في الصعيد أيضاً يحبّون السينما (2-2)
في الصعيد أيضاً يحبّون السينما (2-2)
سينما النصر ببني سويف كانت تعمل حتّى 2004(مواقع التواصل)
يحكي عبد الوهاب أحمد شوقي، مساعد مخرج شاب من بني سويف ويقيم حالياً في القاهرة، أن بني سويف كان بها دارا عرض، سينما النصر كانت تعمل حتّى فيلم عوكل في 2004، وسينما الأهلي التي تحوّلت إلى أطلال، ثم باعها الورثة لتصبح برجاً سكنياً، بالإضافة إلى قصر ثقافة بني سويف وسينماه الصيفي، التي كانت تعرض أفلاما جديدة، حتّى فيلمي "حليم" و"وش إجرام" في 2006، ويقول: "بني سويف تضم مليوني نسمة، يجب أن نسافر إلى القاهرة إذا أردنا أن نشاهد فيلماً في السينما"، يرى عبد الوهاب أن الصناعة تمر بأزمة عامة، أحد أعراضها إغلاق دور العرض بهذه الكثافة خلال السنوات الأخيرة، فالمنتج هو الموزّع وهو صاحب دور العرض، وعليه أن يضحّي بأحد حلقات السلسلة كي يحافظ على أرباحه في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، وبالتالي يضحّي بدور العرض، كما أن الإنتاج السينمائي لا يستطيع ملاحقة قرصنة الأفلام ورفعها على الإنترنت لمشاهدتها مجاناً، وبعد 2011، انتشرت الإنترنت في البيوت المصريّة أكثر، وهاجرت الآليات السينمائية إلى التلفزيون، لإنتاج وصناعة المسلسلات بتقنيات عالية، وبما أن عائد السينما من التذكرة يتم حسابه على مدى أطول من صناعة المسلسل، الذي يحقق ربحاً لحظياً من بيعه للفضائيات قبل تصويره وعرض الإعلانات، فيكون إنتاجه أكثر إغراء.

كما يضيف بعداً آخر للأزمة، فبعد انتشار التليفزيون في العالم، قل الإقبال على السينما جداً، وبدأت المنافسة بين العالمين، وفي كل مرّة كانت السينما تطوّر من نفسها لمواكبة العصر ولتسبق التليفزيون، ففي الستينيات كان التليفزيون أبيض وأسود، فطوّر صناع السينما الألوان وعاد إليهم الجمهور، بعد قليل تلوّن التليفزيون، فدخلت السينما في حرب الكواكب والخيال العلمي والتقنيات ثلاثية الأبعاد التي يجب مشاهدتها على الشاشة الكبيرة 3D ، أما الآن، فإن التليفزيون يتم تصويره بنفس الإمكانيات والكاميرات السينمائية، والسينما في حاجة إلى طفرة جديدة لتجذب إليها الجمهور من جديد، وفي مصر بدأ التصوير بالتقنيات السينمائية في 2010 في مسلسل "الجماعة" اخراج محمد ياسين، حيث استخدم لغة سينمائية خالصة، وبالتالي أصبح ممكناً مشاهدة نفس المنتج وأنت في منزلك، حالياً المخرج الذي يبدو لديه وعي بهذه المسألة هو مروان حامد، فهو يحاول تقديم طفرات هائلة على صعيد التكنيك والأدوات الإخراجية والبصرية في السينما ليضمن تقديم صورة تفوق بكثير ما يقدّم في التليفزيون، مثل فيلم "الفيل الأزرق" وفيلمه المُنتظر "الأصليين".


يرى الناقد السينمائي محمد عاطف، أن المجتمع في الصعيد ينظر إلى السينما بشكل سلبي، البنات لا يستطيعون الذهاب إلى السينما وحدهن، كما أنه من بعد الثورة في 2011، ومن بعد عزل الرئيس محمد مرسي، أصبح الأمن ينظر بشك كبير إلى التجمعات الكبيرة، ومن تبعات ذلك التضييق على الصناعة من أولى حلقاتها، فتتعسّف الرقابة ولا تجيز الأفلام للتصوير بسهولة.

