هل استطاع Trainspotting العودة إلى الحاضر؟
هل استطاع Trainspotting العودة إلى الحاضر؟
(trainspotting 2)

"ديان كانت على حقّ. العالم يتغيّر، الموسيقى تتغيّر، المخدّرات تتغيّر، حتى الرجال والنساء يتغيّرون." يقول مارك رينتون هذه الكلمات بعد "انقطاعه عن المجتمع" بضعة أشهر وعودته إليه، في الجزء الأوّل من سلسلة Trainspotting عام 1996. وإذا كانت العبارة السابقة، في سياقها الزمني، تدل على نقلةٍ سريعة فإن سؤالًا عن التغيرات ذاتها يُطرَح بقوة، بعد عشرين عامًا وإبصار الجزء الثاني (T2: Trainspotting) النور، محافظًا على طاقم الفيلم ذاته والزمن الحقيقي بين الفيلمين، وما أحدثه من أثرٍ على لم الشمل هذا.


عن الآمال الكبيرة
لا شكّ في أن داني بويل، ومنذ اللحظة الأولى عن إعلانه نيّة العمل على الجزء الثاني، وُضِع موضع المقارنة بنفسه، بالقدرة على تكملة عملٍ أصبح من كلاسيكيات السينما البريطانية والعالمية ورمزًا لمشاهدين لا تُمحى من ذاكرتهم عبارة رينتون عن "اختيار الحياة" أو مشاهد كـ "أسوأ حمامٍ في اسكتلندا" علاوةً على هويةٍ موسيقية للفيلم، اعتمدت حينها على عناصر الثقاقة المضادة كـ"إيجي بوب" و "لو ريد" إضافةً لفرق البريت بوب التي كانت صاعدةً حينها كـ "بلور"، وشكلت جزءًا عضويًا من الفيلم، كما اجتمعت معه لتحدّد يومها كأهمّ مقوّمات التفاؤل بالثقافة البريطانية فيما عرف بالـ "Cool Britannia".

إذن، ومنذ البداية، كان أمام الجزء الثاني تحدٍ إضافي يخوضه. تحدٍ يجر خلفه أسئلةً عن "الحاضر" الذي سيصوّره الفيلم وعن هوية وملامح هذا الحاضر، باعتبار أن الزمن الحقيقي يدخل في المعادلة، وأن ما سنشاهده هو صورةٌ عن اليوم. ولكون الجزء الأول، إضافةً لجمالياته، يعد وثيقةً تاريخيةً عن اسكتلندا تلك الفترة، كما يوضح رينتون في السهل الأخضر.

ورغم تفاوت الأصوات إلّا أن أملًا وثقة بإعادة إنتاج عملٍ كبير كانا حاضرين، خصيصًا لكون الجزء الثاني يستند إلى عملٍ أدبي "بورنو" مكملٍ للعمل الذي أنتج الأوّل والذي حمل اسم الفيلم نفسه ، وكلاهما لإيرفين ويلش.


عن الخيبات الكبيرة
يبدأ الفيلم بدايةً مألوفة؛ رينتون يركض مجددًا، كما في الجزء الأوّل. لكن هذه المرّة على آلة تدريب في نادٍ رياضي في أمستردام حيث استقر، وحيث يجري دون أن يطارده أحد. رينتون يجري دون أن يتحرّك من مكانه، حفاظًا على لياقته أو لأنه تبنّى "نمط حياة" فيما يبدو أنه محافظةٌ على وعدٍ قطعه نهاية الجزء الأوّل، ثم سرعان ما يسقط بسبب مشكلةٍ قلبية.

توحي هذه البداية بالكثير، بأن السنين نالت فعلًا من أبطال الجيل السابق ليظهر، ولو بقليلٍ من الاستعجال، السؤال عما إذا كانت أربعينيات أبطالٍ سابقين تستحق أن تُعرَض.

يُكمِل الفيلم التمهيد، مرورًا على سايمون الذي بدأ يعمل على تصوير وابتزاز زبائن عشيقته، فيرونيكا، عاملة الجنس البلغارية. ولا يبدو أنه هو الآخر مرّ بما يستحق أن يذكر قبل لم الشمل المرتقب وعودة العلاقة التنافسية بينه وبين رينتون. والأمر ذاته عند بيغبي الذي يهرب بعد البداية بقليل من السجن الذي قضى داخله هذه الفترة الزمنية.

تتجلّى أقسى صور اليأس هذا عند سباد، الذي يوشك على الانتحار قبل تدخل رينتون، مدفوعًا بفشله في تأسيس حياة مستقرّة وعجزه عن البقاء قرب ابنه. على أن الموضوع سيختلف كليًا في المنتصف والنهاية بالنسبة له.

قد يتشابه الظرفان اللذان سينتجان القصّة، بين عامي 1996 و2017، ظاهريًا. لكن ما اختلف فعلًا هو الموقف من هذا الظرف، الذي تُرجِم عبر الرفض المطلق للمنظومة الاجتماعية في الأوّل ولم يعد بالإمكان تكراره أو استكماله حتى.

