الفرع 227: معتقلون سوريون في انتظار التصفية (1)
الفرع 227: معتقلون سوريون في انتظار التصفية (1)
(سجن حلب المركزي، تصوير: زين الرفاعي)
ثورة
2 نوفمبر 2016

(1)

بدأت القصّة باتصال هاتفي وردني من أحد الموظفين في عملي، يخبرني بورود استدعاء من جهة أمنيّة للمثول أمامها، فلما استوضحت منه عن هذه الجهة؟ قال: "الفرع 227".

تلكّأت عدّة أيّام في الذهاب لاستلام الاستدعاء، حتى أحاول معرفة السبب قبل التوجّه إليهم مباشرة، وكان خيار تجاهل الرسالة وعدم استلامها لعدم قانونيّتها مستبعدًا، بسبب الوضع الأمني المتوتّر وإمكانية قيامهم بالقبض عليّ مباشرة دون سابق إنذار.

لجأت إلى أحد أصدقائي الذي تربطني به علاقة أخويّة متينة، وله علاقاته وصلاته الوطيدة مع العديد من الأشخاص النافذين في الدولة بحكم شغله في السابق منصبًا وزاريًا.

وفعلًا، أخبرته بموضوع الاستدعاء؛ فقال إنه سيحاول استيضاح الأمر. في اليوم الثاني، اتصل بي وأخبرني بأن الموضوع بسيط (بالرغم من أن صوفتي حمراء عندهم كما فهم)، ويُحتمل أن تتم مراجعة الفرع على مدى عدّة أيام. ولمّح لي إلى أن الموضوع يتعلّق بما أنشره على فيسبوك.

كلام صديقي لم يكن مطمئنًا كفاية، وحسمت أمري باستلام الاستدعاء ومراجعة الفرع؛ لأن خيار التواري عن الأنظار سيتسبّب بقلب حياتي وحياة أسرتي جذريًا، ولأنني لم أرتكب أي فعل يجعلني أخشى من تبعاته، وبالنسبة لكتاباتي القديمة ومواقفي من الأزمة فأنا مستعد لمناقشتها وتبريرها، لكونها متوافقة مع القانون ولا تخالفه.

في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2014، وكان يومًا خريفيًا مشمسًا، توجّهت لاستلام الرسالة اللعينة؛ فتبيّن أنها مرسلة من مكتب الأمن الوطني، لم يتجاوز محتواها سطرًا ونصف السطر، جاء فيها ما معناه: مراجعة شعبة المخابرات "الفرع 227" فور تسلّم الكتاب.

سألت الموظف الذي أراني الرسالة، إن كان سيزوّدني بنسخة منها للمراجعة أو إن كان يجب أن أوقّع على الكتاب بأني تبلّغته؟ فأجاب بالنفي وبأن دورهم يقتصر على إعطائي الكتاب لقراءته وإعادته بدون تزويدي بنسخة منه!، وقال أيضاً إن لديهم العديد من هذه الكتب للزملاء.

أثناء الحديث مع الموظف المكلّف بالتبليغ، حضر أحد كبار المسؤولين في الدائرة واقترب مني مصافحًا، وقبّلني أيضًا ودعاني لشرب فنجان قهوة في مكتبه، فاعتذرت منه وتذرّعت بانشغالي، وأريته الكتاب اللعين الذي كان بيدي حينها، وسألته:

- ما هذا؟

أجاب: لا أعلم.

سألته عن مكان "الفرع "227، أجاب بأنه لا يعرفه. ألقيت التحيّة وانصرفت.


(2)

صباح اليوم التالي، ودّعت زوجتي وذهبت للفرع المذكور والذي عرفت أنه يدعى فرع المنطقة، ويقع في تنظيم كفرسوسة خلف فندق الكارلتون "البناء الأزرق".

كنت قلقًا من احتمال اعتقالي وتحسّبت لذلك؛ فجهّزت قائمة بالأعمال المتراكمة وأعطيتها لزوجتي لمتابعتها في حال وقع المحظور، لكني رجّحت بشكل كبير عودتي للمنزل في اليوم نفسه بعد هذه المراجعة، لذلك اخترت لباسًا خريفيًا خفيفًا ذلك اليوم، ودفعت ثمن هذه الرعونة في انتقاء الملابس أثناء فترة الاعتقال بسبب برد الشتاء القارس.

