لورنس فيرلنغيتي.. صور من العالم الذي بقي
لورنس فيرلنغيتي.. صور من العالم الذي بقي
(فيرلينغتي <1919>)

ما زال الكثيرون ينظرون إلى الوراء بحنينٍ مشوبٍ بذهولٍ وإعجاب، لم يبهت بعد نصف قرن، في ما يتعلق بصيف الحب (سان فرانسيسكو، حزيران 1967). وليس ذلك بالأمر الغريب بأي حال، فالألوان الزاهية والموسيقى الجيدة ومناخ المخدرات لتوسيع المدارك و"شراء السلم والتفاهم العالمي بثلاثة دولارات للجرعة" كما يصفها هانتر تومبسون، ما زالت جميعها قادرة على دغدغة المخيلة، سواء عند المعجبين أو مصممي الأزياء وغيرهم.

في ذاك الزحام والضجيج، وقف شاعران ممّن مهدوا لكل ما يحدث، سأل أحدهما (آلن غينسبرغ) الثاني (لورنس فيرلينغيتي): "ماذا إذا كنا على خطأ؟" وباعتراف فيرلينغيتي بعد أربعين سنة، عام 2007، فإن الإجابة لم تسعفه.

يمضي الزمن إذن، يمر الموت على كل ذاك البريق ورموزه، تاركًا الذكريات ومبقيًا فيرلينغيتي بالمعنيين الفيزيائي والإبداعي الذي يناهز عمره الـ 98 عامًا في سان فرانسيسكو حيث يسكن ولا يزال يشرف بشكلٍ جزئي على دار نشره "أضواء المدينة City Lights" بحكم تقدمه في السن.


البداية الصاخبة
بعد إكماله الدراسات العليا في جامعة السوربون، عاد فيرلينغيتي إلى سان فرانسيسكو وأنشأ عام 1953 مجلة "أضواء المدينة" تيمنًا بفيلم تشارلي شابلن الذي يحمل نفس الاسم بالتعاون مع صديق. وحاول بعدها دعم المجلة فأنشأ دار النشر التي ستلعب دورًا محوريًا لنشر أشعار حركة "البِيت Beat Generation" وتوفير مكان تجمعٍ لكثيرٍ من الفنانين الطليعيين، ما ربط ظهوره الحقيقي على الساحة بظهور الحركة التي سيحاول في المستقبل عدم التقيّد بها. لكن ماذا عنت كل هذه الخطوات حينها واكتسبت أهميةً بسببها؟

يُخصِص جوناه راسكين في كتابه "الصرخة الأميركية"، "عواء" آلن غينسبرغ ونشوء جيل البِيت" كأول فصلٍ لرسم ملامح الولايات المتحدة الأميركية أواخر الأربعينيات وحتى منتصف الخمسينيات، حين اتضحت الأمور على حقيقتها وزال التفاؤل الذي رافق هزيمة قوات المحور في الحرب العالمية الثانية معلنًا بدء الحرب الباردة. ويصف تلك الفترة بالحصار، سواء بسبب المناخ المحافظ أو لجان التحقيق التي طاولت الكتاب والسينمائيين والفنانين وما تركته هذه العوامل من آثارٍ اقتصاديةٍ حتى، جعلت الفنانين واستقلاليتهم في موضعٍ خطر بشكلٍ عام، والشعراء خصيصًا.

كان ذاك هو السياق التاريخي الذي ظهرت خلاله حركة البِيت عمومًا، ويوم قراءة الشعر في Six Gallery  تحديدًا، حين ألقى غينسبرغ "عواء" لأول مرة. في ذلك اليوم، وعند سماعه "عواء"، أُعجِب بها فيرلينغيتي وعرض نشرها. ورغم أنه كان سابقًا قد نشر مجموعة "صورٍ من عالمٍ زائل" عام 1955 إلا أن نشره لـ"عواء وقصائد أخرى" وما تلاه من محاكمةٍ له ولغينسبرغ بتهمة نشر مواد غير لائقة كان الحدث الطاغي، خصوصًا بعد نجاحهما في رد الدعوى، في ما اعتبر أول الانتصارات على الرقابة المكارثية، وكان المحرك لاحتجاجات حرية التعبير في بيركلي لاحقًا وحركات الثقافة المضادة.

آلن غينسبيرغ (تصوير: بيتر تيرنير) 



عن شعر فيرلينغيتي
لا ينفصل الشعر عند فيرلينغيتي، وما فيه من تجديد، عن نشاطه الاجتماعي والسياسي. فمنذ البداية، أسقط الشاعر الأميركي ما سعى إلى تغييره، من سياسات بلاده العدائية ونظامها الاقتصادي والمخاوف البيئية، على واقع الشعر حينها، الذي رآه سجين المؤسسات الأكاديمية، بل إن عدائيته امتدت للوسيط نفسه، مفضلًا أن يُلقى الشعر علنًا ولا يظل حكرًا على الكتب؛ لأنه عد الشعر وسيلة تغيير بحد ذاتها، ما يجعل الشاعر نبيًا.

وعنى كل ذلك تغييراتٍ على القصيدة عنده، فكانت حرةً وبعيدة عن الالتزام بوزنٍ أو إيقاعٍ ثابتين، أو حتى خصائص كوقفات المقاطع أحيانًا، وتتبعثر فيها الكلمات، حتى أن الهامش يصل منتصف السطر أحيانًا لتغليب الإلقاء، كما تتراوح فيها أطوال الجمل، فتكون أحيانًا قصيرةً بمفرداتٍ بسيطة وحادة، من المعاش اليومي كما في قصيدته "كلب": "الكلب خبّ حرًّا خلال الشارع/ والأشياء التي شاهدها/ أصغر منه/ سمك في ورق الجرائد/ نمل في الحفر/ دجاجات في تشايناتاون/ رؤوسها على بعد مربع سكني".

