معالم الجسد السايبري: شاشات اللذّة (2 - 5)

يمكن اعتبار الشاشة شكلًا مطوّرًا عن المرآة اللاكانيّة، فتكوين الأنا المرتبط بها لا ينعكس فقط على هشاشة الذات وتكوين الأنا العليا عبرها، بل يمتد تأثيرها كون الشاشة متعددة الأوجه، وتتيح للـ"محدّق" فيها تغيير هذه الصورة وبناء "أنا سايبريّة" مختلفة عن تلك "الأنا" التي تكونها المرآة التقليدية. كما أن هذه الشاشة نافذة على الآخر أيضًا، هي وسيلة للتلصص من جهة، أو المكاشفة الكليّة من جهة أخرى، سواء عبر تطابق الجسد الفيزيائي مع الجسد السايبري (الصورة الفوتوغرافيّة) أو عبر خلق جسد آخر مغاير لذلك الفيزيائي "الأفاتار". هذه العلاقة النرجسية مع الشاشة والقدرة على تكوين الذات وفصلها وجعلها موضوعًا للذة، يعتبر أساسًا في دراسة الظاهرة الجنسانيّة من وجهة نظرة سايبريّة.

في سلسلة المقالات وهذه ومع الأخذ بعين الاعتبار مقاربات للجسد السايبري السابقة، سنحاول رسم معالم الأداء الجنسي السايبري وتقنيات اللذة المرتبطة به، وذلك ضمن شرط الاتصال بين شخصين يعرفان بعضهما البعض، مع الاتفاق الضمني أو المعلن على هذه الممارسة، من دون مقابل ماديّ، أي مقاربة لتحليل للأداء الجنسي أمام الشاشة، سواء عبر الكتابة النصيّة أو الاتصال الفيدويّ.

سنحاول التعرف إلى تقنيات جنسنة الجسد السايبري، واللذة المرتبطة به والممارسات الجنسية المرتبطة بالشاشة بوصفها وسيط يستبدل الجسد الفيزيائي، بحيث يتم الأداء عبر القنوات السابريّة لتكوين الجسد، وهي الكلمات والصور، إذ يتم رسم ملامح ما يدعى الجنس الرقمي، والنشوة النهائية المرتبطة بالممارسة بوصفنا أمام وضعيات تفترضها الشاشة في سبيل الإشباع والوصول إلى الرعشة، إذ لن يتم تناول الأفلام الإباحية أو مواقع الدردشة الجماعية وغيرها من الأشكال الجنسية.

مقاربة هذه الممارسات الجنسية لا ينبع من أي موقف أخلاقي، بل بوصفها وسائط موازية أو حتى مختلفة، إما لأسباب جغرافية أو جسدية  واعتبارها تقنيات موازية للذة، لا مفاضلة بينها وبين الفعل الفيزيائي؛ إذ تختلف أن الأساس الفاعل فيها لا يقوم على اللمس بين جسدين أو حضورهما في ذات الفضاء المغلق أو المفتوح، بل السعي لخلق وضعيات اللذة السايبريّة، سواء عبر الكلمات أو الانفعالات اللغوية ودلالاتها، أو عبر الوضعيات الجسدية أمام الكاميرا، وكأننا أمام محاولات لإسقاط الليبدو-الشهوة على الشاشة  واستثارة الآخر والذات، مع الإشارة إلى أن الجسد السايبري عقيم، غير قادر على التكاثر؛ بعكس الفيزيائي الذي من الممكن أن يمارس هذه الوظيفة إلى جانب اللذّة.

عقم الجسد السايبري يجعله محصورًا على تقنيات اللذة، أما السوائل المنتجة فهي براهين على نجاح الاتصال السايبري، إلى جانب قيمتها الاقتصادية، عبر شغل الوسيط واستخدامه، إلى جانب كونها دليل على انغماس التكنولوجية ضمن تقنيات اللذة بصورة تنعكس مباشرة على "اللحم"، فتقنيات الأغلمة وتحويل الجسد الاجتماعي إلى جسد جنسي ترتبط بالقدرة على تبني الكودات والوضعيات المرتبطة بالشاشة، لا بالإثارة الناتجة عن اللمس أو الوجود الفيزيائي، ففضاء اللذة هو حكر على الشاشة، لا الجو المحيط، إذ يتحول الشخص من "جسد" إلى لحم سايبري"، يختزن داخله وضعيات اللذة ويعيد إنتاجها في الظرف الذي يختاره.

يتصف الجسد الساييبري المؤغلم أيضًا بأنه جسد لا إباحي، ولا يرتبط بالتعريفات التقليدية للبورنوغرافيا كونه لا تبادلي؛ إذ هو غير متاح للجميع و لا ينتج من وجهة نظر مؤسساتيّة، بل هو خصوصي يرتبط بالفانتازم الشخصي، ولا يحضر إلا إذا تم تلقيه "seen"، إذ دون الآخر لا وجود للجسد السايبري المجنسن، بعكس الجسد البورنوغرافي، وهذه المقاربة تحيلنا لنظريات الاتصال الكلاسيكيّة المرتطبة بالمرسل والمستقبل والوسيط وأنظمة التشفير وفكّه، الاختلاف يكمن أن المُنتج في هذه العملية الاتصالية إلى جانب السوائل الجسديّة، يحمل خصائص معرفيّة.

هنا، يُلاحظ أن هذا النوع من الاتصال الجنسي يساهم بتجاوز الدور الاجتماعي وتقنيات الممارسة الجسدية الجنسيّة نحو وضعيات أخرى، كما يفعّل تقنيات معرفية ونفسية تشابه التحديق في المرآة بوصفه عملية بناء تراكميّة لذات مختلفة عن تلك "الأنا" الجسديّة، بل حتى يتيح تقنيات تتجاوز التكوين الفيزيائيّ من ذكر وأنثى وغيرها، نحو عوالم مغايرة يكون التكوين فيها جوهره اكتشاف مواطن جديدة للذة وآليات الوصول لها.