التثقيف الجنسي.. القنبلة الاجتماعية الموقوتة
التثقيف الجنسي.. القنبلة الاجتماعية الموقوتة
يقتصر التثقيف الجنسي في مدارسنا على ساعة درس الأحياء(Getty)
الجنس الآخر، العلاقات، الزواج، وإنجاب الأطفال، يمكننا تلخيصها بكلمة واحدة: "المحرمات". فهي مواضيع لا يجب تداولها بين طلاب المدارس، أو على الأقل هذا ما تعتقده الأنظمة التعليمية وتأمل به.

يقتصر التثقيف الجنسي في مدارسنا على ساعةٍ صغيرة تمر في درس علم الأحياء، وكل ما يتعلّمه الأطفال حول العلاقات الحميمية والأمور الجنسية يحصلون عليه من مختلف الأوساط التي لا تكون مناسبة غالباً، فلماذا لا ندخل هذا الأمر في مناهجهم التعليمية بشكلٍ لائق؟

لا ندري ما السبب الذي يدفع كثيراً من المعلمين أو واضعي السياسات التعليمية حول العالم إلى الاعتقاد بأنّ تجنّب الحديث عن الجنس والعلاقات العاطفية سيجنّب طلابهم الوقوع فيها، يحميهم من خطر الانحراف، ويساعدهم على التأسيس لعلاقةٍ عاطفية تكون مثمرةً وصحية. أو لربما ما زالوا يعتقدون أنّ الحديث عن هذه الأمور هو أمرٌ محرم وممنوع، ويشعرون بعدم الارتياح عند التحدّث عنه. وإذا ما مرّ موضوع الجنس والعلاقات في حصة البيولوجيا، فإنّ معظم الأساتذة يمرون عليها سريعاً ولا يتطرقون إلا إلى النواحي البيولوجية فيها، صارفين النظر عن موضوع العلاقات والتثقيف الاجتماعي.


قنبلة اجتماعية صحية موقوتة
لكن، وفي الحقيقة، ما يحدث هو العكس. يؤدي غياب التثقيف الجنسي في المدارس إلى مشاكل كبيرة مع تقدّم الحياة، ما يشكل قنبلة صحية واجتماعية موقوتة. فمن دون وجود التثقيف حول العلاقات الجنسية والعاطفية في المدارس فإنّ الطلاب سيمرون في حياتهم بمرحلةٍ يرغبون فيها بمعرفة كل الأمور المتعلقة بالعلاقات الجنسية والعاطفية. وإذا ما بحثوا عن المعلومات وأرادوا الوصول إليها سيفاجؤون بمدى صعوبة الحصول على المعلومات العلمية الصحيحة وسهولة الحصول على المعلومات الخاطئة وغير الصحية.

فإذا ما نظمنا عملية حصول الطلاب على التثقيف الجنسي الصحيح وجعلناها تدخل ضمن المنهاج الدراسي بطريقة مناسبة مع مراعاة كل الاعتبارات الدينية والاجتماعية، فإنّ ذلك سيساعدنا على رفع مستوى الوعي لدى طلابنا ولفت أنظارهم إلى الممارسات الخاطئة وما يترتب عليها من كوارث محتملة.

تعدّ الأمراض المنتقلة بالجنس من بين الأمور التي تصيب الطلاب في المراحل الثانوية وتؤدي إلى تغيبهم عن المدرسة، فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك 9.1 ملايين حالة للأمراض المنتقلة بالجنس سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية.

تعكس هذه الأرقام، وعلى الرغم من كونها ليست من المنطقة العربية التي تتسم بطابع المحافظة والابتعاد عن هذه الأمور كما يقال، ما يسببه نقص الثقافة الجنسية من آثارٍ ضارة يمكننا الحد منها بكل بساطة عن طريق تزويد الطلاب بالمعلومات والممارسات الصحّية التي تجنّبهم الوقوع في هذه الأمراض.

عدا عن حالات الحمل الكبيرة لدى المراهقات التي تحدث نتيجة نقص الوعي بطرق منع الحمل، إذ يقدّر عدد حالات الحمل في الولايات المتحدة الأميركية، بحسب نفس الدراسة السابقة، بنحو 850,000 حالة حمل لدى المراهقات سنوياً.

وهذا بالطبع ما دفع كل واضعي السياسات الصحية والتعليمية في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لمحاولة فرض إدخال التثقيف الجنسي في المناهج التعليمية وبشكل إلزامي. تكلّف هذه الحالات المليارات من الدولارات من ناحية الرعاية الصحية عدا عن أثرها الاجتماعي المدمّر إذا ما تم تجاهلها وعدم التحدّث عنها.

بحسب وزيرة التعليم في المملكة المتحدة جستين جرينينغ: "ما نقدمه اليوم هو تثقيف إجباري حول الجنس والعلاقات في كل المدارس الثانوية، وكذلك تثقيف حول العلاقات في المدارس الابتدائية".

لم أكن أعرف
نعلّم أطفالنا في المدارس كيف يعبرون الشارع بأمان، كيف يلعبون الرياضة لتحسين صحتهم، أنواع النباتات الموجودة حول العالم، أهم الدول في إنتاج فاكهةٍ ما في الوطن العربي، ألا يتكلموا مع الغرباء، ومختلف الأدعية والصلوات التي تحميهم وتحفظهم. لكننا لا نخصص ولو بعض الوقت لنحدثهم عن العلاقات الصحيحة ومتى يجب عليهم أن يأخذوا الحيطة والحذر من هذه الأمور.

فكم سمعنا عن حالاتٍ من التحرش الجنسي بالأطفال والمراهقين أو حتى الاعتداء الجنسي بسبب قلة المعرفة ولأنّ أحداً لم يخبرهم أو يعلّمهم ما هو الصحيح وما هو الخاطئ. وبعد أن تحدث الكارثة ويتم الاعتداء الذي غالباً ما يكون من الأقارب نصبّ اللوم على الطفل أو الطالب الذي لم يتلق التثقيف الكافي حول هذا الأمر ولا يعرف ما هو الصواب وما هو الخطأ ليجيبنا بجملةٍ واحدة تعبّر عن كل ما مرّ فيه: "لا أعرف أنّ الذي حدث لي هو أمرٌ غير صحيح".

لذلك تتوجّه سياسات التعليم العالمية حالياً كما رأينا نحو فرض التثقيف الجنسي والتعليم حول العلاقات في المناهج التعليمية الخاصة بالمدارس الابتدائية والثانوية، لعلّ هذه المقاربة هي مقاربة جيدة إذا ما تمت إدارتها بشكلٍ جيد. ولا أقترح أن نقوم بنقل النموذج الأجنبي وتعميمه في أي بلدٍ من البلاد العربي فلكل بلدٍ منها خصوصيته وسماته الخاصة، لكن علينا وبلا أدنى شكّ أن نأخذ هذه المقاربة بعين الاعتبار ونبحث عن حلٍ نستطيع من خلاله وضع حدٍ لهذه الأزمات المتزايدة وإيقاف مفعول تلك القنبلة الموقوتة التي ستدمر البنى التحتية للعلاقات الاجتماعية في بلداننا إذا ما انفجرت يوماً ما. فلا حياء في العلم، ولا حياء في حفظ النفوس وتنمية جيل المستقبل.