الجسد.. حركات خارج الحدود المرسومة
الجسد.. حركات خارج الحدود المرسومة
(إيغون شيلي، 1910)

تقابلني في اليوم مرّة على الأقل، كتابات على مواقع التواصل الاجتماعي، تمدح امراة أجنبية، وتذم في المصريّة أو العربيّة؛ لأنها لا تهتم بأنوثتها ولا ترتدي ما يُظهرها، ويشتعل السِجال في التعليقات، ما بين السب لصاحب الفِكرة وتأييده، وتبدأ البنات في التساؤل والتعليق على الصورة المؤلِمة: هل إذا سارت فتاة في الشارع مرتدية فستان كالذي أعجَبك، ستسلم من التحرّش؟ هل إذا اعتنت بنفسها وجسدها وأظهرَت أنوثتها ستسلم من بذاءاتك؟ وفي مرحلة أبعد، هل ستجدك شريكًا لها في الحياة، تحبّها وتدعم اختياراتها؟

تذهب الأسئلة إلى أبعد من ذلك، ماذا يعني إظهار الفتاة لأنوثتها وأن تتحرك بحرية في مجتمع ينوء بحمل ثقيل من الأعراف والتقاليد ومفاهيم الشرف والعفة؟ ومن أين يتأتّى لها الاستمتاع بأنوثتها وإظهارها في مجتمع يتربّص بأدنى حركة أو إيماءة من جسدها ليراقب سلوكها ويصِمها؟

في كتابها "العذرية والثقافة - دراسة في أنثروبولوجيا الجسد" تقول مها محمد حسين، إن العذريّة كقيمة اجتماعية تتداخل معها وتحددها بعض القيم الاجتماعية الأخرى المرتبطة بها، كالحياء والخجل والعيب والفضيحة والشرف والعفة؛ فإن كل ما يتصل بهذه القيم، والتي يمكن أن نطلق عليها مع بعض التحفظ قيمًا فرعية ومتصلة ومؤدية إلى قيمة أصلية هي العذرية، من سلوكيات تؤدي إلى الامتثال أو الانحراف عنها، ينعكس بالضرورة ويدلّل على مدى الامتثال لقيمة العذرية والشرف والحفاظ عليها أو مدى الانتهاك لهذه القيمة وربما رفضها أو فقدها.

فقد تدل بعض الحركات الجسدية على مدى خجل الفتاة وحيائها، وفي المعتقد الشعبي لبعض الفئات الاجتماعية يكون دليلًا على عذريتها البيولوجية، أي كُلّما قلّت الحركة وضاق نطاقها، كلما أثبتت الفتاة عذريّتها وعدم تعرّضها لمعرفة جنسية مُسبقًا.

إذًا، المشية تَشبِه، وطريقة الجلوس تَشبِه، والملابس بأنواعها وتفاصيلها تَشبِه. أتذكّر في مراهقتي أن مدرسّات المدرسة الإعدادية، كنّ دائمي التعليق على مشيتي، مطالبين بانضباط أكثر، وبملابس تشُد الصدر وتُخفيه. كانت الفتيات أيضًا يمارسن نوعًا من الضغط على أي فتاة يتحرّك صدرها خارج الحدود المرسومة لها. بالطبع الملابس لها دور كبير في ضبط الجسد والسيطرة عليه، وأخذت الملابس في الاتساع والطول، حمايةً من نظرات الذكور خارج المدرسة.



يقول المفكّر الفرنسي ميشيل فوكو، إن "الجسد هو أوّل موضوع تمارس عليه السلطة فعلها"، وبمرحلة البلوغ تبدأ التعليمات العسكريّة الأسريّة، التي يتشارك الأباء والأمهات في صبّها في أذن الفتيات منذ بلوغهن، تجعل من كُل فعل تلقائي قد تفعله الفتاة، فعلاً جنسيًا محتملًا، أو إشارة جنسية إلى ذكر قريب، بداية منذ الجلوس ملتصقة الساقين، لأنه هذا ما تفعله الفتيات المهذبات العذراوات، إلى المشية "لا تجعلي قدميكِ يتجهان إلى الخارج، دائمًا القدمين في اتجاه مستقيم"، لا يعلو صوتك، لا تعلو ضحكتك، لا تحركي يديكِ كثيرًا أثناء الكلام، وحتّى لا تُظهري صدرك إلى الأمام. النصيحة الأخيرة، أورثت عددًا لا يُستهان به من الأجيال السابقة عادة ضم الكتب إلى الصدر التي تغنّى بها الشعراء، وحدْبةً في الظهر لا تخفى على أحد.

