بلجيكا: لا تسافر وحدك
بلجيكا: لا تسافر وحدك
(الصورة: التقطها الكاتب في رحلته)

إن كان هناك بلد يجعلك تندم على زيارته بعد 10 دقائق؛ فهو غالبًا بلجيكا.

كان ندمي مضاعفًا؛ فالصفعة الأولى التي تلقيتها، كانت أن هذا البلد يشبه بلادي في طبيعته الجبلية الخضراء وتنوّع تضاريسه لولا أنه غربي الوجه واليد واللسان .. لكن الفارق بين بلدي وهذا كبير للغاية.

الصفعة الثانية أنّ أوّل عشر دقائق في بروكسل، جعلتني نادمًا "ندامة الكسعي" كما يقول الأدب العربي على عدم اصطحاب عائلتي، فهذه المدينة هي مدينة العائلة بامتياز ومن المحزن أن تتجوّل فيها منفردًا.

تصل بروكسل فتقابلك النظافة والبهاء، يضاف إليهما طراز معماري أوروبي لم تخالطه الحداثة إلا في بعض شوارعه، فتخالها مدينة هاربة من القرنين الماضيين.. البيوت والفنادق مصمّمة كلّها على الطراز الأوروبي القديم، طراز القرن التاسع عشر، والشوارع البينية مرصوفة بالبلاط البيزنطي العتيق.. المطاعم في كل مكان والساحات العمومية مفتوحة للجميع، أما المساحات الخضراء فلا شيء أكثر منها.

تتجمّع العائلات فيها خصوصًا في مواسم العطلات، والشبّان يمارسون هواية الركض دون توقف.. لن تتكبد عناءً في زيارة المناطق السياحية البروكسلية الـ 21، يكفي أن تسكن قرب منطقة المحطّة المركزية ومن هناك تأخذ أي باص سياحي، ليجول بك طوال ساعة وربع حول أبرز المعالم، وإن خطر ببالك أن تنزل من الباص لتفرد معلمًا معينًا بزيارة مطوّلة فلا تخف من تضييع الباص، فالباصات كثيرة والرّحلات مستمرّة على مدار اليوم والبطاقة التي تقتنيها بما يقارب 23 يورو، تكفل لك الصعود للغالبية الساحقة من الباصات دون دفع أي يورو.

أي المناطق جديرة بالزيارة؟ يتوقّف ذلك على رغبتك الشخصية فهناك مناطق التاريخ ومناطق الطبيعة ومناطق العمران ومناطق السياحة السياسية أيضًا. شخصيا لم أتمكّن سوى من زيارة بضع مناطق لضيق وقتي، لكن إن شئت النصيحة فإن أوّل معلم يجب أن تزوره هو بلا شك "ميني يوروب" أو أوروبا المصغرة؛ وهو مجمّع من جزأين رئيسين؛ معلم معدني تجسّده أكثر من سبع كرات معدنية ضخمة، يصل حجم كل منها إلى حجم فيلا صغيرة الحجم، تم بناؤه في الخمسينات وكل كرة معدنية تم تخصيصها لذكرى أحد علماء هذا البلد، فقد تجد كرة مخصّصة لمخترع آلة التصوير مثلًا، وتأخذك جولة داخلها لتكتشف أنها مليئة بصوره وتذكاراته. كرة أخرى لصناعة الفضاء.. وهكذا مع الكرات المتبقيّة، أمّا أجملهن فهي الكرة العليا.. ترتفع لحوالي 80 مترًا في اعتقادي، وتمنحك إطلالة بانورامية على كامل العاصمة البلجيكية.

وإلى جانب هذا المعلم تقع تحفة حلوة هي أوروبا المصغّرة؛ عبارة عن مجمع سياحي يمتد على حوالي الهكتارين، تم تخصيصه لتعريف السائح بكامل دول أوروبا، ففي مساحة كل دولة تجد مجسمات مصغّرة لأبرز معالمها الطبيعية أو العمرانية كساعة بيغ بن في ما يتعلّق بإنكلترا، وقوس النصر لفرنسا والكرملين لروسيا وهكذا، وفي كل جناح تزوره تستمع للنشيد الوطني لتلك الدولة مع وجود إمكانية لممارسة الأطفال الألعاب في بعض الأجنحة.

في الجناح الهولندي، هناك الكثير من القوارب التي تتحرّك بالكهرباء المتولّدة من دراجات صغيرة، يمتطيها الأطفال ويتسابقون من يمنح سفينته طاقة أكبر لتصل أسرع من شقيقاتها، يمنحك التجوال في هذا المعلم الجميل كثيرًا من السعادة خصوصًا إن كنت مع أطفالك ممن يمكنهم الاستفادة من تعّلم التاريخ بطريقة شيّقة، كما يمكنك التعرّف إلى عادات كل شعب أوروبي هنا عبر سلسلة المطاعم الموجودة في المعلم، فلكل بلد مطعمه الخاص.

كما يمكنك الاستمتاع بعرض سينمائي لأحدث الأفلام العالمية في القاعة الملحقة بالقرية، ناهيك عن مساحات الألعاب والمساحات الخضراء التي تحيط بالمجمع والتي يمكنك التجوّل فيها راجلًا أو باستئجار دراجة رياضية، يمكنك شراء بطاقة استعمالها من أي شارع عمومي في بروكسل، قيمتها 7 يورو لاشتراك يدوم ثلاثة أيام أو حوالي 20 يورو لاشتراك يدوم أسبوعًا.

حينما تنتهي رحتلك في برج الكرات المعدنية، والقرية الأوروبية الصغيرة، والمناطق الخضراء المحيطة بهما، ستكون عزيزي المسافر قد أنهيت على الأقل نصف يوم من التجوال، وأنصحك بتخصيص ما بقي منه للراحة والتجوّل الليلي في وسط البلد أو ما يعرف بالمحطة المركزية، فهناك كثير من الكنائس والقصور والمكتبات والمطاعم العربية، خصوصًا المغربية التي تريحك تمامًا في ما يتعلّق بنوعية الطعام الذي تتناوله.

هكذا فعلت، وهكذا انتهى اليوم الأوّل في بلجيكا في مطعم مغربي، ثم مقهى مغربي شاهدت فيه لقاء رياضيًا صفق الحاضرون واحتفلوا في أجواء ذكرتني بمقاهي بلادي في بساطتها وحميميتها، وفي نوعية القهوة التي شربتها مصنوعة على طريقتنا القديمة.

حينما تضع جنبك على سريرك في يومك الأوّل في بلجيكا، ستتساءل عن سرّ معمارها الجميل، سيجيبك التاريخ أنها بلد خضع سريعًا لهتلر ولم تدمرها طائراته كما فعل في باريس مثلًا، وبقيت مبانيها القديمة على طرازها التراثي ولم يحصل لها ما حصل في روتردام التي دمرها هتلر، وتمّت إعادة بناء المدينة برمتها، فكان البناء متأثرًا بعصر الحداثة الهندسية الجديد... لقد كان استسلام بروكسل سببًا في بقاء عمرانها.


(الجزائر)