معالم الجسد السايبري: وجهًا لوجه/شاشة لشاشة (1 – 5)

"لم تعد رغبةً مشتعلة مخبأة في عروقي، إنها فينوس تلتهم ضحيتها التي تتلبسها" / فيدر -راسين.


ترى الكاتبة النسويّة دونا هاروي أن السايبورغ لا يعرف عقدة أوديب ولا يعرف الخلاص؛ إذ إنّ تكوينه القائم على الاندماج بين اللحم البشريّ والآلة يحرّره من البنى التقليديّة التي تشكلّ جهازنا النفسيّ، هو ليس مخلوقًا من تراب، هو مزيج من اللحم وعناصر مصنّعة. هذه المقاربة لا ترى التكنولوجيا فقط بوصفها تسهر على حياتنا وتلبي رغباتنا، بل تعترف بها كجزء جوهريّ من تكويننا الطبيعيّ والثقافي كبشر؛ فنحن أمام تكوينات حيويّة جديدة تقترح احتمالات جديدة، خصوصًا في ما يتعلق باللذّة وإشباعها، فالعلاقات مع الشاشة لم تعد علاقة مرآة وشخص يحدّق فيها، بل نحن تكوينات هلاميّة لـ"أجساد" سايبرية "تعيش" في الشاشة، لها حيوات وتقنيات للأداء وأدوار تمارسها ضمن الفضاء السايبري.

هذه الأجساد هي تكوينات أيقونيّة يتم تبادلها رقميًا، كل صورة نلتقطها لأنفسنا أو تُبث لنا، تنتمي لنظام من العلامات المشفرة رقميّة التي نفك تشفيرها وفق معرفتنا السابقة بالفضاء السيابري ذاته وبالمرجعية الاجتماعيّة الخاصة بها، خصوصًا أن هذه العلامات والأيقونات معروفة لدى المتورطين في هذا الفضاء والمدركين لتقنيات عمله كالإيموجيز وصور السيلفي والوضعيات التي تكتسب رواجًا، ويتم تبنيها وإنتاجها ضمن هذا الفضاء، لنرى أنفسنا أمام صيغ جسديّة فاعلة فقط ضمن الفضاء السايبري العام والخاص.

هذه التعريفات الجديدة لـ "اللحم البشري" ضمن الفضاءَين، تختلف عن تلك التي اقترحها يورجين هابرماس؛ فالفضاء السايبري يخترق الفضاء العام والخاص على حدّ سواء، معيدًا تكوين العلاقات التقليديّة للقوة والهيمنة وما ينتج عنها من سلوكيات وقنوات لتشكيل الوعي و"الفعل"، سواء على الصعيد الحميميّ أو العلنيّ، وذلك بتأثير الشاشات ذات الاستخدام اليومي التي تنتهك كل تفاصيل حياتنا؛ فـ"دمقرطة- democratization" هذه الشاشات جعلتنا على تواصل يومي وآني مع كل من نعرفهم وكل الفاعلين في هذا الفضاء السايبري، وحالة on line  أشبه بدليل على الوجود السايبري الفاعل، القائم على الاحتمال الدائم  للتواصل وجهًا-لوجه/شاشة لشاشة مع الآخر؛ فهذا التواصل الجديد ذو صيغة اتصاليّة محكومة بما تتيحه هذه الشاشات من خيارات، وامتلاك "مهارة تواصليّة" مشابهة لمهارة استخدام اللغة، لكنها في هذه الحالة مهارة استخدام التقنيّة، كالثواني المسموح بها في سناب تشات وعدد الكلمات في تويتر، إلى جانب إتقان "إنتاج" الفيديوهات المبثوثة حيًا من داخل غرفنا ومنازلنا وأسرتنا، أو الساحات العامة  وغرف الأخبار والاجتماعات العلنيّة.

الكوجيتو الديكارتي تعرض للتهتك في ظل هذه المقاربات السايبرية، "أنا أون لاين، إذن أنا موجود"؛ أنا متصل على المنصات المختلفة، أي أن إدراكي الذاتي خاضع لنوع من الفصام المرتبط بالذات ووعيها بذاتها؛ فهناك الوجود الفيزيائي المرتبط بالوعي الظاهراتي، والآخر السايبري المرتبط بأنظمة التشفير، كلاهما بحاجة دائمة للحضور، إلا الوجود السايبري يعني وجودًا ذا خصائص بشريّة، يفتقد لحضور اللحم، لكنه مرتبط بالعلاقة مع الشاشة سواء عبر الكلمات أو الصور وآليات توليدها.

هذا الحضور السيابري يحوّل الجسد إلى صيغة مغايرة مرتبطة بالاستهلاك والتقنيات النيوليبرالية حول إدراكه لذاته، فهو غير مُنتَج، لكنه مُنتِج، فهذا الانعكاس يعمق الشرخ الذي تولّده تقنيات الهيمنة الرأسماليّة في الفصام بين الأنا الذي أراه بعيني والأنا الذي ينعكس على الشاشة؛ إذ يتحول اللحم البشري عبر هذا الانعكاس إلى سلعة يتم تبادلها وبيعها.

وإلى جانب المعلومات الخاصة بها في سبيل الربح، وما ينتج هذا الجسد من وسائل وما يستهلكه من مواد، محكوم فقط بكيفية امتداده في الزمن بصورة منتجة للأقصى، ليكون كتلة من الربح، أما المقابل الذي يدفعه الشخص (بعد عملية الاندماج التكنولوجيّة) ليكون جزءًا من الشاشة هو الزمن، بوصفه شرط الحضور، الزمن المهدور للتكوين على الشاشة هو زمن اقتصادي، ربحي، هو العملة التي يدفعها الشخص ضمن البنية الاجتماعية أو الشخصيّة.

هذه الأجساد الجديدة وتكونياتها هي اقتصاديّة حكمًا، هي تتطلب الوجود الجسدي الفيزيائي أمام الشاشة، الخطورة تكمن أن الجسد السايبري وتقنيات تكوينها المرتبطة بالنصوص والصورة وبثها على الشاشة تعيد تكوين الأوقات  التي نقضيها في القيام بأنشطة أخرى، وإعادة برمجتها لنكون  أسرى نزعةto be seen، فالميل لم يعد فقط للاستعراض، بل لبناء كيان سايبري متماسك وحاضر؛ أما الوجود الفيزيائي فيتحول إلى روتين مرتبط بآليات بناء الجسد السايبري، ليتحول إلى ما يشبه العمل بالمعنى الإنتاجي بالرغم من أنه يدّعي العكس، فالحضور على الشاشة يخدم اقتصاد الوسيلة، والأنشطة الفيزيائية الجسدية تسعى للحضور على الشاشة بوصفها "حقيقة" أشد تماسكًا وانفلاتًا من الحضور الفيزيائي وتكويناته السياسية والاجتماعيّة.

الجسد السايبري يتحرر من قيود اللحم الفيزيائي، إلى جانب كونه يتحرر من سطوة المكان والزمان، ويعيد تكوين ذاته خارج الدور الاجتماعي التقليدي، أما مفاهيم الجندر فيعاد تكوينها، كون علاقات القوة السياسية والاجتماعية التي تنقل "سكريبت" الأداء الجندري من جيل إلى جيل حسب تعبير جوديث بتلر ليتم تأديته لم تعد بذات القوة، فالجسد السايبري بوست-جندري، فيتشي ومتحول، مائع في ظل القدرة الهائلة على التكوين الأيقوني والدلالي يقدمها الفضاء السايبري.