وصلت للباب، وقلت لهم إنه لديّ رسالة؛ فطلب منّي العنصر البطاقة الشخصية والموبايل، وطلب مني الانتظار على بعد عدّة أمتار وشاهدته يجري اتصالًا هاتفيًا، وبعد حوالي ربع ساعة حضر عنصر وطلب مرافقته.

اصطحبني للطابق الثالث من المبنى؛ حيث طلب مني الانتظار في الرواق بجانب إحدى الغرف، وأحضر لي كرسيًا للجلوس (استنتجت لاحقًا أن سبب الانتظار هو منح الشخص الموجود بالغرفة فرصة لقراءة ملفي، لأني حضرت للفرع بدون موعد مسبق).

بعد حوالي نصف ساعة، طلب مني أحد العناصر الدخول؛ فدخلت للغرفة وكانت تعمّها الفوضى. كان يجلس خلف المكتب شاب في الثلاثينيات من العمر يرتدي لباسًا رياضيًا، يبدو أنه ضابط، رحب بي وطلب مني الجلوس أمامه على كرسي يبعد عن المكتب ثلاثة أمتار، وبدأ يقلّب أوراقًّا بين يديه. لاحظت أنها صور لمنشورات على فيسبوك، وسألني:

- ما هي قصّة الفيسبوك؟

فأجبته أنها تعليقات تخصّ مختلف المواضيع الاجتماعية وحول الأزمة.

فسألني: ألم تدرس في الجامعة أنت وأولادك على حساب الدولة، فلماذا تعارض؟

فقلت له بما معناه: صحيح درسنا على حساب الدولة وأنا أقدّر ذلك، وأنا لست معارضًا بالمفهوم السياسي، وإنّما كنت أنتقد الفساد والمحسوبية وأطالب بإلغاء المادة الثامنة من الدستور السابق، وهذه مطالب مشروعة. وأضفت أنه بعد انتشار السّلاح والفوضى لم أعد أتحدّث سوى عن المواضيع الاجتماعية.

فقال لي ما معناه أن المشكلة في ما تنشره يشكّل بيئة معادية للدولة، وأنه هو شخصيًا بكل الأحوال ضد التعرّض للمثقفين في هذه المرحلة، وفهمت من كلامه أن رأيه كان ضدّ استدعائي للفرع.

انتهى الحديث عند هذا الحد، وطلب مني الانتظار مجددًا في الرّواق (تبيّن لي أن سبب الانتظار في الرواق حتى يقوم بتبديل ملابسه ويرتدي البزّة العسكرية).

بعد قليل، خرج من الغرفة بيده ملفي وسألني إن كنت أريد شيئًا، وسألني بلطف واضح إن كنت تناولت الفطور، وأبدى استعداده لإحضار فطور لي، فاعتذرت شاكرًا لطفه ولباقته. فقال لي: "حسنًا لنشوف المعلم شو بيقول".

حضر أحد العناصر وطلب منّي مرافقته، فرافقته معتقدًا أني سأقابل المعلم "رئيس الفرع"؛ فإذا بي أجد نفسي في الطابق الأرضي للمبنى أمام باب كتب عليه: السجن.

دخلنا السّجن، وقال العنصر للسجّان بعد أن سلّمه بطاقتي الشخصية: استلم. هذا مثقّف.

أدخلني السّجان لغرفة أخرى فيها ثلاثة أشخاص يجلسون خلف طاولة؛ أحدهم مدير السجن كما تبين لي لاحقًا، وهو شخص محترم.

طلب مني تسليم كل ما في جيوبي بما في ذلك الساعة، وسجّل كل ما سلّمته بدقة على محضر استلام بَصمتُ عليه.

ثم طلب مني خلع كلّ ملابسي والبقاء بـ"الكيلوت"، ففعلت. فتّشها بدقّة وأعادها لي طالبًا مني ارتداءها، ثم اصطحبني للداخل وسلمني للسجّانين، وطلب منهم وضعي بـ "الشبك القديم" وعدم حلاقة شعري.

هكذا، دخلت المعتقل.. جلست مع بقيّة المعتقلين طيلة شهر كامل، لا شغل ولا عمل سوى الانتظار المملّ، حتى استدعيت للتحقيق بعد هذه الفترة.


