بيروت والقاهرة.. لكل منهما إيقاعها المُنهك
بيروت والقاهرة.. لكل منهما إيقاعها المُنهك
(القاهرة، تصوير: ستيفن ستود)
بيروت، ربّما تكون الكلمة كمفردة، صوتًا ورسمًا من الكلمات التي تعلق برأسك دون عناء حين تسمعها. بسيطة ذات وقع، تبدأ بخبطة على طبلة الباء، وتمتدُّ في نعومة الواو حتى تنغلق على ذاتها منفتحة على ما يليها برسم التاء. سمّت نفسها يوما "ستّ الدنيا". وكانت في لحظة ما –في سبعينيات القرن الماضي – مركزًا شديد الكثافة للحداثة العربية كمفهوم أدبي وفكري لم يكن بعيدًا في أي وقت عن الأثر الاستعماري – ما بعد الكولونيالية – للبلدان العربية.

لم تكن مبالغة تلك العبارة التي اشتهرت في الماضي حول كون القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ. لم يعد هناك الآن بغداد. والقاهرة لم تعد تفعل شيئا سوى التكرار والدوران حول ثيمات رثّة مع استثناءات تكاد لا تُرى. وبيروت، رغم حضور صنعة الكتاب، إلا أن التذمّر من موت سوق القارئ العربي هو أكثر ما يتحدّث عنه أي ناشر.

لكن الأشياء تتغيّر. فبيروت الحداثة تمتلئ بالتصدّعات. ليس فكريًا فقط. بل في معمار جسد المدينة منذ أن انتهت الحرب الأهلية، ولا تزال هذه التصدّعات تتمدّد لتلمس جنبات المدينة كلها، في التناقضات المعمارية المتلاصقة المتأرجحة بين العربية القديمة جدًا، الفرنسية ذات الأسقف القرميدية الحمراء، والأبراج ذات الواجهات الزجاجية اللامعة. حتى أن قاطنيها يسمّونها مدينة التناقضات.

بل تكون التناقضات أحيانًا في البناية نفسها. في شارع مثل الجمَّيزة، تجد الكثير من البارات تحتل المحال في الأبنية القديمة ذات الأسقف القرميدية. وهكذا، تبدو المدينة وكأنها تتحرّك صعودًا وهبوطًا في تباينات الذوق الصارخة، كأنها على درج ضيّق، مرهقٌ في صعوده، خطِرٌ في نزوله. وباستثناء كورنيش البحر القريب من وسط المدينة، لم تعد هناك مساحات عامة في المدينة التي قيل عنها دومًا إن الحياة الاجتماعية فيها واسعة ومفتوحة.

بيروت المنقوش اسمها بخط ناعم منساب على حواجز إسمنتية قريبة من البحر، تبدو مثل الكثير من فتياتها وشاباتها، شديدة الاعتناء بتفاصيلها. لا مفرّ من أن تأخذ نظرك حين تصلها. تحاول فهمها، استكشاف شوارعها المُتعِبة في صعودها وهبوطها، حتى أنّك تغضب من حالك لاستسلامك لها، من إنهاكك جرّاء تتبُّع إيقاعها، لكنك تعود مرّة بعد الأخرى لزيارتها، تشعر بميل لممارسة هذا الركض الصاخب كلمّا مرّ بعض الوقت على تركك لها.

تحاول بيروت، في واجهتها على الأقلّ، التشبث بما تبقى من فكرة نمط الحياة الواسعة المفتوحة: الاعتناء الشديد بالمطاعم والكافيهات. لكنك في الوقت نفسه تجد انقطاعًا يوميًا للكهرباء، مياها مالحة في صنابير غسل اليدين بهذه المطاعم الأنيقة. وبمرور الوقت يتبدى لك أن حتى هذه الحياة الواسعة المفتوحة هي في أغلبها تظهر في مجموعات أو دوائر تختار بارًا أو مطعمًا كموضع التقاء لا أكثر. وهكذا تبدو بيروت بصورة مشهدية أكثر اتساعًا: منفصلة متصلة على نحو مُرتبِك، مُربِك.

يزداد هذا الارتباك حتى يتحوّل إلى اختناق كلّما ابتعدنا عن وسط المدينة وخلال توغّلنا بالضاحية الجنوبية المكدّسة، حيث العمارات العادية المتلاصقة على نحو يوحي بالانفجار في أي لحظة. وسياق واقعي يزداد الأمر قسوة مع غلاء دائم غير مفهوم لكل شيء وهشاشة اقتصاد يبدوان وكأنهما التصقا بكيان المدينة. رأسمالية استعراضية تتظاهر بالحداثة في أماكن بعينها، تاركة مخلفاتها تتراكم فوق بقية المناطق المتوارية.