كما أن الأزمة الاقتصادية أثرت، فالسينما لم تعد تحقق الإيرادات المأمولة، لأن سعر التذكرة أصبح بعيداً عن متناول اليد، والقرصنة وانتشار الإنترنت جعلت الفيلم يعرض بعد يومين مجاناً على شاشة الكومبيوتر، كما أن تقنيات العرض نفسها تغيّرت، فلم يعد الفيلم يطبع 35 مل، ويُعرض على الماكينة القديمة، هذه التقنية انتهت منذ 2015، وكان آخر فيلم يُطبع بها هو "قدرات غير عادية" لداوود عبد السيد، حالياً الفيلم يُطبع ديجيتال"رقمي"، وماكينة العرض المناسبة له DCP لا توجد في السينمات في الصعيد، ولن يشتريها أحد لارتفاع سعرها على الإيرادات المتوقعة، تم اختراع شبيه مصري لها يسمّى ECP لكنها أيضاً تظل بحاجة إلى استثمار، وحالة الكساد العام لا تجعله مقبولاً.

وحينما تحدّثنا عن دور وزارة الثقافة التي تملك قاعات قصور الثقافة في هذهِ المحافظات، كان ردّه أن أغلب الموظفين في هيئة قصور الثقافة، يرون أن الأنشطة الثقافية حرام من الأصل، أو أنها تحتاج إلى التأمين، والأمن غير موجود، والموظفين أنفسهم يذهبون إلى منازلهم مبكراً، لا يوجد اهتمام حقيقي من الدولة بخلق بديل للسينما التجارية.

المخرج سمير سيف، حكى عن ذكرياته مع دور سينما أسيوط، إذ أمضى طفولته في سينما أسيوط الصيفي، وسينما خشبة، وسينما مقار التي كانت في موقع سينما رينيسانس التي أغلقت مؤخراً، حتّى دخوله معهد السينما في عام 1965، تحدّثنا عن ظاهرة إغلاق دور السينما في الصعيد، وكان يرى أن عدم إقبال الجمهور هوَ السبب المباشر الذي يجب أن نبحث خلفه، فهو يرى أن التطوّر التقني الذي ذكرناه سابقاً هو أوّل الأسباب التي حجّمت جمهور السينما.

ثانياً: بعد انفتاح العالم على ثقافات مختلفة في السبعينيات، كانت السينما هي التسلية الوحيدة، تُعامل على أنها نشاط اجتماعي، يجعلك تشعر بالانتماء إلى كتلة تمارس نفس الفعل، بعدها جاء التليفزيون، ثم الفضائيات وقنوات الأفلام المتخصصة، وهذا التطوّر ناسب المجتمع المحافظ الذي لا يخرج كثيراً، وإن خرج فهو يريد دوماً ركناً مخصصاً للعائلات في كل مكان يذهب إليه، فلم تعد السينما تناسب ذوقه في جميع الأحوال.

ثالثاً: هناك مُعضلة عند صناع الأفلام، ما بين الأفلام الجماهيرية والمهرجانات، فالمخرج يصنع فيلمه غارقاً في ذاته وأفكاره الداخليّة، ولا يضع في الاعتبار أنه يصنع فيلماً ليشاهده جمهور يحمل أطيافاً متنوّعة، كما يبدو أنه تطوّر خلال الأعوام الأخيرة وصم ما للأفلام الجماهيرية، وأن الفيلم "التجاري" هو بالضرورة أقل من حيث القيمة الفنيّة.

رابعاً: دورة الإنتاج المتغيّرة، فالفيلم كانت دورته خمس سنوات مثلاً حتّى يعرض في التليفزيون، بداية من دور العرض الرئيسية في عواصم المحافظات، بعد 6 أشهر في دور العرض في المراكز والأحياء، ثم في دور عرض الدرجة الثانية والثالثة، حالياً يعرض الفيلم في سينما المولات، ثم الDVD ثم الفضائيات.

سألته عن أفلامه التي كان الجمهور يتوحّد فيها مع البطل، ويذهب إلى السينما كي يشاهدها، بتوليفتها الناجحة، فقال إنه من النادر الآن أن نجد من يصنع المتعة بمفهومها الذكي، بموضوع شعبي ومصنوع حرفياً بشكل جيد، الصناعة الآن لا تفكر في هدف أو نقطة تريد إيصالها للجمهور، فتبدع مستويات مختلفة من التواصل عبر حدوتة شعبية، تحمل طبقات لأفكار ومعاني أكثر عمقاً، ربما جزء من الأمر أن المهرجانات جعلت الفنان مشهوراً في وسط لا يتم أخذ رأي الناس والجماهير فيه.

كما أن مفهوم الإنتاج تغيّر، فالمنتج يريد أن يضمن أرباحه فيذهب دوماً للمعروف أنه يكسب، ولا يهتم بتقديم شيء جديد أو بتقديم فكرة جديدة، لابد أن تتغيّر عقليّة الإنتاج السينمائي لتتوقّع المستقبل وتساير التطوّر في العالم، الذي أصبح ينتج أفلاماً ومسلسلات فقط لمشاهدتها على الإنترنت.

