معالم الجسد السايبري: تساؤلات في اللذة (5 – 5)
معالم الجسد السايبري: تساؤلات في اللذة (5 – 5)
(ديفيد ريل)

المقاربات السابقة تدفعنا لطرح عدد من التساؤلات المرتبطة باللذة الجسديّة والتقنيات الإباحيّة والإيروتيكيّة المرتبطة بها، وخصوصًا أن البحث في الإيروتيكا يسعى دومًا لخلق روتينات وتقنيات جديدة لرؤية العالم ومكوّناته ومساءلتها، وهذه التقنيات في الكتابة مثلًا تسمىّ بما فوق السرد حسب تعبير الناقدة ليندا هيتشيون، والبحث فيها يطرح تساؤلات عن إمكانية وجود تقنيات جديدة سواء فنيّة أو غير فنيّة في محاولة اكتشاف تضاريس أخرى للذة، فالتقنيات هذه تعمد على الإزاحة والخلخلّة للبنى التقليدية عن وظيفتها، في سبيل اكتشاف معالم جديدة وغير مشرعنة للّذة، وهذا البحث وخصوصًا الأدائي منه ضمن تقنيات الإيروتيكا يُسائل مفاهيم الجندر والجنسانيّة والتكوين النفسي، وخصوصًا أننا أمام وسيط تواصلي جديد هو الشاشات، لتأتي هذه المحاولات الإيروتيكيّة لكسر احتكار أشكال الاستخدام ومساءلة التقنيّة ودفع حدودها.


استعراض الجسد العاري
التساؤل الأوّل المرتبط باستخدام هذه التقنيات للتحوّل الفينومولوجي من الجسد إلى اللحم، اللحم بوصفه الصيغة المؤغلمة للجسد البشري، فالشاشة أتاحت تقنيات جديدة للأغلمة الفرديّة، بل وصلت حد تكوين لحم سايبري مكون من البيكسلات، هذا الجسد خارج القيود المؤسّساتيّة الفيزيائيّة، هو يطفو على الشاشة مع ذلك هو يلتزم بكوادرها، التقنية تعيق الانفلات الكلي كون القيود الآن هي تقنية لا فيزيائيّة أو اجتماعيّة، إلا أنها تخلق مقاربات جديدة لاستعراض الجسد العاري الحميمي، وتفعيل الفانتازمات والفيتيشيات التي تخلق "معرفة" مغايرة عن تلك التقليدية أو تلك التي يحويها الجنس الفيزيائي.

دليل النشوة
التساؤل الثاني مرتبط بالمقاربة النرجسيّة للذات وللآخر، إذ يتمّ تكوينه الجسد السايبري عبر بنى شبقيّة تنتمي لتصورات مسبقة، بغض النظر عن أهميّة هذه التصوّرات، إلا أنها ترسّخ تصوّر الأنا عن ذاته ولحمه الشبقيّ وخصوصًا أن الشاشة تعمل عمل المرآة، إلى جانب أنها تحول الآخر إلى غرض جنسي، هي تجنسن حضوره كون جسده السايبري هو جسد لذة في هذا السياق، التأثير الأبعد لهذه المقاربة مرتبط بان الجسد السايبري قد يخرج من الشاشة، ويطغى على الممارسات الفيزيائية الواقعية، بحيث تنحو الممارسة نحو محاكاة ما هو سايبري  استعراضيّ لا ما هو واقعي وشبقيّ، وكأن في ذلك انتصاراً وهيمنة للشاشات بوصفها تتدخّل في تقنيات تكوين المني وإفرازه كدليل على النشوة.


تسييس الممارسة الجنسية
التساؤل الثالث مرتبط بالمرجعية البورنوغرافية للوضعيات التي تعكسها الشاشة، وكأنها ترسيخ لهذه الوضعيات الاستهلاكية، وتعميق الاستخدام البورنوغرافي في سبيل زيادة الخبرة السايبرية وتقنيات الاستعراض أمام الشاشة، فالشاشات البورنوغرافية  تسيّس اللذة وأشكالها وتجعلها اقتصاديّة، وكأن الخبرة التي نكتسبها منها تساهم في تطبيعها كونها الشكل الوحيد والمتوافر، ما يدعم الصناعة البورنوغرافيّة عبر مشاهدتها لاكتساب مهارة استخدام الجسد السايبري جنسيا، وهذا ما ينسحب على التقنيات الأخرى المرسّخة اجتماعيًا ودينيًا التي تسيّس الممارسة الجنسيّة، بحيث يكون السؤال مرتبطًا بالممارسة الجنسية "الطبيعيّة" وهل هي فعلًا موجودة بعيدًا عن منطق التكاثر، أي هل هناك تقنية للحصول على اللذّة خارج أنظمة التقنين هذه وقنوات الليبيدو التي تصنّع ويتمُّ نقلها من جيل إلى جيل وتترسّخ بحكم الممارسة والجدوى في بعض الأحيان، ما يحفّز على أهميّة فتح المجال على اللعب، والممارسات الجديدة لاكتشاف عوالم أخرى تقف بوجه مفهوم "الطبيعي" بوصفه مقننّناً ويُفقد اللذة جوهرها المنفلت.

لا يمكن اعتبار التقنيات السابقة ضمن فئة ما بعد البورنوغرافيا، هي لا تمتلك أي من خصائصها، في حين يمكن تصنيفها كوسائط جديدة للجنس، هي مقاربات مختلفة فرضتها طبيعة العصر والتكنولوجيا التي أصبحت جزءًا من حياتنا لا يمكن إنكاره، ومن الممكن مقاربتها من وجهة نظر أنطولوجية- سايبريّة، تأخذ بعين الاعتبار امتداد الجسد البشري ضمن الشاشات والمعالم الثقافية المرتبطة بذلك وتأثيراتها على الظاهرة الجنسانيّة وتقنيّات الممارسة والاستخدام، بحيث تكون الشاشة جزءًا من السلوك ما بعد الإنسانوي، بحيث لا تبقى المرجعية للجسد البشري بشكله الفيزيائي، بل للسايبورغ وأشكاله وتحوّلاته، وتقنيات التداخل بين اللحم البشري وقرينه على الشاشة.