تكنولوجيا الحب والجنس.. ماذا عن المرأة في المستقبل؟
تكنولوجيا الحب والجنس.. ماذا عن المرأة في المستقبل؟
(نموذج عن الدمى الجنسية، تصوير: فيرانترايت)

ما انفكّت التكنولوجيا الحديثة منذ ظهورها الأوّل تغيّر حياة الإنسان، تجعلها تارةً أسهل وتارةً أكثر تعقيدًا وصعوبةً. ساهمت التطوّرات التكنولوجية المتعاقبة بكل تأكيد بتغيير الطريقة التي نعبّر فيها عن الحب والحميمية، ويتّهمها البعض كعاملٍ أساسي في تراجع التواصل والانسحاب الاجتماعي، ويراها آخرون سببًا لتطوّر العلاقات العاطفية والاجتماعية وازدهارها. وتزداد الحاجة الملحّة أساسًا للوصول إلى الجواب في بحر الأمواج المتلاطمة التي تضرب سفينة الحبّ والجنس.

لا يخفى على أحد أنّ الزوج أو الزوجة يلمس هاتفه الذكي أكثر ما يلمس شريكه ورفيق دربه، ولا يمرّ يومٌ دون أن نسمع أحد الأزواج يشتكي من تصفّح شريكه/ شريكته لمواقع التواصل الاجتماعية أو الرسائل عبر البرامج المختلفة.

لا نستطيع أن نغفل أهميّة التكنولوجيا بشكلٍ عام وشبكات التواصل الاجتماعية بشكلٍ خاص في الحياة اليومية لإنسان اليوم؛ نتصفّح الأخبار، نستطلع حالة الطقس، نتابع اهتماماتنا، نشجّع النادي الذي نحب، ونتواصل مع شبكاتنا الاجتماعية الحقيقية والافتراضية.

لكن لم يعد أمر التعرّف على شريكٍ عبر مواقع الإنترنت أمرًا مستغربًا مع هذه الأعداد الكبيرة من المواقع التي يرتادها كثيرون بشكلٍ يومي. تقوم هذه المواقع بعرض الأشخاص وتصنيفهم ضمن مجموعاتٍ مختلفة وتستطيع من خلالها تصفية النتائج لتحصل على "المواصفات" التي تناسبك وتبحث عنها. وإذا تصفّحت متاجر التطبيقات المختلفة ستجد مختلف التطبيقات المصمّمة للتعارف سواءً بين شخصين من جنسين مختلفين أو حتى من الجنس نفسه.

فما عليك إلا أن تختار المواصفات التي تناسبك وتُرضي رغباتك ليقوم الموقع بالبحث عن الأشخاص ذوي الصلة لتستطيع التواصل معهم والترتيب لموعدٍ غرامي. قد يبدو الأمر في بادئ الأمر جيدًا، يستطيع المرء أن يجد الأشخاص المناسبين له عبر الإنترنت ويتمكّن من تصفّح "ميزاتهم" ليرى ما يحتاجه، لكن أليس لعملية التصفية والتنقيح تلك أثرٌ على حياتنا في الواقع الذي نعيشه حقًّا؟ أوَلا تمتلك كل هذه التوقّعات الوردية أثرًا محطّمًا على الأفراد عند خيبة أملهم في معظم الأحيان عندما يقابلون الأشخاص الذين كانوا يتكلّمون معهم طيلة الأشهر القليلة الماضية؟

لا ينتهي الحديث عن مواقع التعارف هنا، إذ يهدف موقع Ashley Madison المثير للجدل إلى إعطاء الأشخاص المرتبطين والمتزوّجين "فرصة" القيام بعلاقة غرامية عابرة دون قيودٍ أو شروط، أما عن شعاره فهو: "الحياة قصيرة...احظَ بعلاقة غرامية".


أحبابٌ آليون؟
تتسابق الشركات المختلفة لإنشاء أوّل روبوت جنسي يقوم بكافة الوظائف الجنسية والعاطفية المطلوبة، وذلك على الرغم من وجود بعض النماذج الأولية. يظهر لنا من بين المرشّحين الأكثر ظهورًا شركة Abyss Creations صانعة الألعاب السيليكونية الشهيرة RealDoll. أطلقت الشركة مشروعها في عام 2015 الذي يهدف إلى إنشاء رؤوس آلية قادرة على الكلام لتحاكي وهم الإحساس الجنسي عندما يتمّ ربطها بأجسام RealDoll.

قد تبدو أنّ هذه الروبوتات القادرة على إعطاء الوظائف الجنسية كثورة في عالم الروبوتات، وأنّها ستساعد في معالجة المشاكل الجنسية بينما تساعد آخرين بتعليمهم كيف يصبحوا شركاء جنسيين أفضل عندما يكونون مع شركائهم البشر الحقيقيين. لكن لماذا لم تفكّر تلك الشركات بأنّها من خلال ما تقوم به من صناعاتٍ "ثورية" ستقوم بزيادة الطين بلّة في ما يتعلّق بأوجه عدم المساواة الاجتماعية الموجودة أصلًا؟!

