الفِراء والمازوخيّة.. موجز تاريخ اللذة
الفِراء والمازوخيّة.. موجز تاريخ اللذة
(تمثال فينوس، تصوير: غرانت فينت)

"وضرب الرب القدير سبحانه فأسلمه إلى يدي امرأة". سِفر يهوديت.

من الكتاب المقدّس، العهد القديم، بدأ ليوبولد فون ساشر مازوخ روايته، بهذا الاقتباس تحديدًا من النشيد الذي انشدته يهوديت، بعدما مكّنها الرب من هزيمة عدو بني إسرائيل، إليفانا ملك الآشوريين وقائد جيوش نبوخذ نصر، بجمالها وفتنتها، وذكائها وثبات إيمانها بالطبع. فقد دخلت عليه في قلب خيمته، و"اصطيد لساعتهِ بعينيها" بحد تعبير العهد القديم، وبعد ليلتين وهي تخدعه بأنها في حمايته وعبدته، دعاها إلى خيمته، وفُتن بجمالها وشرب خمرًا تحيّةً لما هو قادم معها حتّى نام، فاستلّت خنجره من فوقِه وجزّت رأسه وعادت بهِ إلى بني إسرائيل.

بعكس يهوديت، الطامحة في حماية شعبها وإيمانهم بالرب، فإن "فاندا" بطلة رواية "فينوس في الفراء" تخدم متعتها الشخصيّة، "متعطّشة فقط للمتعة" و"المتعة وحدها ما يعطي قيمة للوجود، كل من يعاني أو يعيش بحرمان يصافح الموت كصديق، ولكن كل من سلّم نفسه للمتعة لا يتخلّى عن الحياة بسهولة".

هذهِ بالطبع رواية مُثيرة للجدل، كُتبت عام 1870، تحكي قصّة "سيفرين" الواقِع في حب تمثال فينوس العارية، ويقع في حب اللوحات التي تمثّلها أيضًا، مثل لوحة تيتيان التي تمثّلها عارية إلا من فراء يدفّئها، ويتغزّل في طلّتها:"أنتِ باردة بينما أنتِ نفسك تُلهبين قلوب الرجال، مُلتحفة في فرائك المستبّد الذي لا يلائم امرأة سواك يا إلهة الحُب والجمال القاسية".

بعد قليل يجد سيفرين في فاندا، الأرملة الثريّة الجميلة، تحقيقًا لخيالاته عن فينوس، يضرب الرب ويُسلّمه إلى يديها، يقع في حبها وتقع هي أيضًا في حبّه، ويبدأ في التصريح لها برغباته، في أن تجلده بالسوط فيما ترتدي فراءها، أو أن تعذّبه برؤيتها تخونه مع رجل آخر.

وبالفعل، تبدأ فاندا في التجاوب، وتجعله يوقّع على وثيقتين لضمان عبوديّته وانسحاقه أمامها مهما كان ما تفعله ولو قتله وأن ترتدي الفراء عندما تمارس القسوة ضدّه، على ألا يعود بالانتقام في ما بعد لإعطائه حريّته، ووثيقة أخرى أنه مات منتحرًا، حتّى تضمن ولاؤه التام لها وعدم وجود أي شبهات حولها إذا ما قتلته بالفعل!

يوقّع سيفرين، وتبدأ أحداث الرواية في تصاعد أخّاذ. يرحلان إلى فلورنسا حيث لا يعرفهمها أحد، حتّى تتفنن في تعذيب خادمها كما يحلو لها، والذي يؤدّي مهمته بإخلاص قدّيس من الآباء الشُهداء. يصف مازوخ تحوّلات مشاعر فاندا ناحية عبدها، ومشاعر سيفرين بدقّة مُفرطة، استمتاعه بجلد السياط، شهوته التي تتأجج حينما يتم تقييده إلى السرير، عيناه التي تلوح منهما روح الشهادة حين يوشك على الموت حُبًا تحت وطأة التعذيب، وعيناه الكلبيّتان حين تأمره فاندا بالركوع أمامها على ركبتيه، انصياعه التام لأوامرها، وتلويحها بالخيانة، وانسحاقه التام أمام إشارة رضا واحدة منها أو قُبلة تُلقيها حين تتمتّع بمزاج رائق. في أحد هذه المواقف يقول لها بلوعة: "إن تعاستي تنحصر في أنه كلما أسأتِ معاملتي وأمعنتِ في خيانتي، كلما أحببتك بجنون أكثر، آه ينبغي أن أموت من الحسرة والحُب والغيرة".

