في الصعيد أيضاً يحبّون السينما (1-2)
في الصعيد أيضاً يحبّون السينما (1-2)
قصر ثقافة الفيوم (صفحة القصر على فيسبوك)
في فبراير الماضي، بدأ وسم #افتحوا_سينمات_الصعيد في الانتشار على فيسبوك، إثر إغلاق سينما رينيسانس أسيوط تمهيداً لهدمها، كانت السينما وجهة ساكني محافظات الصعيد المصري، متحمّلين مشقّة السفر لقضاء يوم في أسيوط ومشاهدة فيلم على الشاشة الكبيرة.
وكعادة كُل شيء، صدرت التقارير عن أعداد دور السينما في الصعيد، مع بعض المطالبات بفتح دور جديدة، وبعض محاولات البحث في أسباب غلق دور السينما واحدة تلو الأخرى في الأعوام الفائتة، ثم اندثرت القصة برمّتها.

الصعيد هوَ الأفقر في جمهورية مصر العربية، محافظاته طاردة للسكّان شخصياً فما بالك بالاستثمار، وبغض النظر عن بعض النميمة الشائعة، أن "الفلوس تحت البلاطة"، إلا أن الوضع الاقتصادي الحالي يجعل الجميع يقعون تحت طائلة بيع الأملاك الصغيرة أو صرف المدخرات، والسينما بالطبع، ليست من أولويات هذا الإنفاق، هذا يعني أن شيئاً كبيراً في عادات السكّان يتغيّر.

حتّى عام 2015، كانت توجد بمصر نحو 221 قاعة سينما، بحسب النشرة السنوية للإحصاءات الثقافية، لعام 2015، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وكان هذا الرقم 239 في العام الذي سبقه، أي في 2014، أي أنه تم إغلاق 18 دار عرض في عام واحد.


بنظرة سريعة على توزيع دور العرض، نجد أن 80% منها أو أكثر توجد في القاهرة والإسكندرية، وفي بحث آخر يدّعي أن دور العرض المضافة في مصر كانت 28 في 2011، وفي 2012 كانت 38، وفي 2013 كانت 6، وفي 2015 كانت 16، حتى أصبح إجمالي دور العرض في الجمهورية 426.

تضارب المعلومات حول عدد دور السينما في الصعيد قصة أخرى، فكُل تقرير تمت كتابته عن الأعداد حمل أسماء دور سينما أغلقت أو ما زالت موجودة لا نعرف عنها شيئاً، يعتمد الأمر بالطبع على تبادل المعلومات بين السكان، وبالتالي لا يُمكن التأكد من حالة السينما الموجودة في المحافظة بالضبط، أو معرفة الظروف والملابسات التي أدّت إلى إغلاقها تماماً.

بحسب أغلب المعلومات المتوفرة، فالبحر الأحمر، الغردقة بها أربع دور عرض نظراً لطبيعتها السياحيّة، فيما لا توجد في الفيوم أي دور عرض. هنا، تجدر الإشارة إلى أن الفيوم كان فيها دارا عرض، هما "سينما الفيوم" و"سينما عبد الحميد" التي ذهبت ملكيّتها إلى تجّار اشتروها وحوّلوها إلى مستودعات لبضاعتهم. أما في الوادي الجديد، فهناك سينما واحدة يقال إن وزير الثقافة يتابع إنشاءها منذ العام الماضي.


في أسوان، لا توجد حالياً إلا دارا عرض، سينما الصداقة، وهي تعرض الأفلام "على مزاجها" كما يقول ميدو دسّا المخرج الشاب، وسينما فندق هلنان، تابعة للقوات المسلحة، وبالطبع لا توجد عروض أفلام منتظمة في قصر الثقافة، رغم أن أسوان تشهد أسابيع أفلام ومهرجانات عالمية، إلا أن عروض الأفلام فيها تتخذ شكلا أهليا، في منشية النوبة مثلاً، جمعية تعرض أفلاماً من على الإنترنت، وبالطبع إذا كان العرض في قصر الثقافة، فإنه يراقب الفيلم أو لا يسمح بعرضه كاملاً، في 2016 تكرر أكثر من مرة اعتراض الموظفين على محتوى فيلم أثناء عرضه.

في الأقصر، لا توجد أي دور عرض، بعد إغلاق سينما مول المحطّة، رغم المهرجانات السينمائية التي تقام هناك.

في قنا، يقول أمين أسامة "منسّق نادي سينما" لمجموعة "قوص بلدنا"، أنه لا توجد دور سينما أو قاعات عرض بعد أربع دور سينما كانت، من ضمنها سينما الكورنيش، وسينما المحافظة، وسينما عبد الوهاب التي كانت تعرض أفلاما قديمة حتّى 2011، وكانت التذكرة رخيصة بثلاثة جنيهات، دور العرض ذهبت أدراج الرياح لأنّها كانت ميراثا عائليا وتم بيعها، وكان جمهورها من طلبة الجامعة، العائلات في قنا لا تخرج كثيراً، مما دفعهم لتكوين مجموعة "قوص بلدنا" سنة 2010، بدأوا بصالون ثقافي في قصر ثقافة قوص جنوب قنا، بجانب قوافل خيرية ونادٍ للسينما، في الشهر الواحد ينفذون 20 عرضا سينمائيا بالتعاون مع الجمعيات الأهلية يتبعه نقاش، ويحصلون على الأفلام عن طريق الإنترنت، يصل عدد الحضور إلى 40 شابا وفتاة، ساعد انتشار الإنترنت على عدم إقبال الشباب على الأفلام القديمة، توقفت السينما عن الربح، لكنه فتح مجالاً لتنظيم عروض مجانيّة لأفلام خارج شبّاك التذاكر.