إن الخصائص هذه تتقاطع مع موسيقى الـ Bebop Jazz، من حيث السرعة وتغير الإيقاع، بل واختفائه أحيانًا، لترك أماكن للارتجال. وليس ذلك على سبيل المصادفة، بل بفعل التأثر المتبادل، ولأن فيرلينغيتي كان يفضّل الشعر ملقىً مع هذه الموسيقى، بوصفها مرافقًا مثاليًا لنشر الكلمة وجعلها في متناول الجميع.

والحقيقة أن الموسيقى ليست الفن الوحيد الذي أثّر وتداخل بشعره، فعلاوةً على كونه فنانًا تشكيليًا ومشاركته في عددٍ من المعارض، يمكن تتبع أثر ذلك في شعره على صعيدي الموضوعات والبناء.

ففي مجموعته "كوني آيلاند"، التي ترجمت إلى تسع لغات وبيع منها أكثر من مليون نسخة، يعتمد فيرلينغيتي على سلسلة فرانشيسكو غويا "كوارث الحرب" في القصيدة الأولى (القصائد مرقمة فقط، لكن يُشار لها بأسماء اصطلاحية)، فهي باعتقاده قادرة على تصوير معاناة الجنس البشري، بما تحويه من عربات المعارك والأسلحة وأجنحة الخفافيش، التي نجح غويا في نقلها بشكلٍ "رمزيٍ وحقيقيٍ دموي" في نفس الوقت، كما يقول فيرلينغيتي. ثم ينطلق منها في القصيدة ليدين الحاضر والممارسات التي تودي بنا إلى الدمار الذاتي، فتستبدل العربات بالسيارات ذات الطلاء الغريب والطرق التي تتسع لخمسين خانة، والمحركات التي تدمر أميركا، وأوهام السعادة التي توجد في هذا المشهد على كارثيته.

والأمر ذاته في القصيدة 14، أو كما تعرف بـ "لا تدع الحصان" والتي يستمدها من لوحة "الفارسة The Equistrienne" لمارك شاغال، وفيها يهتم فيرلينغيتي بالحرية، في عمل الفنان أو في العلاقات الإنسانية، فيتخيل أن شاغال، وقد طلبت منه أمه ألا يدع الحصان يأكل الكمان في اللوحة، قد قفز إليها بعد رسمها وابتعد بالحصان معطيًا الكمان لأول امرأةٍ عارية يقابلها بلا أي التزامٍ بينهما.

وفي الجزء الثالث من المجموعة نفسها، تبرز أولى القصائد علاقة الفن التشكيلي ببناء القصيدة عند فيرلينغيتي. فبينما تتحدث القصيدة عن امرأةٍ تنشر الغسيل، لا يغفل فيرلينغيتي وصف المشهد بأدق تفاصيله، بالملاقط الخشبية، وأسطح المنازل قرب الميناء، وثدييها شبه العاريين وشعرها الذهبي، والقوارب كيف تبدو من بين حبال الغسيل.

على أن الالتزام الاجتماعي ظل يحضر في قصائده، مثل "أنا أنتظر" و"أشفق على أمة"، و"المانيفستو الشعبي: إلى الشعراء مع الحب" التي دعا فيها الشعراء إلى الخروج من خزائنهم وإيصال الشعر من السماء إلى الشارع ومجابهة الحضارة الصناعية بما فعلته بالأرض، من دون أن يغفل نقد "شعراء المتاحف والورشات والمتلاعبين بالكلمات" أو حتى نفسه، ومنتظرًا استيقاظ أبناء والت ويتمان من سباتهم، متلاقيًا مع رفاقه من "البيتنكس" الذين وجدوا عند ويتمان وآخرين كويليام كارلوس ويليامز ما لم يستطيعوا العثور عليه عند شاعرٍ مثل تي. إس. إليوت.


خارج الشعر
إذا أشرنا سابقًا إلى نشاط فيرلينغيتي في مجال الفن التشكيلي؛ فإن هذا لا يقدم الصورة الكاملة. فعلاوة على ذلك قام فيرلينغيتي بكتابة عدة مسرحياتٍ تجريبية، منها "جدالات غير عادلة مع الوجود" و"ثلاث لفيرلنغيتي: ثلاثة آلاف نملةٍ حمراء"، كما قام بترجمة مختاراتٍ من أشعار جاك بريفير عام 1958، وله عدة رواياتٍ مثل "هي" و "الحب في أيام الغضب" التي نالت استحسانًا من النقاد والقراء، وأصدر عام 2015 مذكرات سفره بين عامي 1960-2010.

كما تُذكَر له المحاولة الجادة لإخراج الأدب من السطوة الأكاديمية، التي ترجمها عبر دعم الكتّاب المجدّدين ونشر أعمالهم في دار نشره، بالإضافة إلى إصراره على دعم قضايا حرية التعبير وإنقاذ الثقافة من "حرّاسها"، منذ محاكمة "عواء" الشهيرة وحتى اليوم، ودوره خارج المشهد الأدبي في القضايا السياسية أو البيئية، داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها.

 

دلالات