10 حالات توقيف في صالات السفر والوصول، تضمنت تفتيش واستجواب، لم تنته بالمنع من السفر في الغالب، لكنها كانت مؤشرًا للمنع من السفر في وقت لاحق، كان ذلك في الفترة من يونيو/ حزيران 2014 وحتي سبتمبر/ أيلول 2016.

طبقًا للتقرير، تحوّل المنع من السفر من إجراء احترازي يصدر بأمر قضائي في قضايا يخشي من هروب المتهمين من العدالة، إلى عقوبة تعسفية تصدر بأوامر أمنية وقضائية، ضد النشطاء السياسيين والحقوقيين كوسيلة للتنكيل.

وحسب مجموعة "دفتر أحوال"، تعرّض 217 شخص لإجراءات توقيف في المطار والمنع من السفر في الفترة من يونيو/ حزيران 2014 وحتي فبراير / كانون الثاني من السنة الجارية.

وفي تقرير لمؤسسة "هيومن رايتس ووتش"، صدر في مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني العام الماضي، تم توثيق 32 حالة على الأقل لمصادرة ضباط أمن المطار جوازات سفر نشطاء سياسين وعاملين بمنظمات غير حكومية مع إخبارهم بأن الأمن الوطني "سيتصل بهم"، ولم يتمكّن أغلبهم من استعادة جوازاتهم بحسب التقرير.

وأحال الدستور الحالي أمر المنع من السفر "للقانون" لبيان الأحوال التي يجوز فيها تقييد هذا الحق، والذي اشترط أن يكون بأمر قضائي ولمدّة محدّدة بموجب "المادة 62".


مطلوب فورًا
محمد سالم، عضو الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي، يوضح لـ"جيل"،أنه في سبتمبر/ أيلول العام الماضي، منع 22 شابًا ينتمون إلى أحزاب سياسية من السفر إلى السويد، لحضور مؤتمر ثقافي هناك وصُودرت جوازات سفرهم، إلا أن بعضهم لم يستعيده حتى الآن، مشيرًا إلى أن المنع تم بحجة "دواعي أمنية".

محمد زارع، عضو بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، يوضح أنه في كل مرّة سافر فيها وقف للفحص في هيئة الجوازات، مشيرًا أنه لمح بجوار اسمه أكثر من مرّة عبارة "مطلوب فورًا"، إلا أنه غالبًا ما كان يتسلّم جواز سفره ويُسمح له بالسفر بعد إجراء اتصالات، إلي أن مُنع من السفر فعليًا في 26 مايو/ أيار 2016 قبيل سفره لتونس.

في مارس/ آذار 2015، استوقف سلطات الأمن بمطار القاهرة إحدى ناشطات المنظمات النسوية، رفضت ذكر اسمها، وأثناء سفرها لحضور تدريب حول التحوّل الديمقراطي، وبعد عودتها خضعت للتفتيش وتسلّمت طلبًا بالمثول صباح اليوم التالي لجهات التحقيق بمبني المخابرات العامة.

وخضعت هذه الناشطة للتحقيق حول تفاصيل التدريب، وانتهي بضرورة إعلام الأمن القومي بأي خطط للسفر في المستقبل، وعندما حاولت السفر مرّة أخري في مايو/ أيّار 2015، مُنعت من السفر لأنها لم تبلغ الأمن بتلك السفرية.

وفي 16 يناير/كانون الثاني 2016 احتجزت سلطات المطار، المحامي رضا الدنبوقي، دون إبداء أسباب، وبعد أقل من أربعة شهور مُنع من السفر وصودر جوازه قبيل توجهه للمشاركة بمنتدى إقليمي حول "العدالة الانتقالية في المغرب"

تكرّر الأمر مع الحقوقي شريف عازر في إبريل/ نيسان 2016، والمدوّن وائل عباس في يوليو/ تموز 2016.


ممنوع العودة
لم تنته كافة حالات ترقّب الوصول بالسماح لهم بالعودة، ففي يناير/كانون الثاني 2016 منعت السلطات الأمنية بمطار القاهرة الباحث عاطف بطرس مؤسس مؤسسة ميادين التحرير من الدخول لمصر لأسباب أمنية، وأمرت بترحيله خارج البلاد بعد احتجازه لـ 7 ساعات.

الترحيل خارج البلاد لم يكن الخيار الأسوء في إجراءات ترقّب الوصول، وإنّما القبض والاحتجاز الذي واجهه إسماعيل الإسكندراني الباحث والصحفي في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، بعد احتجازه أكثر من 10 ساعات بمكتب الأمن بمطار الغردقة لدي عودته من ألمانيا، نُقل لمقر الأمن الوطني واحتجز لمدة يومين حتى عُرض على نيابة أمن الدولة ومازال رهن الحبس الإحتياطي حتى الآن.

وخلال عام 2016، فقط مُنع عدد كبير من الحقوقيين من السفر كان أبرزهم جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وحسام بهجت، مؤسّس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وعزة سليمان، مدير مركز قضايا المرأة، وعايدة سيف الدولة، عضو مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب.