الرقمنة... ركيزة اقتصاد القرن الواحد والعشرين
الرقمنة... ركيزة اقتصاد القرن الواحد والعشرين
المعرفة والرقمنة من الموارد الأساسية في الاقتصاد اليوم (Getty)
يعرف العالم تحولات اقتصادية كبيرة، فالعولمة والثورة التكنولوجية أحدثتا انفتاحا واسعا للأسواق، وسرعة في الأداء الاقتصادي، والتشابك بين الفاعلين الاقتصاديين ورقمنة الحياة العامة. الأمر الذي ساهم في نشأة الاقتصاد الرقمي باعتباره فضاءً متكاملاً ومتسقاً بين الاقتصاد المنظم المبني على الموارد الطبيعية، والبشرية والمالية من جهة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تتأسس على المعرفة والمعلومة من جهة أخرى.

وعلى هذا النحو، صارت المعرفة والرقمنة من الموارد الأساسية في العملية الاقتصادية، حيث تساهم في إعادة تنظيم البنى الاقتصادية بحيث تتيح زيادات هائلة في ‏الإنتاجية، وتخلق قنوات أكثر للتوزيع، وتشجع على إنتاج ‏السلع والخدمات، كما تساهم في افتتاح أسواق ضخمة جديدة كما هو الشأن في مجالات تداول المال والأعمال والأسواق الإلكترونية.


ويعتمد الاقتصاد الرقمي على محددات قوية، كالمعرفة، والشفافية، وسهولة الحصول على المعلومة، وتحسين التنافسية وتقليص الوقت، وذلك لدعم الابتكار الاقتصادي باعتباره عملية تدريجية وتراكمية تعتمد على الدراسة بالتعلّم وتُبنى على ‏علاقات شبكية، وعلى التفاعل المستمر بين المنشآت التكنولوجية وجامعات التعليم العالي، ومعاهد ‏البحوث والدراسات، والمصارف التمويلية وشركات الاستثمار ومؤسسات الرقابة الحكومية.

وكانت العديد من التقارير قد أشادت بالطفرة النوعية للاقتصاد الرقمي ودوره الهام في الارتقاء بالاقتصاد العام، فبحسب تقرير البنك الدولي لسنة 2016، حول اقتصاد المعرفة وتكنولوجيا المعلومات، فإن الاقتصاد الرقمي يبلغ في الناتج الخام العالمي ما يقارب 10% وبنسبة 25% في النمو العالمي، كما يحقق رقم معاملات يقارب 4.5 تريليونات دولار في مجموعة العشرين الاقتصادية، ويخلق أيضاً 65% من مناصب الشغل بالقطاع الصناعي.

بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى وجود تباين بين دول العالم بخصوص تطور الأنشطة الرقمية، فالدول الصناعية الكبرى تهيمن على ما يقارب 80% من الاقتصاد الرقمي، وذلك بفضل استحواذها على رأسمال بشري كفء يتم جلبه من جميع أنحاء المعمورة، ويقظة استراتيجية فاعلة ترصد المعلومات وتواكبها وتحولها إلى معارف، ناهيك عن بنية تحتية إلكترونية مجهزة.

وقد سعت بعض الدول العربية لإرساء اقتصاد رقمي قادر على الدفع بتكنولوجيا المعلومات في الدول العربية وجعلها مساهمة في الاقتصاد الوطني من خلال جعل المعرفة كمصادر للإنتاج، فبعض الدول، كالسعودية، وقطر، والإمارات، والمغرب ومصر عملت على استراتيجيات وطنية تهدف إلى دعم هذه الدول كمراكز إقليمية للتكنولوجيا من خلال تعميم الاستفادة من خدمات الانترنت وتعزيز تبادل المعلومات، ثم إقامة برنامج الحكومة الإلكترونية التي تسهل الإجراءات الإدارية على المواطنين والمنشآت الاقتصادية.

إضافة إلى تطوير صناعة تكنولوجيا المعلومات، ما يستدعي امتلاك نظام ابتكاري مترابط الأوصال بين جميع الفاعلين، من جامعات ومراكز أبحاث، وشركات تكنولوجية، ومصارف تمويلية تشارك في أنشطة إنتاجية معرفية على هيئة علاقات تعاونية أو منافسة تعاونية، ترمي بذلك إلى توطين التكتلات الجهوية والمناطق الصناعية والأقطاب التكنولوجية.

وعلى الرغم من تحقيق هذه الدول العربية لتقدم ملحوظ في ما يخص مؤشرات الخدمات الإلكترونية، ومستوى الولوج للإنترنت والتطور الكبير في قطاع الاتصالات الذي يشكل قطاعا استثماريا مؤثرا في العالم العربي فهو القطاع الرابع إسهاما في الناتج الداخلي العربي وثاني القطاعات الأكثر جلبا للاستثمار خاصة في ما يتعلق بمراكز النداء والخدمات التكنولوجية.

فالمغرب، ومصر والإمارات من أكثر الدول في العالم جلبا لاستثمارات مراكز النداء، كما أن إسهام الإنترنت في الناتج الداخلي الخام في بعض الدول العربية متقدم، كما هو الحال في السعودية بنسبة 5%، وفي قطر بنسبة 3%، بينما تعاني التجارة الإلكترونية من تقهقر مستمر في الدول العربية، حيث لا يتجاوز معدل التجارة الإلكترونية في العالم العربي 2%، بينما تصل إلى نسب أكبر في بعض الاقتصادات الصاعدة، كتركيا بنسبة 13%، وماليزيا بنسبة 7%، و5% بالبرازيل.

وختاما، تبقى الإكراهات القانونية أهم العوائق أمام الاقتصاد الرقمي العربي، علاوة على ارتهان الثقة بين مستعملي التجارة الإلكترونية، وقلة الموارد البشرية المؤهلة للعمل في الرقميات وضعف البنى التحتية الإلكترونية، الأمر الذي يستوجب الاستثمار أكثر في الاقتصاد الرقمي وتنمية البحث العلمي في هذا المجال.