أكثر الفصول تميّزًا ببراعةِ واندلاقٍ محمُوم يكاد يقطُر من الصفحات، هو فصل الرسّام الجرماني الذي استقدمته ليرسمها عارية في الفراء، ووقوعه تحت سطوة عينيها، ليرسمها ببؤس وعشق شديد تحت ضربات السوط هوَ أيضًا، ويرحل بعشقها في قلبه وفي لوحة رسمها لها خِفية، متأكدًا أن هذهِ المرأة هي الشيطان.

تقع الرواية في 175 صفحة، الترجمة لأسماء القنّاص، صادرة مؤخرًا من دار أثر للنشر والتوزيع ومقرّها السعودية. تبدو بحاجة إلى بعض التدقيق، ففي ترجمات سابقة كانت الأشعار التي كتبها سيفرين موجهة إلى فينوس، فيما هنا يتم توجيهها إلى كيوبيد، كما أن هناك أكثر من جملة ومُصطلح اختلفوا في سياق النص عن الترجمة الأقدم "فينوس ذات الحُلل الفروَية".

عدا هذا، فإنها تجربة عميقة في غِمار النفس البشريّة، بعيدًا عن الرسائل التي اقتحمت فيسبوك في السنوات الأخيرة من "خدّامك ولو تقبلي تكوني ملكتي ومولاتي هاعيش تحت رجليكي تعملي فيّا اللي انتي عايزاه"، التي أغرقت حساباتنا في فترة، وبعيدًا أيضًا عن انتشار "الساديّة" والأبحاث والكُتب والروايات المُتعلقة بها.

فبعد رواية "خمسون ظلًا من غراي" والأفلام التي تم صناعتها من الرواية بأجزائها، يبدو العالم كلّه مهتمًا بالسادية، ناسيًا أن المازوخيّة عالم متكامل من المشاعر والعواطف، مختلف تمام الاختلاف عن الساديّة، وعالَما كلّ من ساد ومازوخ لا يُمكن اعتبارهما متكاملين أو عنصرين ينقلبان على بعضهما بعضًا كما يقول جيل دولوز على غلاف الرواية. وفي رأيي، أهميّة القراءة والتحليل هنا، تنبع من اعتبار علم النفس للمازوخيّة أنها فعل أنثوي، وبالتالي عندما تتواجد في ذكر، فهي انحراف هام وأكبر من السادية، بمخالفته لطبيعة النشاط الجنسي الذكوري المتوقّع.

لقد نُعتت المازوخيّة بهذا الاسم، لأن الطبيب النفسي ريتشارد فون إيبنج، وجد في وقائع الرواية، والمُستمدّة من حياة مازوخ الحقيقية – مفاجأة! – أفضل وصف مُمكن لهذا الانحراف النفسي، وضمّنها بأعراضها ووصفها في كتاب له عن "الاعتلال النفسي الجنسي Psychopathia Sexualis" الذي صدر عام 1886، حيث كانت الساديّة والمازوخيّة مرفوضتان تمامًا من المُجتمع، والمثليّة كذلك، وكان يتم تصنيفهما على أنهما أمراض نفسيّة تستوجب العلاج.

اختلفت النظرة النفسيّة اليوم للمازوخيّة، فالدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات النفسية، الصادر عام 2013 عن جمعية الطب النفسي الأميركي، يرى أنها اضطراب يخص الخيالات الجنسية، واتفق العديد من المختّصين الآن، أن المازوخية الجنسيّة ليست بحاجة إلى علاج، إلا في حالة القيام بتصرفات مخالفة للقانون، مثل استخدام العنف المؤذي أو التسبب في وقوع قتلى.

