كأس العالم بعد 28 عامًا.. ما زال الغناء ممكنًا

"مسنا الحلم مرة، وستبقى تلاحقنا ذكرى الخطيئة الجميلة، لحظة حرية، خفة، لا تكاد تحتمل، لفرط جمالها، تبقى مؤرقة كالضمير، وملهمة ككل لحظة مفعمة بالحياة والفاعلية ..مؤلمة".. أروى صالح، عاش المصريون لحظات معدودة على مدار تاريخهم الكروي، ينتظرون حلم كأس العالم، مسهم ذات مرة، ثم تركهم رغم جهودهم بألا يفارق، ورغم مرارة الذكرى، إلا أنهم لا يزالوا ينتظرون.


المشهد الأول
تاريخ الليلة، تحمله نتيجة العام التي شارفت أوراقها على الانتهاء، 17 نوفمبر 1989، خارج المنزل أعد شقيقها الأكبر وأصدقاؤه العدة لرؤية الماتش المرتقب في الشارع، أحضروا تلفزيونًا ملونًا، كان هو الأكبر حجمًا بين تلفزيونات الجيران، 16 بوصة، ووضعوا حبلًا من اللمبات الرمضانية لينير الشارع بعد ظلام المغرب، واستعانوا بكراسي من المحال والمنازل والمقاهي، التي لم تكن تملك حينها أكثر من كوب الشاي وكرسي، وطاولة، علم مصر؛ رفعته زينب، فوق البلكونة الخشبية، ثم اختارت موقعًا قريبًا من التلفزيون الملون في الشارع، والذي سيمنحها صورة أفضل رغم بعده، عن تلك التي ستشاهدها على تلفاز أسرتها ذي اللونين الأبيض والأسود، لكن مع اقتراب ساعة الصفر، خرجت الجارة من المنزل المجاور، وهي تحمل صينية شاي ومعها ابنتها تحمل صينية كيكة، قد خُبزت للتو، استقرت الجارة في مقعد أمام تلفاز الشارع، وسارعت بالنداء لباقي النسوة بالحضور"ده ماتش لمصر يا ستات يعنى لو فازت مين م الرجالة هيعرف يزغرد؟".

كان السؤال مفاجئاً، فألجم الجميع، وخرجت السيدات إلى الشارع لتشاهد ماتش مصر والجزائر، نزلت زينب من البلكونة للشارع وهي لا تعلم أنها لن تعاود النزول مرة أخرى لمشاهدة تأهل مصر لكأس العالم من جديد سوى بعد 28 عامًا.


المشهد الثاني
المكان:  مقهى شهير في وسط البلد، الساعة السادسة، القاهرة تكاد أن تكون خاوية على عروشها، أُغلقت المحال، وفتحت النوافذ، لا صوت يعلو على صوت الماتش القادم بعد ساعة، ليحدد مصير شعب؛ حُرم من التأهل لنهائيات كأس العالم لـ 28 عامًا، لا تزال الأغاني ممكنة رغم صعوبة كل الأماني، فلا شيء في مصر مضمون نجاحه، فقد احتفل الشعب بثورة ثم سُرقت، ثم احتفل بانتخابات، فأضحت عُرسًا ديمقراطيًا، ثم عرف طريقه إلى تحيا مصر، لكنها لم تحيَ، رغم قناة السويس الجديدة، وجهاز الكفتة، والحفل الساهر للفندق الماسي، لكن شيئًا واحدًا ينتظره الملايين لعودة الفرحة من جديد، نزلت زينب بأطفالها لمقهى وسط البلد، وهي تتذكر الجارة القديمة، لم تستطع أن تفوت عليهم الفرصة التي ربما لن تتكرر لربع قرن جديد، قبل الذهاب خَبزت صينية الكيك، وأعدت ترمس الشاى الساخن، ها هي قد استعادت روح الماضي، فهل يعود؟

على المقهى تراص الشباب، يفسحون المجال لمجاورة الفتيات لهم لمشاهدة الماتش، لم يعد وجود الفتيات على المقهى يثير الاستغراب، ولم تعد زينب تحتاج لجارتها كي توسع لفتيات الحي مكانًا لمشاهدة التلفزيون الملون، فالشاشة الضخمة في الميدان تتسع لأعين الجميع، لا تعرف زينب أسماء اللاعبين جيدًا، فقط تعرف المدرب كوبر، والنجم محمد صلاح، أما البقية فهي لا تستطيع أن تقارنهم بمن احتلوا ذاكرتها لسنوات، جمال عبد الحميد، وهاني رمزي، ومجدي عبد الغني، وإسماعيل يومسق، كان جيلًا ذهبًيا، صنع نصرًا فريدًا، وها هو الهدف الأول لصلاح يعيها أملًا في نصر آخر "الله حي الثاني جاي".


المشهد الثالث
هدف التعادل، يستفزها صوت المعلق المصري، تفتقد حماسة أصوات الزمن الجميل، لم تكن تعرف أن محمود بكر قد فارق الحياة منذ عام وأكثر، وأن عدالة السماء، لم تكن رحيمة بها عندما منحتها ذلك الصوت الذي تسمعه الآن، من الاستديو التحليلي، المرافق للمباراة، دقائق ثقيلة، تكتم الأنفاس، يكاد الوقت أن يهزم الجميع، تعلقت العيون بعداد الدقائق، يحسبون كم تبقى، وكم مر، 70 دقيقة، 80، 82، 85، ضربة جزاء، الأمل يتجدد، تحتضن زينب طفليها وتدعو"يارب فرحنا"، ثم تغمض عينيها، وتعلق أذنها بأنفاس الجمهور... هدف الفوز، محمد صلاح من جديد، يحقق الأمل، ويحجز لمصر موقعها في مونديال العالم 2018 في روسيا، ويحجز لزينب موقعا في التاريخ، بعد أن شاهدت مباراة التأهل مرتين في عمرها، واحدة وهي صامتة وسط فتيان الحي، وأخرى وهى تصرخ وتنفعل وتبكي وتضحك وترقص فرحًا على مقهى وسط البلد.


المشهد الرابع
زحفت الجموع للميادين، خرجوا أخيرًا للاحتفال، هذه هي المرة الثانية التي يخرج فيها هذا الحشد الغفير للاحتفال، كانت الأولى بعد تخطى عقبة مبارك، وتنحيه إبان 18 يومًا للثورة، وهذه هي الثانية، خرجت الجماهير لتحتفل بتخطي عقبة الكونغو، وتأهل مصر لكأس العالم إبان 28 عامًا عجافًا، من وسط البلد لميدان طلعت حرب، ثم إلى التحرير، الميدان الذي شهد الثورة البكر، ثم أغلقته الدواعى الأمنية، ها هو يعود للامتلاء بشبابه من جديد، يحتفلون بالنصر، أهو النصر على الكونغو، أم النصر على الدواعي الأمنية، لا أحد يعرف، لكن الهتافات التي انطلقت من البعض على استحياء يخشى من إفساد اللحظة، أكدت أن الأمل لا يموت "يسقط يسقط حكم العسكر"، الشعار الذي أعادته مباراة كرة قدم لميدان التحرير، جعل زينب تسارع بالخروج منه، فهي لا تعلم تكلفة الاستمرار في الميدان، حتى وإن هتفت لأول مرة "تحيا مصر".