الفنانون السوريون.. مخاض الانفتاح على تجربة أخرى
الفنانون السوريون.. مخاض الانفتاح على تجربة أخرى
(معرض في مقهى شعبي بدمشق، تصوير: لؤي بشارة)
قراءات
2 سبتمبر 2017

لم يحظ الفن يومًا بأيّ اهتمام داخل صفوف المدارس في سورية، ولم يكن هناك أي مناهج تعليمية متخصّصة صادرة من وزارة التربية والتعليم السورية لتعليم المبادئ الأساسية في تعليم الرسم أو الموسيقى لمختلف الصفوف والمراحل الدراسية، لتبقى حرّية صياغة حصص الفنون ضمن برنامجها للمدارس، بحيث لا يتجاوز عدد تلك الحصص، الحصتين أسبوعيًا، والتعامل معها كحصص للتفريغ عن الطلاب بعد ازدحام المواد العلمية والأدبية في برنامجهم الأسبوعي لا أكثر.

هذه المواد ليس لها أي فائدة تذكر، ولا يتمّ التعامل معها بشكل جدي، وفي أغلب الأحيان يتمّ تضييع الوقت في هذه الحصص والتعامل معها كحصص فراغ، إذ إن أغلب المدارس تقوم بالاستغناء عن تلك الحصص واستبدالها بمواد أساسية لتعويض بعض النقص أو لتقوية الطلاب بالمواد الأساسية.

وبالنسبة للمدرّسين الذين يتم تعيينهم لتسيير تلك الحصص، فإن أغلبهم من خريجي المعاهد المتوسّطة، كخرجي معهد التربية الموسيقية أو خريجات معاهد الفنون النسوية التي هي أقرب للمعاهد الحرفية منها إلى المعاهد الفنية، حيث يتمّ تعليم النساء التطريز والخياطة وصناعة السيراميك، وفي بعض الأحيان يسير هذه الحصص خريّجو كليّات رياض الأطفال الذين يجهلون أدنى مراتب المعرفة بمبادئ الفنون.

ويبقى المنهاج المعطى في تلك الحصص وفقًا لخطة المدرسة الخاصة اعتباطيًا، ففي أحسن الأحوال تتم ممارسة بعض النشطات الشكلية كالغناء الجماعي أو الدبكة أو تنفيذ مجلّات حائطية، ونادرًا ما يتعامل المدرسون مع تلك حصص بجديّة، فقليل من المدارس في سورية تهتم بتعليم تلاميذها المبادئ الأساسية والمهمّة للفنون، فينهي الطلاب مرحلتهم الدراسية وهم بحالة جهل تام للسلّم الموسيقي أو الدائرة اللونية وطريقة مزج الألوان. وذلك يعود إلى القناعة السائدة في سورية ودوائرها التعليمية، والتي ترى أن الفن عبارة عن هواية يمكن ممارستها فقط في أوقات الفراغ، ولا يمكن أن يتّخذها الإنسان مهنة حقيقية.

ساهمت الطريقة التي تعاطت بها وزارة التربية والتعليم الأساسي في سورية مع الفن في ترسيخ نظرة المجتمع، والذي تعامل مع الفن كنوع من أنواع المحرّمات، فمفهوم الفن يرتبط لدى العائلات الشامية القديمة بمفاهيم مرفوضة لدى العامة بشكل قاطع، كالعلمانية والتحرّر والاختلاط. ولذلك بقي تعليم الفن في سورية في مرحلة ما بعد المدرسة، مقتصرًا على فئة محدودة من أبناء الفنانين السوريين والمثقفين المهتمين بتثقيف أولادهم، وكذلك المتمرّدين على المجتمع، وفي الغالب يكون هؤلاء المتمرّدون من أبناء الطبقة الغنية أو الوسطى، القادرين على دفع تكلفة تسجيل أبنائهم ضمن المعاهد والمراكز الخاصّة، والتي تحوّلت مع مرور الزمن للبوابة الأولى لتأهيل السوريين للمعاهد والجامعات الحكومية. ولم تحتضن سورية سوى عدد قليل جدًا من المعاهد الخاصّة، المختصّة بتعليم الموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح، والذي لم يُدرج أبدًا ضمن المناهج الدراسية في المرحلة الأساسية، وينحصر وجود هذه المعاهد على العاصمة دمشق، والمدن الكبرى كحلب والسويداء، لا سيما أن نسبة كبيرة من هذه المعاهد كانت موجودة في المراكز الثقافية الأجنبية، والتي كان لها دور كبير في الترويج للعمل الفني منذ زمن بعيد.

وفي ظلّ هذه المعطيات، يبدو من الغريب حقًا حال الفن في سورية في الوقت الحالي، فنسبة كبيرة من الشباب السوريين اتجهوا نحو الفن. وقد حاول بعضهم أن يربطوا هذه الظاهرة بالثورة السورية، وحالة التمرّد التي خلقت في المجتمع السوري، ولكن خروج الثورة من المساجد المعادية للفن، تجعل هذه التحليلات تبتعد عن الصحّة لحد بعيد، كما أن ركوب المؤيّدين للنظام السوري هذه الموجة، يؤكّد أن اهتمام السوريين الجمعي بمجال الفن ليس مرتبطًا بالميول السياسية.

وإذا ما حاولنا أن نبحث عن أسباب تحوّل كثير من الشباب السوريين إلى فنانين في الآونة الأخيرة، فمن الممكن أن نفسّر هذه الظاهرة بنواح عدة، ومنها: أن الفنّ يمثل حالة ترتبط بالعلمانية وتنافي الفكر الديني، فنسبة كبيرة من الشباب في الداخل لجأوا إلى الفن، ليملكوا وثيقة تثبت أنهم علمانيون، وتنفي عنهم صفة الإرهاب التي ارتبطت بالفكر الديني.

وكذلك من الممكن أن نفسّر الظاهرة في الخارج بالطريقة التي تتعامل بها المجتمعات المضيفة مع اللاجئين السوريين، فأغلب المجتمعات المضيفة تعاملت بدونية مع اللاجئين السوريين، ولكن الطبقة المثقفة من المجتمعات المضيفة كانت تتعامل بطريقة أكثر رقيّاً، ووجد اللاجئون السوريون في المنصّات الفنية وخشبات المسارح مكانًا مثاليًا للالتقاء بالطبقة المثقفة من المجتمعات المضيفة، فدفعت رغبة السوريين للحصول على مكانة اجتماعية أفضل نسبة كبيرة من اللاجئين إلى الخوض في غمار العمل الفني، واستثمار التمويلات الكبيرة والعروض التي تقيمها المنظمات للوقوف على خشبة المسرح، أو للمشاركة في الورشات السينمائية والتصوير الفوتوغرافي.

وعلى الرغم من استياء نسبة كبيرة من السوريين، الفنانين المحترفين منهم والهواة، من حالة تحوّل الفن إلى عمل من لا عمل له، إلا أن انفتاح السوريين على تجربة العمل الفني في الأعوام الأخيرة قد تنجب في السنين المقبلة حالة فنية في سورية، بغض النظر عن المستوى الرديء لأغلب العروض المسرحية والأفلام القصيرة والصور الفوتوغرافية التي أنتجها السوريون في الفترة الماضية.