الأغذية المعدّلة جينيًا.. البشر في مختبر مفتوح
الأغذية المعدّلة جينيًا.. البشر في مختبر مفتوح
(الصورة: ماكس أوبنهايم)
لا شكّ أن كثيرين منّا سبق أن شاهدوا لدى تصفّح الإنترنت أو في شريط وثائقي صورًا مثيرة لفواكه وخضر بأشكال غير مألوفة من البطيخ ذي الألوان غير المعتادة، إلى البرتقال الممزوج بفاكهة الكيوي، وكذا الطماطم والبطاطا المتماثلة الشكل والمتناسقة. تمثل تلك الفواكه والخضر في الواقع الأغذية المعدّلة جينيًا أو وراثيًا.


ما هي الأغذية المعدّلة جينيًا؟
تمثّل هذه الأغذية نتاجًا لأبحاث علمية في مخابر أميركية بالأساس. وقد برّر المختصّون عملهم في هذا المجال بتجاوز المعوقات الطبيعية لبعض المحاصيل التي تتطلّب مناخًا معينًا أو تربة خاصة، ليصبح ممكنا الحصول على جميع أنواع الأغذية في جميع أنحاء العالم. بالإضافة إلى ذلك، تم التحدّث عن أن هذه المساعي ستسمح بزيادة حجم الإنتاج من خلال تجاوز الخصائص الطبيعية للأغذية، ومن ثم توفير الأكل لمواجهة المجاعة في العالم. ورغم أن أول الإنتاجات يعود إلى فترة الثمانينيات، فإن أوّلى عمليات تسويق تجاري لمنتج معدّل جينيًا بدأت في 1994 بكاليفورنيا بالولايات المتحدة بعد نيل الترخيص، وقد تمثل في طماطم "فلافر سافر".


انتشارها في العالم
تعتبر الولايات المتحدة الأميركية وكندا أكثر الدول في العالم التي ينتشر فيها هذا الصنف من الزراعة، حيث تحتكران 80% من الإنتاج العالمي. بعد ذلك تأتي مجموعة من دول أميركا الجنوبية على غرار الباراغواي والبرازيل والأرجنتين إضافة إلى الهند التي تتقاسم 20% الباقية إلى جانب بلدان توجد فيها هذه الزراعة بنسب ضئيلة جدًا. في المقابل فإن باقي مناطق العالم وإن كانت تستهلك هذا النوع من المحاصيل، بنسب مختلفة، فإن حكوماتها متردّدة في السماح بانتشار هذا الصنف من الزراعة على أراضيها، إضافة إلى عامل افتقادها للتقنيات اللازمة لذلك.


مصدر دائم للجدل
لم تتوقّف هذه الأغذية المعدلة جينيًا منذ بدء تسويقها عن إثارة الجدل بين مؤيّديها ومعارضيها. فقد اعتبر بعض المختصين أن الدراسات المتعقلة بآثارها المحتملة لم تستغرق الوقت اللازم، لأنها تحتاج لسنوات طويلة من التجارب قبل التحقّق من أن تأثيرها لن يكون سلبيًا على الصحة البشرية. بل ذهب مختصون إلى التحذير من أن البشرية قد تستيقظ بعد سنوات على وقع أمراض لا تعرفها ناجمة عن هذا الغذاء. وقد نبّه مختص الأبحاث البيئية الأميركي شالدون كريمسكي إلى مختلف الدراسات التي تشدّد على خطورة هذه الأغذية.

علاوة على ذلك، تم اعتبار أن الأغذية المعدلة جينيًا لن تحلّ مشكل المجاعة في العالم، لأن هذه الأخيرة ليست ناجمة عن قلة الإنتاج، فالمحاصيل وفيرة عبر العالم، ونظريًا تكفي جميع سكان الأرض، ولكن المضاربات التجارية والنزاعات والسياسات الحكومية هي التي تؤدّي إلى هذه الأزمات الغذائية. من جانبهم، يرى دعاة حماية البيئة أن هذا التعديل في المنظومة الطبيعية للأغذية وتفاعلها مع الأرض، سيزيد من إتلاف الأراضي الزراعية وقابليتها للاستغلال في المستقبل. وقد حذّرت كل من منظمة "غرين بيس" والمعهد الفرنسي للأبحاث الزراعية من أن بعض البكتيريا التي تنمو في شجيرات الكروم المعدّلة جينيًا قد صارت مقاومة للمضادات الحيوية بعد إجراء تجارب مخبرية عليها.

فيما يخصّ الجانب القانوني، فإن الأمور تتراوح بين دول تسمح بهذه المنتجات بشكل تام وأهمها الصين والولايات المتحدة الأميركية، ودول تحّددها بنسب معينة وتفرض رسومًا باهظة عليها لا سيما في الاتحاد الأوروبي، إلى غاية دول تمنع زراعتها أو استيرادها تمامًا على غرار صربيا والبنين وزامبيا.

بطبيعة الحال لم تمنع هذه التحذيرات والانتقادات من تطوّر حصة هذه الزراعة في الإنتاج الزراعي العالمي أمام إصرار الشركات متعدّدة الجنسيات على مواصلة الاستثمار في هذا المجال. أكثر من ذلك، أعلنت هيئة الخدمة الدولية لاقتناء تطبيقات الزراعات البيوتقنية مؤخرًا أن المشاريع المستقبلية الجاري العمل عليها تتجاوز جانب زيادة وفرة المحاصيل نحو تلبية أذواق المستهلكين. إلى غاية ذلك الحين، نبقى في انتظار ما ستفاجئنا به مخابر البحث في المستقبل من أغذية هجينة.