فيلم "All Eyez on Me ".. وصفة سريعة التحضير

يصف المخرج الأميركي كوينتن تارانتينو أفلام السير الذاتية بـ "الأعذار الكبيرة التي تتيح للممثلين الفوز بجوائز الأوسكار"، قاطعًا العلاقة بها كنوع. تبدو الجملة، من حيث الفحوى مقارنةً بعدد الكلمات، عاجزةً عن فعل مفعولها أو إثبات صحّتها لكنها، وفي الوقت ذاته، تصلح على الأقلّ كنقطة انطلاق عبر سؤالٍ متناهٍ بدوره في الصغر عند متابعة أفلامٍ من هذا النوع: هل نحن أمام فيلمٍ كسول؟ وبينما تتراوح الإجابة من فيلمٍ إلى آخر، فإن الإجابة في حالة "All Eyez On Me" ستكون نعم، وبكامل الثقة.

فمنذ الإعلان عن التحضير للفيلم عام 2011، ومع كل المشاكل التي أخرت إنتاجه، كان الجمهور المخلص للفنان الأميركي توباك شاكور في حالة ترقب بانتظار الفيلم الذي سيسلّط الضوء على حياته. وكما هي العادة، تراوحت التوقّعات أو الآمال، بين الظفر بنظرةٍ عن كثب على عالم الفنان الداخلي، أو ما خفي عن الأعين التي صوبت نحو حياته، أو ترقّب تفاصيل معينة، كاقتراحٍ ما عن هوية مُطلق النار المجهول الذي أنهى حياته عام 1996. لينتهي كل هذا بنسخة مبتورة وسطحية عن حياة "الأسطورة"، حبيسة اللعب الآمن والاتكاء البليد على الحقائق المعروفة، وفيديو كليب طويل مدته 140 دقيقة تقريبًا.


سؤال المليون دولار
ما الذي يجب أن نتوقّعه من فيلمٍ كهذا؟ بدايةً علينا أن ننظر إلى الموضوع؛ توباك شاكور. لا شكّ أن القلائل من أمثال مغنّي الراب الأميركي حظوا بشهرةٍ واسعةٍ كالتي نالها. إلى يومنا هذا ما زال جمهوره المخلص في ازدياد، وما زال هذا الجمهور -بفضل التكنولوجا المباركة- يستطيع الاطلاع على شتّى المصادر المتوفّرة عن حياة توباك، ابتداءً بصفحته على ويكيبيديا وانتهاءً بأطنان من المواد الصحافية والكتب والأفلام الوثائقية، بل إن معرفته عبر موسيقاه التي اختار تقديم قصّته عبرها تبدو طريقةً شيّقة هي الأخرى. إذن، وأمام هذه الذخيرة، يجب أن نتوقع ما يبتعد عنه؛ شيئًا أشبه بتسليط الضوء على المراحل الأقل إنارةً، أو لنقل توباك من الداخل. لكن ما الذي جرى فعلًا؟

يبدأ الفيلم عام 1995، في السجن، حيث يجري توباك–المسجون بسبب قضية إساءة جنسية- مقابلة صحافية، يُسأل فيها عن حياته. علاوةً على هذا الحلّ السهل، والذي يضع أمامنا محورين للزمن، أحدهما في الماضي يستذكره توباك، وآخر في الحاضر، بعد انتهاء المقابلة وخروجه من السجن، فإن أسلوب الأسئلة الصحافية لا شكّ سيغفل مراحل على حساب أخرى ويهتم بنقاطٍ دون غيرها، ولا يثبت الجزء الأوّل من الفيلم أي شيءٍ سوى هذا.


أسئلة أقل ثمنًا
يبدأ توباك (أدى دوره ديميتريوس شيب جونيور) الإجابة عن السؤال الأوّل، ذاك المتعلق بالطفولة والماضي. وباعتبار أنه في حالة تذكّر فإن الافتراض يُبنى على أساس معايشة التجربة ومن ثم تذكرها. لكن سرعان ما ينسف افتراضنا البريء، لأن أولى ذكريات توباك كانت أثناء حمل أمّه به. فلننس الخطأ البسيط هذا ونكمل نحو ما يهم. تتعلّق الذكرى الأولى بتبرئة أمه، أفيني شاكور (أدت دورها داناي غوريرا) من تهمٍ موجّهة لها، على خلفية عملها مع منظمة "الفهود السود" هي وصديقها. لوهلة، يبدو أن الفيلم وضع لنفسه خطًا سياسيًا. سنراقب، أو نحاول مراقبة، توباك الصغير في مواجهة العدالة المشوّهة وسنبدأ توقع انعكاس ذلك على ما يليه.

