لهذا نُحب نصف الدنيا
لهذا نُحب نصف الدنيا
(عمل لـ ديانا أونغ)

قصّة حقيقية وقعت أحداثها في ألمانيا القديمة عام 1141، وتحديدًا في مقاطعة وينزبيرغ، حيث كانت المقاطعة مكوّنة من قصر ضخم يضم أثرياء المنطقة وحوله بعض البيوت البسيطة للمزارعين وحقول. المقاطعة أساسًا كانت ذات مساحة صغيرة ومحاطة بسور وعدد سكانها سواءً أثرياء أو بسطاء قليل جدًا، وكان أهلها يعيشون في سلام وهدوء ورغد بمعايير تلك الفترة الزمنية. ذهب، فضة، مجوهرات، ونقود. لا ينقصهم أي شيء. جاءت الأخبار باقتراب هجوم وشيك على المقاطعة من جيش الملك كونراد الثالث الذي تعوّد أن يهجم على المدن ويسرقها ويقتل كل رجالها؛ لكن ولأن أهل المقاطعة بطبيعتهم أناس مسالمون، لم يكن هناك أي استعدادات تُذكر من جانبهم لمواجهة الجيش غير أنهم قاموا بجمع أنفسهم - ( رجال، أطفال، عجائز، وسيدات ) - واحتموا بالقصر.

وصل جيش العدو ودخل المدينة دون أي مقاومة وحاصر القصر وأوفد الملك كونراد بمندوب إليهم في الداخل يطلب من السيّدات والعجائز والأطفال الخروج بأمان لأن قتلهم ليس من عقيدته العسكرية، وفي الوقت نفسه طلب من الرجال أن يستعدوا ليقتلهم بشرف.

السيّدات وافقن لكن طلبن من مندوب الملك طلبا آخر برغبة كل امرأة منهن في الخروج من القصر بما تستطيع يداها حمله من مجواهراتها. تلقّى كونراد، الطلب بسخرية وبعد حسبة بسيطة منه وجد أنه مهما حملت كل امرأة ما شاءت من مجوهرات فالأمر سيظلّ محدودًا، لأن القصر ممتلئ عن آخره بثروات لا حصر لها. وافق، وأعطاهن الأمان.

في اليوم التالي عندما فُتحت أبواب القصر وبدأت النساء في الخروج ؛ الملك وكل جنوده صُعقوا عندما وجدوا أن كل امرأة تسير وهي تحمل أو تحيط بذراعيها زوجها فقط لا غير!. .نساء مقاطعة وينزبيرغ عرفن أن الكنز الحقيقي داخل القصر هو أزواجهن وليس الذهب.

شتاء ديسمبر/كانون الأول عام 1990. عندما انتهت الزوجة الشابة ديلا من الدًش اليومي الساعة 6 مساء عادت بذاكرتها لعام مضى وتذكّرت حالها مع زوجها جيم، كانا في الثانية والعشرين من العمر، ورغم ظروفهما المعيشية الصعبة صمّما على الزواج في تحدِ صارخ لكل من حولهما ودون الانتظار لتكوين نفسيهما. عاشا في بيت ضيّق وصغير. ضيّق لدرجة أنهما إن أرادا أن يشتريا شيئًا جديدًا كان لا بد أن يضحيا بآخر لتوفير مساحة له.

أطلقت ديلا تنهيدة ونظرت نظرة باهتة من نافذة غرفتها المطلّة على الشارع وتأمّلت حركة الناس السريعة المتداخلة. انتبهت لحظة وتذكّرت أن غدًا يوم العيد.. امتدت يدها سريعًا إلى جيوبها لتحصي ما بها فوجدت 1.87 دولار فقط لا غير!. لا يمكن أن تفّوت تلك المناسبة دون إحضار هديّة لزوجها؛ لكن كيف في ظل تلك الظروف الصعبة؟ كل ما كانا يملكانه من الدنيا هي وروجها الساعة الذهبية التي ورثها هو عن والده، وشعرها البني الذي ورثته هي عن أمّها !. الحقيقة أن شعر ديلا كان طويلًا زيادة عن اللزوم ويصل لنصف ظهرها، ناعم، وملمسه حريري بدون أي زيوت أو مستحضرات.