في شارع شهير مثل الحمرا، تلمس مباشرة أن ثمة حالة من الاستعراض في الأزياء وطريقة المشي على نحو ليس من السهل تجاهله. وكأن كاميرا سينمائية تسلّط عدستها على المارّين من بداية الشارع، وقد تجاوب معها من يأتون للمكان وأخذوا في تقمّص أدوارهم السينمائية التي تُظهِر أن المكان غنّي بنمطه الغربي المعاصر في الأزياء وديكورات المحال، والهوس بتجربة بار أو مطعم جديد يحاول أخذ حيِّزه في الشارع المكدّس بالفعل.

الكثير من الطاقات الفردية والتنافسية العالية وحيوية الرغبة في الترقي الفردي يمكن أن تجدها في بيروت. لكن يظلّ بهذا كلّه شيء من اللانسق. لا إيقاع أو سياق يجعلنا نفهم الأمور في أطر خارج الحساسية الطائفية المكتومة والغلاء والتأفّف الدائم من كل شيء تقريبًا.


القاهرة.. كسل النيل يمسك بإيقاع العيش
لم تعد المدينة تقهر غير ذاتها. لم تعد تقهر غير من لا يزال متشبثًا بالعيش فيها، من لا يزال مضطرًا للعيش فيها. تقهر بسحابة الغبار الدائمة العالقة بفضائها، بالصخب المصاحب لكل هذا الزحام، بالتلوّث المتولِّد من زحام لا مفر منه، بالرداءة التي أصبحت سمة المدينة وجزءًا من شخصيتها الرثّة.

في كل مرة أترك القاهرة أشعر أنني أكثر خِفّة جسدًا وروحًا. وعندما أعود، تتكاثف سحابات مُعتمّة. ودائمًا أسأل: كيف ينجح مكان ما في أن يلفظك ولو ذهنيًا إلى هذا الحد؟ كيف ينجح مكان ما في أن يدفعك خارجه؟ بل يركلك ويضربك باللكمات في الأضلع إلى الحد الذي يفقدك أي شعور ولو محايد – لن أقول إيجابيًا بالتأكيد – نحوه بكل ما يحمله من تفاصيل. ثمّة جثّة تتعفّن في القاهرة. رائحتها تظل معي حتى بعد مغادرة المكان، ولا أكاد أقترب من العودة إليها، حتى يعود إليّ نفوري من حتمية أن تقطنه في اللحظة الحالية.

محاولة العيش في مكان هادئ ليس على أطراف القاهرة التي تتمدّد على نحو مشوّه بلا توقف، أشبه بتحقيق معجزة. فالمدينة التي لا تستطيع أن تخفي مرضها وشيخوختها، المدينة الكسولة التي تبدو وكأنها تستسلم لإيقاع نيلها الكسول، لا حيوية بأي شكل من أشكال الحياة فيها. المدينة التي لا أحد يعلم كيف تدفع ذاتها للاستمرار في الحركة حتى الآن تبدو وكأنها تتعمّد أن يطاولك صخبها، وكأن الأمر ممارسة دائمة لإثبات قدرتها على قهرك بلا مواربة.

فالمدينة المُرهِقة المُرهَقة تمتص كلّ الطاقة، تطحن العظام. ساعة في الشارع بين المارة كافية لإهدار سبع ساعات نوم. المرور السليم بين ضفتي الشارع ليس مضمونًا لمَن لا يعرف كيف يفكّر الشخص الذي يمتلك سلطة مقود سيارة، مستعدًا لتفجّير كلّ كبته.

الناس تبدو في حرب مستمرّة، مع الآخرين وأنفسهم، على أصغر الأشياء. ما لا نستطيع تغييره نسخر منه. يبدو كأننا تصالحنا مع إدراكها حقيقة موت المدينة. في مجتمع تجد فيه الجميع يراقب الجميع.. لا مجال لأي اختلاف ثقافي أو سياسي فما بالك بالديني أو الفكري، يظهر وجه آخر للموت هنا.

لكل من بيروت والقاهرة خيباتها، طريقتها في سحقك. لكل منهما إيقاعها المُنهك، وإن اختلف وجهه، لكنه في صميمه لا يسمح لك بأن تحتفظ بحد أدنى من السلام النفسي الذي يحتاجه الإنسان لممارسة العيش الطبيعي، فما بالك لو كان الأمر حول محاولة أي ممارسة فنيّة مغايرة.

دلالات