والحقيقة أن لا شيء من ذلك يحدث، على الأقلّ أمام عدسة الكاميرا (وهو ما يجب أن يهمنا فعلًا) فنجد عوضًا عن ذلك قفزات سريعة، غير متجانسة، بين الواحدة والأخرى سنين طويلة عن تنقل العائلة وابتعاد توباك عن محيطه إلى بالتيمور ومن ثم كاليفورنيا، حيث سيبدأ مسيرته الغنائية.

يبدأ توباك تعاونه مع Digital Underground، ثم يفرض شروطه الإبداعية وينتقل بعدها للتعاون مع Interscope. وحتى هذه اللحظة فإن السطر السابق (شديد الإيجاز) يصلح لوصف ما يحدث دون أن ينقص مما يقدّمه الفيلم. بعد ذلك، فإن الفيلم ينجح في تقديم أولى لحظاته الجيدة نسبيًا. ففي نقاشه مع مديرين في شركة Interscope، يعرض توباك أغنيته "Brenda's got a baby"، ويدور النقاش حول قسوتها التي لن تلائم وظيفة الترفيه في الفن، فيكون الرد من توباك أن الفن ليس مقتصرًا على الترفيه ويمكن أن يصوّر قسوة العالم، أن يُسمِعنا ما لا نودّ سماعه. وبعد أن ينجح في إقناعهما بإدراجها يمرّ وقت طويل قبل أن ينجح الفيلم مجددًا في تسجيل لحظةٍ لصالحه، وسيكمل في الغالب مركزًا على دخول توباك إلى عالم "Death Row" وصولًا إلى إصدار ألبومه "All Eyez on Me" الذي يستمدّ الفيلم اسمه منه، مرورًا بنقطتين مثيرتين للجدل، وختامًا بموته. وهي نقاط سيفرد لها الحديث.


الأغنية كنقطة علام
يعتمد الفيلم في سرد قصّة توباك على بعض أغانيه أو ألبوماته كنقاط علام رئيسة، تأخذ حصّتها الوفيرة من التركيز، ربّما لأن مخرجه بيني بووم، هو في الأساس مخرج فيديوهات للأغاني. وبالإضافة إلى عجز تأريخ كهذا عن توفير الجديد أو الغامض تحت أي اسم كان (والذي يبدو الأهم لنا) فإنه يخفق أيضًا حتى في مسعاه بتوفير الرواية المعروفة للأحداث، ولا يحتاج جمهور توباك الذي يخبره جيدًا إلا إلى وهلة قصيرة ليرى المرور السريع على ألبوم بأهمية "Strictly 4 My N.I.G.G.A.Z" ويدرك أن الفيلم يتخبّط.

وفقًا لهذا الأسلوب، فإن والدة توباك التي يمضي وقت لا بأس به على غيابها عن الحدث، تظهر فجأة لتدعمه في السجن، لا لشيء سوى إعطاء التبرير لتشغيل أغنية "Dear Momma" مترافقةً مع انتهاء الزيارة وخروجها من السجن، والأمر ذاته نجده في صور كاليفورنيا الجوية أثناء تشغيل"California Love"، ومع مضي الفيلم وتكرار الأسلوب ذاته يصبح الأمر منهكًا للمشاهد.


الحياد القاتل
ولنعد إلى اللحظات الفارقة، تلك التي تثير الجدل، والتي يحقّ لنا أن نتوقع اصطفافًا أو إجابةً من صناع الفيلم نحوها لتحوّل الفيلم من عرضٍ بصري للبديهيات إلى فيلمٍ يستحق المشاهدة.