لم يفلت من هذه التنشئة الصارمة والتي أساسها الخوف من الذكور المُحيطين ومن أن يكون لأي فعل معنى جنسي، حفاظًا على العُذرية عضويًا وكمفهوم لحماية شرف العائلة، إلا من استرجلت، فبحسب حالة في نفس الكتاب والعديد من الحالات التي أعرفها شخصيًا، لم يوجّه لها أهلها أي نصائح فيما يتعلّق بالتعامل مع الأولاد ولم يحاولوا منعها من الاختلاط بهم، لأنها من نفسها كانت تحاول إخفاء معالم أنوثتها، وتحاكي الرجال في تصرفاتهم، فأطمأنت الأم ولم ترَ أنها بحاجة إلى وصاياها العشْر.

بعد قليل، يتحوّل الأمر إلى خوف شديد من فقدان العذريّة وبالتالي من الجنس ومن أي فعل يمُت له بصلة، يساهم فيه مع التنشئة والتربية المجتمع المحيط، والمعارف التي نتحصّل عليها في هذه السن، العديد من حالات الدراسة، تحوّل الأمر لديهم إلى ما يشبه العُقدة النفسيّة من مشاهدة فيلم "دعاء الكروان" في سن صغيرة، إحداهن تحكي: "شفت فيلم دعاء الكروان وأنا عندي 9 سنين، وماكنتش أعرف ده يعني إيه، واتكسفت أسأل ماما، وعرفت من بنت خالتي كان عندها 15 سنة وعرفت الكلام ده من خالتي، وبعدها قعدت مرعوبة وخايفة، أصل كان فيها جارنا أكبر مني وكان بيلعب فيا وأنا ماكنتش عارفة حاجة غير إني مبسوطة وبألعب معاه وبس، وقعدت أعيط أيام كتيرة وقلت له، وهو طمنّي، بس ما عملتش كده تاني، وقعدت كل ما أهلي يزعلوا مني أو يزعقوا لي علشان حاجة، أحس إنه بابا هايقتلني، وفضلت متعقدة جدًا من الموضوع ده ومعقدة من أي راجل يحاول يقرب مني حتى لو في الأوتوبيس، وحتى لما اتخطبت من خوفي ورعبي، خطيبي قالي مرة إنتِ محتاجة علاج نفسي دا موضوع مش طبيعي معاكِ، ومارتاحتش إلا يوم جوازي واكتشفت إني كنت جاهلة، وجهلي ضيع مني أجمل أيام عمري".

هنا يتحوّل الأمر إلى خوف مرضي، رُهاب الشبق أو الرغبة "إيروتوفوبيا erotophobia"، يتم استخدام المصطلح نفسيًا لوصف النفور من الجنس، سجّل مرضاه أعلى درجة على مقياس الشعور بالذنب أو الخوف من الجنس أو الحديث عنه، أو التعلّم حوله أو تعليم الآخرين أمورًا جنسية أو مشاركتهم في خيال جنسي، لديهم رد فعل سلبي وعادة ما يميلون لممارسة الجنس بشكل أقل ومع شركاء أقل بمرور الوقت، في مقابل "إيروتوفيليا erotophilia" والتي تعني أن الأشخاص لديهم شعور أقل بالذنب تجاه الجنس، ويتحدثون عن الجنس بشكل منفتح، ويملكون نحوه سلوكيات إيجابية واضحة.

لكن الإيروتوفوبيا ليست شيئًا واحدًا، تتعدّد صورها إلى:

الخوف من الحميمية: مرضاه ليسوا خائفين من الجنس تحديدًا، وإنما من القُرب العاطفي الذي قد يحمله.

بارافوبيا Paraphobia: الخوف أن يكون الشخص ذاته منحرفًا جنسيًا، أو أن يعاني خوفًا مرضيًا من احتمال كون الآخرين منحرفين جنسيًا، بعض مرضاه يمكنهم عمل علاقات جنسية بما يتوافق مع مفهومهم التقليدي الأخلاقي لها، والبعض الآخر يخاف خوفًا مرضيًا أن يكون أي اتصال جنسي هوَ انحراف قيمي.