ومن سوهاج يحكي الكاتب محمود نوير، أنه كانت هناك سينما وحيدة في ميدان الثقافة، تابعة لوزارة الثقافة، سينما صيفية مغطاة، تذكرتها رخيصة جداً، ولكنها لا تعرض أفلاماً بانتظام، وكانت سمعتها سيئة في المحافظة، فكان دخولها مقتصراً على الشباب، وكان يسافر لحضور الأفلام الجديدة في رينيسانس أسيوط التي بلغت تذكرتها 30 جنيهاً، حتّى توقف نشاطها منذ عدة سنوات، وعلم أن العقد انتهى مع صاحب البرج، وحاولت الشركة العربية تجديده للاحتفاظ بالسينما دون فائدة.

في أسيوط الآن لا توجد دور عرض، بعد تاريخ طويل من السينما، بدأه تادرس مقار بالسينما الشتوية عام 1908 تقريباً، وغنت فيها أم كلثوم عام 1935، وظلت مفتوحة للجماهير حتّى اشترتها إسعاد يونس ومجموعتها، كانت هناك أيضاً سينما خشبة، وسينما أبو تيج، وسينما ساحل سليم، وسينما النصر بالقوصية، وسينما القرشية بديروط، وسينما في معهد فؤاد الأول أنشئت عام 1934. يحكي إبرام جورج منسق نادي سينما أسيوط: أقمنا نادي سينما أسيوط في قصر ثقافة أسيوط، أول عرض كان يوم 30 نوفمبر 2013، وآخر عرض كان يوم 28 مايو 2016، عرضنا 79 فيلما في ثلاثة مواسم، بحضور حوالي 450 مشاهدا، ومجاناً، ووفّرنا "فشار" أحياناً، توقفت العروض بسبب مناقشة للجمهور في قصر ثقافة الإسكندرية، وصلت لسؤال هل بنى اليهود الأهرامات؟ تأفف موظفو قصر الثقافة وأحدهم اشتكى، فتم إلغاء الفكرة عموماً.

كانت سينما رينيسانس أسيوط آخر دور السينما في الصعيد ذات أربع قاعات عرض، حتّى أفلام مثل "أفريكانو" و"أمير الظلام"، كانت حفلاتها كاملة وتكسب جيداً، وبدأت التذكرة بـ10 جنيهات وزادت حتى 30 جنيها، بعد ثورة يناير 2011، أصبحت أفلام السبكي هي الأفلام التي تعرض في المناسبات مثل عيد الفطر والأضحى، التي تضمن أكبر إيرادات وأفلام مثل "ديكور" و"بتوقيت القاهرة"، و"قدرات غير عاديّة" كان العرض يعمل لشخص واحد في السينما! وجمهور السينما في أسيوط في الوقت نفسه لا تعجبه أفلام السبكي لدرجة الذهاب للسينما لمشاهدتها.

في المنيا، هناك سينما في المنيا الجديدة، سكيب سيتي مول، بنفس أسعار القاهرة وتوزيع الأفلام فيها، وسينما نادي القوات المسلّحة في قلب المنيا، وسينما بالاس التي لا نعرف تحديداً إذا كانت تعرض الأفلام الجديدة أم لا.

بدأت مشكلة أخرى من بني سويف، عندما عبّر المخرج الصهيوني "عران كوليرين" على فيسبوك عن أمنيته بحضور عرض فيلمه "زيارة الفرقة الموسيقية" بعد الإعلان على فيسبوك عن عرض الفيلم بقصر ثقافة بني سويف، وكان المفترض عرضه يوم الأحد 24 يناير 2016، على الرغم من منع عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي 2007، مما اضطر المخرج لعرضه في أحد فنادق القاهرة، ووصل الجدل الفيسبوكي إلى مسؤولي هيئة قصور الثقافة، فقرر رئيس إقليم القاهرة وشمال الصعيد محمد منير، منع عرض الفيلم، ومن ثم تحسست باقي قصور الثقافة نوادي سينماها، وتوقّفت أغلب العروض الأهليّة.

يُشار إلى أنّ إحدى دور العرض (سينما النصر) التي كانت في بني سويف قد تحوّلت إلى مكبّ نفايات.

في الجزء الثاني، يحكي صنّاع السينما ونقّادها عن ذكرياتهم مع سينما الصعيد، ويخصّنا المخرج الكبير سمير سيف ببعض من ذكرياته في أسيوط، بجانب رؤيته لأزمة صناعة السينما في مصر عموماً.