على صعيد آخر، يحكي يوسف الشاذلي مدير سينما زاوية التي بدأت من قلب وسط البلد في العاصمة، عن التجربة ذات المعايير الخاصّة، حيث تحاول أن تعرض زاوية أفلاماً لا يبحث عنها الجمهور الواسع بالأساس، فهي أفلام تعرض في مهرجانات عالمية وإقليمية، لا تهتم السينما التجارية بعرضها، ولها مجموعة من المحبّين ذوي الاستعداد لدفع ثمن التذكرة لمشاهدة الفيلم على الشاشة الكبيرة، خصوصية زاوية تكمن في اعتمادها تماماً على سحر الشاشة الكبيرة، بتقنيات صورة وصوت مختلفة عن التليفزيون مهما تطوّر، مع سعر تذكرة أقل من سعر تذكرة سينما المولات، تحاول زاوية التوسع في أماكن مختلفة عن طريق الشراكة مع دور عرض لعرض أفلامهم في دور السينما بالمحافظات، ذهبوا إلى الإسماعيلية وبورسعيد والإسكندرية وطنطا والمنيا، بأفلام بانوراما الفيلم الأوروبي، كما يقيمون كل عام ورشة لإدارة الشاشات البديلة خارج القاهرة، يشترك فيها مجموعة من المهتمين بعرض الأفلام، ليعرضوا تجربة زاوية في إدارة دور العرض والتواصل مع الجمهور، والورشة الأخيرة كان بها 21 مشاركا من حوالي 13 محافظة، منها سوهاج وأسيوط والمنيا، لم تصل العروض بعد إلى الصعيد، لكنها في الخطة بحسب حماس دور السينما الموجودة وتجهيزات دور العرض، يعود يوسف الشاذلي مرة أخرى إلى التقنيات، فالأفلام كلها ديجيتال لماكينة الـ DCP أو بديلها المصري الـ ECP ، بينما دور السينما في الصعيد كلها توقّفت عند الـ35 مم.

في مصر حوالي 550 قصر ثقافة لدى أغلبها شاشات عرض لا تفكّر الدولة في استغلالها ولو بقطع تذاكر، بينما قادت الأزمة الاقتصادية أسعار تذاكر السينما إلى 50 جنيها للفرد الواحد، مما جعل تكلفة السينما لعائلة من 4 أو 5 أفراد 250 جنيها فقط لدخول السينما، من دون حساب أي إضافات، والطبقة المتوسطة التي تملك القدرة الشرائية وتحرّك الذوق العام، القادرة على الدفع، لم تعد كذلك، وبالتالي اختلف ذوق الأفلام وأصبح لأفلام السبكي ومحمد رمضان قبول واسع من الطبقات الأدنى التي تذهب إلى دور السينما الأقل تكلفة.

يبدو واضحاً أن انتشار الإنترنت ساهم بشكل كبير في ضعف الإقبال على السينما بجانب الأزمة الاقتصادية، لكن البحث المتعمّق في أسباب عزوف الجمهور عن السينما، والذي يؤدي إلى غلق مقارها بهذا التتابع، يذهب بنا إلى أزمة الصناعة نفسها، وحاجتها إلى التطوّر، فعملية الإنتاج تحتاج إلى المزيد من الانفتاح والتجريب، وتغيير العقلية القديمة التي تنتج للمكسب المعروف وفقط، وتحسين عملية إنتاج الفيلم وتوزيعه.

تغيّر الذوق العام أيضاً له دور، الطبقة المتوسطة القادرة على الدفع، تريد أفلاماً عائلية، لا تحرّك الراكد، محسوبة تماماً على مقاس الزوجة أو البنت أو الأخت التي لا نريد لها أن تعرف أكثر، وبالتالي فالأفلام لم تعد تقدّم جديداً يدفع بالجمهور -على تنوّعه- إلى السينما لأجلها، في المقابل، تُقدَّم "الخلطة الناجحة" للطبقات الأفقر بطلاً شعبياً أو قصة خفيفة مشابهة لواقعهم اليومي لكنها تحمل انتصاراً ما، فيتجه السوق لإنتاج هذه النوعية من الأفلام لمكسبها المضمون، وتدور الصناعة في نفس الدائرة التي تؤدّي لتركّزها في القاهرة والاسكندريّة، ويتوالى غلق نوافذ الثقافة والترفيه والفِكر المختلف على الصعيد المصري الغارق في ظلام من نوع خاص.