أطباء من الجحيم... والغاية تبرر الوسيلة
أطباء من الجحيم... والغاية تبرر الوسيلة
تمثال جيمس ماريون سيمس (Getty)
توجد ثلاثة نصب تذكارية في الولايات المتحدة للدكتور جيمس ماريون سيمس (James Marion Sims)، يعتبر هذا الطبيب من القرن التاسع عشر المؤسس الحقيقي لطبّ أمراض النساء. لكن ومع ذلك اعتصم الكثير من الناس في مدينة نيويورك احتجاجاً على هذه التماثيل سعياً لإزالتها. فماذا تخفي وراءها تلك التماثيل؟

تخفي هذه النصب الثلاثة بعيداً عن الأنظار، النساء المستعبدات اللواتي أجرى تجاربه التي لا تعرف الرحمة عليهن، ذلك ما وجدته بعد بحثٍ قليلٍ عن اسمه، ولفتتني هذه المعلومة مما دفعني للتوسّع أكثر في بحر العلم المظلم، وخاب ظني فيما تعلّمته في السنوات التي شكلّت القسم الأعظم من حياتي خلف مقاعد الدراسة. كنا نسمع كثيراً عن تطور الطب، تسارع عجلة العلم والثورات التكنولوجية المتلاحقة، لكن لم يخيّل لي ولو لمرة وجود تلك النماذج من التجارب العلمية الشريرة.

وبالعودة إلى "الطبيب" James Marion Sims، فلا تخفى حقيقة كونه من مُلّاك العبيد في الفترة التي كان يمارس فيها الطب في ألاباما في الولايات المتحدة الأميركية. وتوجد دلائل كثيرة على قيام هذا الطبيب الشرير بتلك التجارب الشنيعة على النساء والرجال المستعبدين وحتى على الرضّع، ولعلّ أهم تلك الأدلة هو كتاب سيرته الذاتية الذي خطّ حروفه بيده، "The Story of My Life".

"لا يوجد وقت في أي يومٍ من الأيام لم أملك فيه حالةً للجراحة" بحسب كتابه السابق، وكان ذلك في "الفترة الذهبية" التي امتدت بين عامي 1844 – 1849. وكان يجري الكثير من العمليات على النساء المستعبدات من أفريقيا، وخاصةً عمليات الناسور المثاني المهبلي (وهو ممر غير طبيعي بين المثانة والمهبل كان شائعاً بشدة عند أولئك النساء بسبب الاستغلال الجنسي لهن).


لم تكن تلك الفترة التي اعتبرها سيمز ذهبية سوى سنوات مظلمة حافلة بالألم الممزق الذي رافق العمليات المتكررة لكل مريضةٍ من مرضاه بدون تخديرٍ أو رعايةٍ طبيةٍ لاحقة.

لنبقى في الولايات المتحدة الأميركية، ولكن سنتحدّث الآن عن واحدةٍ من أعرق الجامعات العالمية، جامعةٌ تعتبر اليوم من أولى الجامعات في مجال الطب والصحة العامة، جامعة Johns Hopkins. وليست التجربة التي شاركت فيها هذه الجامعة سوى مثالٌ آخر على تسبب الحكومات هناك بالضرر للأشخاص في سبيل الحصول على "العلم".

تم حقن حوالي 1500 من الأشخاص في الفترة الممتدة بين 1945 و1956 عمداً بأمراض منتقلة جنسياً مثل السفلس والسيلان البني. تضمنت التجربة أيتاماً، سجناء، بغايا ومجندين في الجيش. وتم استخدام العديد من الطرق لإيصال العدوى إلى هؤلاء الأشخاص عمداً مثل الحقن، البغايا، وطرق أخرى بلا ضمير.

ولا يمكنني الحديث عن موضوع الأمراض الجنسية دون ذكر التجربة التي يندى لها جبين العلم، تجربة The Tuskegee. كان الهدف من هذه التجربة التي أجرتها دائرة الصحة العامة في الولايات المتحدة معرفة ودراسة التطوّر الطبيعي للسفلس إذا تُرك من دون معالجة، حيث منع الدواء عن 399 شخصاً أميركياً من أصول أفريقية في ريف ألاباما. ولم يعرف المرضى أنّهم مصابون بالسفلس، وتوفي 28 شخصاً مباشرةً بسبب هذا المرض، بينما توفي مائة آخرون لاحقاً بسبب الاختلاطات الناتجة عنه.

يبرز دائماً ذلك الاسم الخطير عند الحديث عن الأعمال الشريرة والكوارث البشرية بغض النظر عن نوعها أو طريقتها، النازية. قام النازيون بآلاف التجارب على السجناء المحتجزين في المخيمات دون أي اعتبارٍ لكرامتهم أو حق الإنسان بالحياة. تضمن أحد "أبحاثهم" تحفيز نقص الحرارة لديهم عمداً، حقن الناس بالملاريا، استخدام غاز الخردل السام، الإخصاء الإجباري، إعطاء المساجين السموم المختلفة، وحقن البكتريا ضمن الجروح.

كان الطبيب جوزيف مينجيل النموذج الأهم للطبيب الشرير حيث اشتهر بتجاربه على السجناء، وخاصةً التوائم. طمح هذ الطبيب لدراسة الوراثة وقام بأعمالٍ وحشية لا يمكن تصورها مثل إزالة الأعضاء من أشخاصٍ على قيد الحياة دون أي تخدير، حقن بعضهم بالجراثيم المميتة، تقطيع الأطراف وغيرها من الأشياء التي لا يمكن للعقل البشري تصور وجود أحدٍ يقوم بها غير العصابات الهمجية.

لم يُطلق لقب "ملك الموت" على هذا الطبيب جزافاً، بل استحقّ هذا اللقب أيما استحقاق، فإضافةً إلى ما قام به كان يجمع مُقل العيون الخاصة بالأشخاص الذين قتلهم ليقوم بأبحاثه فيما يتعلّق بفرق الأصبغة اللونية في العيون من شخصٍ لآخر!

هل هو الطمع بالمال والشهرة؟ النرجسية المطلقة لإرضاء الأنا في باطن أولئك الأشرار؟ لا أدري حقاً، لكن ما أدريه أنّني لم أعد أنظر إلى الطب والعلم تلك النظرة المشرقة التي لازمتني منذ نعومة أظفاري. بل يبدو أمر الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان آخر همّ الطب، أو على الأقل آخر هم البحث العلمي الذي أوصلنا لزمانٍ يتسم بالتطور المعرفي والعلمي.

ما عليك معرفته حقّاً هو أنّ ما نحن عليه اليوم من تخصصاتٍ فريدة، واكتشافاتٍ عجيبة لم تكن في معظمها إلا ثمرة بحوثٍ لم تعرف لروح الإنسان وحياته أيةَ قيمة ولم تنظر إليه سوى نظرة فأر التجارب اللهم إن لم تنظر إليه كأداةٍ جامدة أو أنبوب اختبارٍ في أحد المختبرات.

فلماذا نبذل كل هذه الأموال ونزهق كل تلك الأرواح للوصول إلى نتائج بحثية يمكن أن تنقذ الإنسان لاحقاً؟ وإذا كانت الغاية تبرر الوسيلة فهل إنسانُ البارحة أقل أهميةً من إنسان اليوم؟ أو أنّ إنسان الغد أكرم من إنسان اليوم؟