(3)

الحياة داخل المعتقل رتيبة ومملّة، انتظار وترقّب. الجلوس والنوم كانا على البلاط بدون أي عازل. بعد أن دهمنا الشتاء ببرده القارس، زوّدونا ببطانيات نجلس وننام عليها وكانت حصّة كل أربعة منا بطانية واحدة.

من أشدّ ما عانيت منه داخل السجن، بعد البرد الشديد، أسراب القمل التي غزت جلودنا، فقد كان يستوطن ملابس كل المعتقلين، ولا سبيل لمنع اجتياحه، وهو من نوع قمل الملابس وليس قمل شعر الرأس.. وكنّا نكافحه بتخصيص حصّة يومية قد تصل لساعتين بالبحث عنه وقتله، وهكذا أمضيت 40 يومًا بالملابس التي دخلت بها المعتقل.

كان هناك ممرّض يأتي بشكل يومي مرّة صباحًا ومرّة مساءً، يقوم بمعالجة المرضى بشكلٍ بدائي، وقد استفدت منه، حيث زودني بدواء الضغط الذي حُرمت منه، واستطعت إقناعه بأني مصاب بهذا المرض المزمن، فكان يعطيني حبّة صباحًا وحبّة مساءً مما يتوفّر لديه من حبوب ضغط.

بالنسبة للطعام الذي سئلت عنه كثيرًا فكان على الشكل التالي:

الفطور حوالي السادسة صباحًا.

الغداء حوالي الواحدة ظهرًا.

العشاء حوالي السادسة مساءً.

في كل وجبة يتمّ توزيع رغيف خبز لكل معتقل، وعلمنا أن الخبز الذي كان يأتينا طازجًا، مصدره أفران المزّة التي تقع على المتحلق، وفي حال أراد المعتقل أكثر من هذا الرغيف، لا يبخل السجانون بتزويده بالمزيد في كثير من الأحيان.

كان الفطور متنوعًا؛ مرّة يكون ملعقة مربّى التفاح لكل معتقل، وفي يوم آخر بضع حبّات زيتون أخضر (بين 7 إلى 10 حبات زيتون) وفي معظم الأيّام نصف حبة بطاطا مسلوقة.

أما الغداء فكان يوما "برغل" ويوما أرزا مع البازلاء، وكانت وجبة البرغل كانت ممتازة، أما وجبة الأرز فكانت سيئة.

أما العشاء فكان دومًا نصف حبّة بطاطا مسلوقة ونصف حبة بندورة.

وكان يتم توزيع الشاي على المعتقلين يوميًا بعد العشاء وكنا نتناوله بأكواب البلاستيك.

المكان الذي وضعت به هناك ويدعى "الشبك"، كان يضم حوالي مائة معتقل تقريبًا يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلاً، حسب حركة دخول وخروج المعتقلين اليومية، وكان به دورة مياه واحدة بها حنفية، هي مصدر الماء الوحيد لقضاء الحاجة والغسيل، وكانت مشكلة دورة المياه هذه أنها بلا باب، يعني أن قضاء الحاجة كان يتمّ أمام المعتقلين، أما ماء الشرب فكان يتمّ تعبئة صفائح بلاستيك من غرفة أخرى نشرب منها بكوب بلاستيكي أيضًا.

كان معنا في المعتقل أشخاص ارتكبوا جرائم ومخالفات مدنية لا علاقة لها بالقضايا الأمنية (سرقة، تزوير، شروع بالقتل، تقليد علامة فارقة، فرار من خدمة العلم)، وكان معنا شبيحة أيضًا ولجان دفاع وطني، وتترواح أعمار المعتقلين بين 15 و70 سنة.

تعامل عناصر السجن مع المعتقلين كان جيداً نوعًا ما، فقد كانوا يخاطبوننا دائمًا: "يا شباب"، ولم يصدر عنهم شتم أو ضرب إلا لمن يخالف قوانين السجن.