كان مازوخ، وعشيقته السيّدة فاني فون بيستور، بطلا هذا المشهد في الواقع؛ فتم توقيع نفس الاتفاق بينهما لمدة ستة شهور، كان فيها مازوخ عبدها، يشعر بالمتعة الجنسية وتتأجج شهوته عند تلقيه العذاب والألم والإذلال منها، وكان تخيّله أنها تخونه، يُلهب عشقه لها أكثر.

وبما أن هذا الميل تكوّن لديه في فترة الطفولة، فيجب أن نتطرّق إلى قصّته مع عمته الكونتيسة زينوبيا الحسناء، كان مفتونًا بجمالها وقوّتها، وفي أحد مرّات لعبه مع أبنائها، اختبأ في غرفة نوم الكونتيسة، التي عادت إلى منزلها ذلك اليوم مع عشيق لها، أغلقت الباب وارتمى الاثنان أمام عيني الصبي يتبادلان القبل، ولم تمر دقائق، حتّى دخل زوج عمّته ومعه اثنين من أصدقائه، غاضبًا متوعدًا، ولدهشة الجميع، قامت الكونتيسة وهوت بقبضتها على وجهه! دون أن يتحرّك!

بالطبع مشهد لا يُصدّق، الزوج دامي الوجه، والكونتيسة استلّت سوطًا لتضرب جميع من في الغرفة بلا استثناء، ومن ضمنها ستارة تغيير الملابس التي يختبئ خلفها مازوخ الصغير، وجدته، فانهالت عليه صفعًا وركلًا. شعر بلذة غريبة وخفيّة تجتاح جسده.

في هذه الأثناء عاد زوجها إلى الغرفة، خانعًا وذليلًا، تكوّم عند قدميها متوسلًا السماح والغُفران، أما هي فنظرت إليه باحتقار، وراحت تركله بقدمها، فيما هرب مازوخ، وتلصص على الغرفة من الخارج، مستمعًا إلى صوت السوط وهوَ يمزّق جسد الزوج مُستمتعًا به، وقد انطبعت في ذهنه عظمة الأنثى القويّة، التي ترتدي الفراء عارية، فيما تُلهب بسوطها عشّاقها الصاغرين.

لقد تمّت معالجة الرواية في طبعة أميركية حديثة بقلم ديفيد إيفيس، وتم تقديم هذه المعالجة على المسرح في دول عديدة حول العالم، وحققت نجاحات صاخبة في طبعات كثيرة، فيما قام رومان بولانسكي، بإخراج فيلم رائع يأخذ نفس منحى المعالجة المسرحيّة عام 2013، من بطولة إيمانويل سيجنر وماتيو إمالريك. وفي العالم العربي كان للمُخرج اللبناني جاك مارون السَبق في تقديم الرواية على المسرح في بيروت، من بطولة بديع أبو شقرا وريتا حايك في 2016، وأحدثت ضجّة لا بأس بها، كونها مسرحية جريئة وأوّل من قدّم النمساوي مازوخ إلى الجمهور العربي.

لقد عبّر مازوخ بدقّة وجُرأة عن سعادته الخاصّة، وسط عالم يُنمِّط الأشياء ويقولبها - وأوّلها الحُب والعلاقات العاطفيّة - بسُرعة البرق، ويرتاح إلى وضعها في نمط معروف وفي إطار سهل يُمكن السيطرة عليه، واتبع عشقه مثل شمشون، الذي بقيت عيناه قبل خرقهما، معلّقتان بدليلة الجميلة التي ساقته لهذا المصير، فيما كان مازوخ مستاءً من ارتباط اسمه بعلّة نفسيّة في زمنه، يتم الآن إعادة الإعتبار لعوالم الفرد الخاصّة ورغباته الأكثر حميميّة، ولو كانت أن تتسلّط عليه امرأة جميلة وتُلهب ظهره بالسياط!

https://www.youtube.com/embed/OMY4PqehXMY
دلالات