جحا.. اختراع المجتمعات المقهورة


جحا، أشهر شخصية في التراث العربي، حيث استطاع الجمع بين الذكاء اللمّاح والتهكّم، فكان لسان حال الشعب العربي من الحاكم، وذلك من خلال نوادره، التي كانت تجسيدًا حيًا وفعّالًا لما شاهده الناس عبر العصور من ظلم واستبداد، ولكن بشكل ساخر.


حقيقة أم أسطورة؟
شخصية جحا، ظلّت لفترة كبيرة محلّ دراسة وهل هي حقيقية أم خيالية؟ لارتباطها في التاريخ بالمراحل الانتقالية والصراع على السلطة، كما حدث في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي، فضلًا عن انتشار النموذج الجحوي، تحت مسميّات عديدة منها، جحا العربي والتركي والفارسي والمصري.

لكن رغم ذلك، من المؤكّد أن هناك شخصيتين حقيقيتين حملتا اسم جحا، حسبما أورد الدكتور محمد رجب النجار في كتابه "جحا العربي"، الأوّل عربي واسمه أبو الغصن دُجين الفزاري، وكان معروفًا في أوائل القرن الثالث الهجري، أما الآخر فتركي واسمه نصر الدين خوجه الرومي، الذي عاش في القرن السابع الهجري.


المأساة والملهاة
يعود سبب انتشار نوادر جحا في كافة البلدان العربية والإسلامية، إلى أن الوجدان الجمعي (للشعوب)، يبادر فينتخب رمزًا فنيًا ساخرًا-وهو الرمز الجحوي-يعكس من خلاله آراءهم في السلطتين العسكرية والسياسية، حسبما قال الدكتور النجار، في كتابه المذكور.

فأصبحت بذلك شخصية جحا، الناقد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن بأسلوب ساخر، يهوّن على الناس ما يعانون منه، وهذا ما يؤكّده عباس محمود العقاد في كتابه "جحا الضاحك المضحك"، قائلًا عن نوادره: يستحيل أن تصدر عن شخصية واحدة لتباعد البيئات التي تُروى عنها.


جحا في مواجهة الحكام
نوادر جحا مع الملوك والسلاطين وحاشيتهم، دليل على حكمته وذكائه في مخاطبة الحكام، وقدرته في إنقاذ الناس من بطشهم، فضلًا عن أنها عبرت عن علاقة الحكام بالمحكومين.

يقول النجار، في كتابه المذكور، إن أوّل لقاء تم بين جحا وتيمورلنك، بعد أن استولى الأخير على بلاد الأناضول، أحضر علماء البلدة وفضلاءها وسألهم: أعادل أنا أم ظالم؟ فإن أجابوه إنك عادل ذبحهم، وإن قالوا إنك ظالم قتلهم، فضاقوا ذرعًا به، فجاءوا يقصدون جحا لما أشتهر به من الأجوبة السديدة الحاضرة، وقالوا له: لن ينقذنا من شرّ هذا الظالم غيرك.. فذهب إلى قصر تيمورلنك، وأعلموه أنه قد حضر من يقدر أن يجيب على سؤاله، فأحضروه أمامه وأورد عليه ذلك السؤال، فأجابه جحا: أنت لست ملكًا عادلًا، ولا باغيًا ظالمًا، فالظالمون نحن، وأنتم سيف العدل الذي سلطه الواحد القهار على الظالمين، فأعجب تيمور بهذا الجواب، وسر من شجاعة الشيخ واتخذه نديمًا خاصًا له. وهنا نرى كيف استطاع جحا أن يرفع سيف تيمور عن رقاب العباد بإجابة دبلوماسية حكيمة، دون أن يتجاوز في حقه.

وفي حكاية أخرى، اتفقت حاشية أحد السلاطين أن يأخذوا جحا إلـى قـصره، طمعًا في أن يسخروا منه أمام السلطان، بعد أن أحضر كل منهم بيضة معه، فلما حضر السلطان، أخذ كل منهم يصيح كالدجاجة ويخرج من أسفله بيضة، حتى جاء الدور على جحا، فسأله السلطان متعجبًا لماذا لا تبيض مثلهم، فقال: أفلا يكون لجماعة الدجاج ديك واحد.


كلب أم أسد؟
أورد النجار أيضًا، حكمة جحوية عن كيفية معاملة السلاطين؛ قائلًا: إذا قدر الله عليك أن تكون من أصحاب السلطان، فاحرص على ألا ترى ولا تسمع ولا تفهم ولا تحسّ ولا تحكم .. فإذا رأيته راكبًا كلبًا فقل له: ما أجمل هذا الأسد .. وإذا وجدته يرتكب الطيش والهوس فقل: إنه العدل الذي يزن الأمور بالقسطاس.


هكذا يراه
وفي كتابه "جحا الضاحك المضحك"، أورد عباس محمود العقاد، نادرة توضّح مكانة الحاكم المستبد في أعين رعيته، حيث سأل تيمورلنك يومًا جحا: أين ترى يكون مثواي في الآخرة؟ فقال دون تردّد: وأين ترضى أن تكون، إن لم تكن مع جنكيزخان والإسكندر وفرعون والنمرود.

وفي فلك الفكرة نفسها، يذكر العقاد، أن تيمورلنك أخذ جحا معه إلي الحمّام، وسأله: بكم تشتريني إذا عُرضت عليك في السوق، فقال: بخمسين دينارًا، قال تيمور: ويحك! إن ثمن مئزري خمسون دينارًا، فقال: وهذا هو الثمن الذي حسبته.


القاضي السكّير
يُعرف أن عصور الاستبداد تمتاز بأن القوانين فيها تكون في إجازة، بسبب جور السلطان، وعن تلك الفترات هناك الكثير من النوادر الجحوية، التي ترصد فساد القضاء.

يُحكى أنه كان في بلدة جحا قاض سكّير، خرج يومًا إلى المزارع، وسكر فخلع جبته وعمامته وألقاهما جانبًا، وخرج جحا إلي التنزّه فرأى القاضي على هذه الحال فاختطف الجبة ولبسها وذهب، ولما انتبه القاضي .. ووقف جحا بين يديه، سأله من أين أتيت بهذه الجبّة؟ .. فروى له ما حدث.. متابعًا: ويمكنني أن أثبت ذلك بشهود وأريك وأري الناس من هو هذا السكير، فقال القاضي: لا نريد معرفة هذا السفيه، مخافة افتضاح أمره.

هكذا صنع الوعي الجمعي للشعوب، أسطورة جحا عبر العصور، والذي حملت نوادره بعدًا فلسفيًا وإنسانيًا قادرًا على مخاطبة كافة طبقات المجتمع بمختلف مستوياتهم الاجتماعية أو التعليمية، فضلًا عن أنها- نوادر جحا- مازالت من بين ما يبحث عنه الناس في التراث العربي، ويخشاه الحكام، وذلك لصدق نوادره عنهم.