تبدأ أولى هذه اللحظات بصدام بين الصحافي وتوباك، الذي يتهم الأخير بابتعاده عن القضية التي يدّعي تمثيلها على ضوء نجاح أغنيته "I Get Around" التي تبتعد كلماتها عن الموضوعات الاجتماعية. يبدو الموضوع مهمًا، ويصلح أن يكون نقطة يُبنَى منها موقفٌ ما تجاه أعمال توباك. لكن ما يحدث يمضي بالاتجاه المعاكس؛ توباك ينفي أن يكون إصدارها قد أضرّ بما يغني له عادة والصحافي يقف على الجهة الأخرى. يُقطَع المشهد نحو إعادة تمثيل لفيديو كليب الأغنية الأصلي ونترك نحن محاولين البحث عن أي إجابة، مهما كانت رمزيةً.

يتكرّر الأمر ذاته في القضية الثانية: علاقة توباك بالمرأة. نقف كالعادة أمام المخطط ذاته: توباك يتعرّض للاتهام بالإساءة إلى المرأة وتشييئها في أغانيه، توباك يرّد بأغنية "Keep Your Head Up"، ونحصل على إعادة تمثيل للأغنية في حفلةٍ مباشرة. هل كانت الأغنية وليدة موقفٍ حقيقي في صفّ المرأة؟ هل كانت جزءًا من مخطط أعده خبير في مجال العلاقات العامة؟ ما رأي صنّاع الفيلم؟ لا إجابات على الإطلاق؛ مجرّد تجسيد بصري لما قد تقوله صفحة ويكيبيديا بالحذر والحيادية الظاهريين اللذين يميّزان هذه الصفحات.

وأخيرًا، يبقى أمامنا ملف العداوة بين الساحلين الغربي والشرقي، وعداوة توباك وبيغي سمولز. وبقدر ما يتّسع العالم الحقيقي لإجابات عن العداوة ونظريات عن مقدار دمويته (بسبب اغتيال كل من توباك وبيغي) يضيق ذاك في الفيلم الذي يقدّم بداية الخلاف بين الفنانين أثناء وجود توباك في السجن واشتباهه بـ بيغي كالمسؤول عن حادثة إطلاق نار تعرّض لها، لكنه يعجز عن عرض تطوّر ذاك الخلاف ويضعنا فجأة أمام أغنية "Hit 'Em Up " لنفهم ما نستطيع أن نفهمه.

وتمتد الكارثة إلى آخر لحظات الفيلم، حين يتعرّض توباك لإطلاق نارٍ من قبل "مجهولين" في لاس فيغاس، ولا شكّ أن كل من تابع الفيلم انتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، وبما أننا نتابع قصةً معروفة النهاية فإن ما يجب أن يهمّنا هو كيفية تجسيدها وما يمكن أن تضيفه.

والحقيقة أن مشهد إطلاق النار هذا يستحق بجدارة أن يكون الأكثر تخييبًا للأمل لقربه من المشاهد التمثيلية في بعض الأفلام التسجيلية. فلنتخيل ممثلًا شبيهًا بالشخصية الحقيقية ويدًا تمتد من نافذةٍ سوداء تطلق النار وتنطلق سيارة "السيد يد" مسرعةً. لا يمكن لأحد ممن يتابع وثائقيات الاغتيالات السياسية إلا أن يشعر بأن ما يشاهده هو نسخة طبق الأصل، بلا شجاعة أو طرحٍ جديد وبلا أي جهدٍ في الابتعاد عن الرواية الرسمية المعروفة للجميع.

على العموم، يفشل"All Eyez on Me" من جهة في تقديم أي شيء جديد أو مسلٍ لشريحة من جمهور توباك تعرف كل شيءٍ عنه تقريبًا وقد زاد الإنترنيت من شراسة بحثها، بل سيجد بعضهم الفيلم إهانةً لما يعرفونه هم، بينما يفشل من جهة أخرى في التعريف بـ توباك، بأي توباك كان، لمن لا يعرفه بالأصل. سيظهر ممثل بين الفترة والأخرى للحديث عن الفن ودوره، ويقول لنا إن فنانًا بحجمٍ كهذا هو مستهدف من السياسيين والصحافة والفنانين الآخرين، بل سيقف أمام قاضٍ قائلًا له بأن ينظر إلى ما وراء الوشوم ولون البشرة حين يُصدِر حكمه، لكنها ستكون لحظاتٍ فقط، وسيستحيل عبرها رسم أي تصوّرٍ متماسك عن شخصٍ ما عاش في زمنٍ ما وحدث أن اسمه كان توباك شاكور.

دلالات