هافيفوبيا Haphephobia: الخوف المرضي من اللمس.

جيمنفوبيا Gymnophobia: الخوف من العُري، البعض يخاف أن يتعرّى أمام أي شخص، والآخرين يخافون من أن يتعرّى الناس أمامهم.

الخوف من الهشاشة: مثل الخوف من الحميمية، الخوف من إعلان الهشاشة، يحمل بداخله خوفًا من الفقد، بعض الناس يعتقدون أنهم إذا أظهروا دواخل أنفسهم بصدق في علاقة، فإن الشريك سيتوقف عن حبهم، مما يؤثر على العلاقة عاطفيًا وجنسيًا.

فيلمافوبيا Philemaphobia: الخوف من التقبيل، أحيانًا يكون بلا سبب، وأحيانًا يكون له أسباب عضوية كالخوف المرَضِي من رائحة الفم السيئة أو من انتقال الجراثيم.

أمّا أهم أنواع رُهاب الرغبة، فهو الجينوفوبيا أو رهاب الجنس Genophobia، وهوَ الخوف من الفعل الجنسي، تحديدًا الخوف من الإيلاج، العديد من مرضاه قادرون على عمل علاقات رومانسية، والإستمتاع بالتقبيل والاحتضان إلا عندما يصل الأمر إلى الإيلاج.

يخاف الرجال من الجنس بالطبع، من فعل الإيلاج ذاته، ولكن خوفهم مرتبط بأشياء أخرى يزرعها المجتمع فيهم منذ الصِغر، قوة الأداء والقُدرة على الفِعل، ما يجعلهم قادرين ومُستمتعين بذواتهم وبجنسانيّتهم حتّى يختبروا الفشل الأوّل.

أما بالنسبة للنساء في المجتمعات العربيّة، فالأمر مأساوي قليلًا، تجيب ساندرين عطالله إحدى قارئاتها على موقع الحُب ثقافة، قائلة إن ما تعانيه هو رهاب الجنس، فهي تصِف رعشة تعتريها وخوفًا من قيام زوجها بالإيلاج لمدة عام ونصف، تمنعهم من ممارسة العلاقة الزوجية طوال هذه الفترة!

ورهاب الجنس هو خوف مرضي يصاحبه تقلّص لا إرداي لعضلات المهبل، يعيق كل محاولات اختراقه، رغم كل محاولات التودد والمداعبة والملاطفة التي تسبق الفعل، هذا الخوف الشديد، يعود غالبًا إلى جهل بتكوين الأعضاء التناسلية وغياب التربية الجنسية، لا مكان للمهبل في تصوّرها لجسدها، أو على حد تعبير عطالله: "أنت تتصوّرين أنّه لا يمكن للقضيب أن يشق طريقه، إلا عبر انثقاب كخنجر في الجرح".

يقول الكاتب خالد الخميسي في مقاله عن أهميّة التربية الجنسية في فترة المراهقة، أن" العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة هشة. تحتاج إلى الكثير من الرعاية، والاحتضان، والتربية المشتركة. وجزء من رعاية هذه العلاقة الهشة هو في كيفية فهم الجسد ومتطلباته، وأحلامه."

الأمر إذن ليس بسهولة أن ترتدي الفتاة فُستانًا أو أن تمشي بُبطء ودلال، هناك ميراث ثقيل زرعته وغذّته مجتمعاتنا العربية المُتسلّطة والذكوريّة، على جسد المرأة منذ بلوغها وحتّى زواجها وحَملِها، دفعها إلى كراهية ذاتها كأنثى، وكراهية الجسد الأنثوي ومعالمه.

الاستمتاع الذي نبحث عنه في العلاقة بين الرجل والمرأة، يبدأ أولاً بإعادة البريق لهذا الجسد ودعمه وتشجيعه على إعادة اكتشاف نفسه وحُبها، ومحاربة سُلطة الخوف من الاكتشاف والمعرفة والتربية الجنسية، والأهم، ألا نخجل أبدًا من تأخر الوقت لاكتشاف الذات والتعلّم، أو من الذهاب إلى الطبيب النفسي إذا استدعى الموقف ذلك.