كان للمثقف بالمعتقل ميزتان: عدم حلاقة شعر الرأس على الصفر، ولا يتمّ خلع ملابسه أثناء التحقيق، والمثقّف بالنسبة لهم هو الطبيب والمهندس والمحامي والمدرّس، أما بقية المعتقلين فكانوا يحلقون شعر رأسهم على الصفر فور دخوله المعتقل، وكان التحقيق معهم يتم فقط وهم يرتدون الملابس الداخلية "الكيلوت"، مهما كان الجو باردًا، والعامل المشترك بين جميع المعتقلين، أن التحقيق معهم كان يتم بتعصيب العينين بوساطة "الطماشة" حتى لا يتمكّنوا من رؤية المحقّق.

بالنسبة لموضوع الضرب والتعذيب في السجن، وهو ما يسأل عنه كل الناس بشكل مباشر أو غير مباشر، فلم يكن بالشكل الذي يعتقدونه دائماً.

أثناء التحقيق فقط، كان بعض المحققين (ثلاثة أو أربعة محققين من بين عشرة محققين تقريبًا) عند التحقيق في القضايا الأمنية (مجموعات مسلحة، ضرب حواجز .. التمويل، المشافي الميدانية)، يقومون بإبراح المعتقلين ضربًا وإهانتهم والتسبّب لهم بجروح للحصول على معلومات محدّدة، وكانت هذه الجرائم تُنسَب لغالبية المعتقلين معنا، كما كان بعض المحققين يضربون الشبيحة وأعضاء لجان الدفاع أيضًا.

أما بالنسبة للتحقيق في غير هذه الجرائم، فقلّما يقومون بضرب من يستجوبونه، وبالتالي كان هناك الكثير من المعتقلين في غير مسائل السلاح والتمويل، دخلوا وخرجوا ولم يتعرّضوا للضرب أو للإهانة.


الصلاة
كان كثير من المعتقلين وأنا منهم يؤدون شعائر الصلاة بالإيماء وهم جلوس، ومنهم من كان يقوم بحركات الركوع والسجود وهو جالس بشكل ظاهر أيضًا، وكان السجانون يلاحظون ذلك ويغضّون الطرف، وفي بعض الأحيان يتحدّثون صراحة أن الصلاة بهذا المكان غير مقبولة بسبب النجاسة.

وكنا بدل الوضوء نقوم بالتيمّم بسبب تعذّر الوصول للحنفية الوحيدة الموجودة بالحمام.

وكنا نتوقّع أوقات الصلاة ونستنتجها من أوقات توزيع الطعام، ومن خلال رؤية السماء من بعض الشقوق بالمهجع الذي كان موقعه على سطح الأرض (وجيبة البناء)، وكان سقفه من البلاستيك الأزرق المقوى المحجّر الذي يسمح لنا بمعرفة الليل من النهار.


الشاويش
هو معتقل يساعد المحقّق بتهيئة المستجوب بتعصيب عينيه وخلع ملابسه، ويساعد أحيانًا في التحقيق بإمساك المعتقل إذا اقتضى الأمر للضرب بالعصا، أو إنزال عقوبة "الكرسي الألماني"، وهي تثبيت المعتقل على كرسي ويقوم المحقق بثني مسند الكرسي، ما يسبب تمددا في العمود الفقري للمعتقل، كما يقوم بعملية السخرة من شطف للمهجع، وتوزيع الطعام.

وعندما يتمّ التحقيق مع الشاويش نفسه، كان يرتدي "الطماشة" بنفسه ويخلع ملابسه، وقد يتعرّض للضرب هو أيضًا.


النوم
كما سبق أن قلت؛ النوم كان على البلاط بدون أي غطاء وكنا نضع رؤوسنا على أحذيتنا، أو على أرجل بعض، وكنا ننام بطريقة تدعى (التسييف)، أي أن ينام الجميع على الجنب الأيمن أو الجنب الأيسر ويلتصقون ببعضهم البعض بطريقة لا تسمح بالتقلّب للجنب الآخر أو النوم على الظهر، حتى نشعر بدفء أجساد بعضنا البعض، وتوفير مساحة لينام الجميع، وهذا التلاصق يسبب انتقال القمل والأمراض الجلدية بين المعتقلين بالطبع.

كان النوم على الظهر ترفًا لا نحلم به في الليل، ولكنه ممكن أثناء النهار، حيث يكون معظم المعتقلين مستيقظين.


تكملة المقال: الفرع 227: معتقلون سوريون في انتظار التصفية (2)