ديلا واصلت التفكير وهي تمشط شعرها أمام المرآة وفجأة لمعت عيناها وجاءت في رأسها فكرة مجنونة! على عجل ارتدت البالطو فوق ملابس البيت العادية وجمعت شعرها ووضعت فوقه قبعة ووضعت شبشبا بسيطا في قدمها ونزلت تجري على السلم ومازالت لمعة عينها موجودة. وصلت لآخر الشارع ووقفت أمام محلّ من المحلّات مكتوب بالنور على اللوحة فوق بابه : ( مدام سوفروني لبيع جميع مستلزمات الشعر). دخلت المحل وقابلت السيدة العجوز الواقفة فيه .. ديلا سألت : "مساء الخير، هل يمكنك شراء شعري؟" .. السيدة أشارت إلى القبعة فوق رأس ديلا وطلبت منها أن تنزعها لترى: "أرفعي قبعتك ودعيني أرى كيف يبدو".

نزعت ديلا القبعة وانسدل شعرها.. السيدة لمسته بيد خبيرة وهزت رأسها وقالت: "سأدفع عشرين دولارًا ". ديلا قالت: "إعطينى إياها بسرعة". على مدى ساعتين تقريبًا قصت لها شعرها وبعدها أعطتها النقود.. ديلا خرجت بسرعة للشارع مرّة أخرى باحثة عن أقرب محلّ للهدايا. بعد بحث أستمر ساعة تقريبًا استقرت أخيرًا على سلسلة فضية تصلح للتركيب على ساعته الذهبية بدلًا من القديمة التي صدئت. سألت عن السعر ووجدته 21 دولارًا. تمت الصفقة وعادت إلى المنزل، وحانت منها التفاتة على شكلها في المرآة ورأت رأسها والنُقر القطنية التي تزينه؛ وقتها أحست بحجم الكارثة التى فعلتها في نفسها وقالت: "إذا لم يقتلني جيم بعد أن يلقي نظرة على شعري بالتأكيد سيقول إنني أعمل كمهرجة في ملاهي كوني آيلاند، لكن أوه ما الذي كان يمكنني فعله بدولار واحد وسبعة وثمانين سنتًا"، بعد بعض الندب استعدت لمواجهته وقامت بتحضير طعام العشاء.البطاطس التي يحبها، وشوربة طماطم وقطعتين من اللحم المشوي، وشمعتين.. منضدة الطعام كانت بجوار باب الشقّة مباشرة. جلست تنتظره.

الساعة الآن 10 إلا دقيقة سمعت صوت أقدام تصعد على السلم. زاد توتّرها ودقّات قلبها عدّلت ملابسها للمرّة الخامسة و دعت ربّها قائلة: "يا إلهي إجعلني جميلة في عينيه" .. عشر ثوان فُتح الباب. جيم دخل وأقفل الباب وراءه. توقف لحظة، ونظر لها نظرة لم تستطع أن تفهم معناها. نظرة غريبة؛ ليست غضبًا ولا دهشة ولا فزعًا من شكلها لكن نظرة مختلفة. فجأة حضنها. حضنًا فيه ضمّة أقوى من المعتاد وبعدها رمى جسده على الكرسي في إجهاد وقال لها : "لا تسيئي فهمي يا ديلا فإن شيئًا مثل قصّة الشعر أو نوع الشامبو لن ينتقص أبدًا من حبي لحبيبتي؛ لكن عندما تفتحين هذه الحقيبة فستعرفين لماذا تسمّرت لحظة عندما رأيتك" .. قال الجملة الماضية وناولها كيسًا صغيرًا. أخذته وفتحته في لهفة ووجدت داخله طقم أمشاط مكوّن من 9 أمشاط مصنوعة من العاج كانت قد رأتها قبل ذلك في فاترينة وهي معه وكانت تحلم بشرائها وقتها.. فهمت أن سبب صدمته أنها لن تستطيع استخدام هديته الآن بسبب قصّ شعرها.

أحبّت أن تخفف عنه وضمت هديته لصدرها وقالت له: "لا تقلق يا حبيبيي إن شعري ينمو سريعًا"..تذكرت السلسلة. قامت بلهفة وحماس أحضرتها وأعطتها له. نظر للسلسلة ومسكها في يده وضوء الشموع معكوس عليها وسألها بدهشة "ما هذا ومن أين أتيت به؟".. ردت بفخر: "لقد بحثت في المدينة بأكلمها حتى وجدتها، سوف تنظر إلى ساعتك 100 مرة في اليوم بعد تركيب السلسلة لها"، ضم رأسها لصدره وقبّلها وقال لها : " دعينا نحتفظ بالهديّتين لبعض الوقت إنهما أجمل من أن نستخدمهما في الوقت الحالي، لقد بعت الساعة حتى أشتري الأمشاط".


المصادر:
- الكاتبة " روشيل بينينغتون " في كتابها ( Highlighted in Yellow )

- جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية باب القصص الإنسانية