أطلق كل من كاثلين ريتشاردسون وإيريك بيلينغ حملة ضد الروبوتات الجنسية والتي هدفت إلى إظهار الجوانب المظلمة لهذه "القفزة" التكنولوجية. تمتلك هذه الحملة فكرة قويّة تدعمها؛ يكون معظم الطلب على الروبوتات الجنسية النسائية، مما سيعزّز فكرة التقليل من شأن النساء على اعتبارهنّ مجرّد "أداة"، وستنعكس هذه العلاقة غير المتكافئة بين الرجل والروبوت على التواصل البشري في العالم الواقعي، وكثيرًا ما تسبب زيادة سوء المعاملة التي تحصل عليها النساء من الرجال. عدا تقديم هذه الروبوتات علاقاتٍ غرامية للرجال دون الانزعاج الذي قد يواجههم بسبب رغبات، أفكار، أو احتياجات النساء الحقيقية مما يعطيهم السيطرة الكاملة.

لم نتحدّث بعد عن الاحتمالية الكبيرة لإنشاء روبوتات جنسية على شكل أطفال، فقد ظهرت قبل ذلك الروبوتات الجنسية المثيرة للقلق على شكل أطفال في السوق. يدّعي صاحب الشركة اليابانية المصنّعة لهذه الروبوتات Shin Takagi، في لقاء مع صحيفة The Atlantic أنّه ومن خلال ما يقوم بإنتاجه يساعد في منع الأشخاص المولعين جنسيًا بالأطفال من اقتراف الجرائم مع أطفالٍ حقيقيين. لكن يحذّر البعض الآخر من أنّ هذه الدمى الآلية قد تعزّز وتروّج للرغبات غير الطبيعية لدى بعض الناس، ويظهر ذلك في الدراسة التي قامت بها Mayo Clinic حيث توصّلت إلى أنّ هذا "العلاج" لا يغيّر أي شيء في سلوك الأشخاص المولعين جنسيًا بالأطفال ولا يغيّر توجّههم.


جنسٌ ذكيّ
قد تدمّر المسافات البعيدة العلاقات، لكن هناك تكنولوجيا جديدة تدّعي أنّها قادرة على التغلّب على العقبات التي تنشأ عنها. طرحت شركتا Kiiroo و Vibease ألعاباً جنسية "ذكية" متّصلة عبر الإنترنت مع بعضها، وتستخدم تكنولوجيا لمس متطوّرة تستطيع من خلالها استقبال الحركات الجنسية وإرسال الأحاسيس بين الشركاء مهما كانوا بعيدين.

تسمح بعض العوالم الافتراضية الخاّصة بالكبار، بتصميم بيئة وأجسام جنسية قابلة للتعديل بشكلٍ كبير. يمكنك أن تحوّل نفسك أو أي شخصية أخرى إلى الشريك الجنسي المثالي بالنسبة لك، أن تقابل أشخاصًا حقيقيين، المشاركة في حفلات رقص افتراضية، والدخول إلى مساحات لا يتمّ الحكم عليك فيها بالسوء. حيث يعاني الأشخاص الذين يسكنون في الأرياف البعيدة أو في المناطق المحافظة من نظرة المجتمع للجنس غير التقليدي، وهنا يأتي دور هذه الخيالات الافتراضية بحسب ما تروّج له شركاتها. وما تقوم به هذه الشركات صراحةً ومن خلال هذه البيئات الافتراضية هو تعزيز الرغبات الجنسية غير الطبيعية، وتشجيع الناس على الخروج من الواقع الذي نعيشه بدلًا من تمكينهم وبناء قدراتهم عقليًا أو جسديًا ليكونوا قادرين على التواجد في العالم الحقيقي حيث يكونون مسؤولين عن قراراتهم ورغباتهم مع الحفاظ على هامشٍ من الحريّة في الأمور الشخصية.

تمتلك العلاقات الجنسية دورًا هامًا في حياة الإنسان وتواصله مع أفراد جنسه، يمكن لهذه التكنولوجيات الجديدة إذا تم استخدامها بشكلٍ جيدٍ مع مراعاة الأخلاقيات أن تساعدنا في تعزيز تواصلنا مع الأشخاص الذين نحبّهم. ستحدد الطريقة التي نستخدم فيها هذه الثورات التكنولوجية الجنسية هوية أجيالٍ قادمة، فعلينا ألا ننسَى أنّ هذه التكنولوجيات هدفها هو دعم الإنسان ومساعدته في تسهيل حياته ولا يجب أن تكون بديلًا عن العلاقات الواقعية الصحيّة.

لكن كيف سيتم استخدامها وعلى ماذا سينطوي ذلك، هو سؤالٌ لا ندري إجابته بعد لكن نأمل أن لا تكون النتائج كارثية حقًا.