في الجزء الثاني من Trainspotting علينا كمشاهدين أن نراقب الشخصيات "تحصد ما زرعته" كما يقول لو ريد في إحدى الأغاني التي حددت هوية الفيلم السابق، وأن تصبح الجائزة الكبرى قرضًا أوروبيًا لترميم الحانة التي ورثها سايمون، لتحويلها إلى ماخور.


ماذا تغيّر؟
سيكون علينا أن نقارن مونولوج رينتون عن اختيار الحياة واختباره هذا الخيار في الجزء الأوّل، بعجزه في الثاني عن القيام بأي شيء سوى قوله في مطعمٍ لفيرونيكا محاولًا إثارة إعجابها. صحيح أن اللغة بقيت ذاتها، وأن الخيارات تحوّلت من البحث عن ماديات كـ "التلفاز الكبير، مشغل الأقراص المضغوطة، والأثاث" إلى أخرى كـ "حساب انستغرام، حساب فيسبوك أو تويتر، ومحاولة إيجاد من يهتم بتفاصيل حياتنا التي ننشرها يوميًا" فيما يُحسَب للفيلم على تماسك موقف وخطاب إحدى شخصياته. لكن السؤال الحاضر فعلًا هنا هو: هل يعني هذا أي شيء؟ ما الفرق بين رينتون، في موقعه الحالي، وبين أي شخصٍ آخر يمكن أن يكرّر نفس العبارة ويدرك ما وراء وسائل التواصل الحديثة، رغم أنه قد يكون من مستعمليها الشرسين؟

علاوةً على ذلك، فإن مقاطعًا بأكملها من الفيلم خصصت للذكريات والماضي، سواءً عبر الإنسيرتات من الجزء الأوّل أو مقاطع لما يفترض أنه طفولة أبطال الفيلم، أو لمحاولة رينتون زيارة منزله وغرفته الشهيرة ومن ثم مغادرته. أو عند زيارة السهل مرةً أخرى متذكّرين تومي الذي مات في الجزء الأوّل.

إضافةً لما يذكر على لسانهم عن هذا الماضي، والزمن الطويل المخصّص لاستذكار "جورج بيست"، بوصفه أيقونةً لجيل سايمون ورينتون، حتى نصل إلى شخصياتٍ لا تستطيع الخروج من ماضيها كما تؤكّد النهاية.

ما يجعل غالب الفيلم رحلةً في الذاكرة، تقتضيها مرحلةٌ عمرية. بلا أي خطابٍ يثير الجدل، أو صدامٍ شبيه بالذي أحدثه الأوّل.

لا يغطي التقدّم في السن هذا أجزاء الفيلم كلّها. فمنذ اجتماع الأبطال مرّةً أخرى، بعد عشرين عامًا وخيانة رينتون وهربه بمبلغ صفقة المخدّرات، تعتمد الحبكة على رغبة الانتقام، المبطّنة عند سايمون والواضحة عند بيغبي، ويصبح السؤال –الذي ينجح الفيلم في إبقاء الجواب عليه حتى النهاية- من سيخون من؟ ولو أن التسارع هذا يفشل في الاستمرار دومًا، ويتوقّف أحيانًا، كالجري على البساط الرياضي.


عن دبيب الحركة وانزياح البطولة وأشياء أخرى
إذا كان آخر ما نتذكّره عن سباد في الجزء الأوّل هو معرفته بالخيانة وسكوته عنها، ومن ثم حصوله على الحصّة لأنه "الشخص الذي لم يؤذِ أحدًا"، فهو في الجزء الثاني أكثر حضورًا، يصبح راويًا للفيلم عبر امتهانه الكتابة، عن الماضي والحاضر على حدٍ سواء.

في سلسلة الخيانات هذه، سواء المادية أو المتعلقة بفيرونيكا ودخول بيغبي فيها، فإن سباد يتخطّى نقاوته التي تمثلت بالحياد سابقًا. يُصبِح كاتبًا في البداية، يلخّص جوهر الصداقة القديمة هذه، وهذا التاريخ الذي يعيد نفسه، بملاحظةٍ بسيطة: "في البداية هناك فرصة، ومن ثم الخيانة." ويوفّر منظورًا معقولًا لكل ما حدث، بعيدًا عن النزاع بين رينتون وسايمون وبيجبي.

وفي النهاية، بعد أن يرفض تكرار فعل رينتون والهرب بالنقود، يُنقِذ رينتون وسايمون من الموت على يد بيغبي، بل ينقذ ابن بيغبي نفسه من مصيرٍ كان سيكتب على يد أبيه بدخول عالم الجريمة، مغيرًا الحدث بشكلٍ كامل، متحولًا إلى الشخصية الفاعلة الحقيقية في دوامة العجز هذه، والتي تترك في نهاية الفيلم تساؤلًا عما يمكن أن تفعله حقًا.

وإذا كانت حقيبة النقود في الجزء الأوّل، وفي نهايته تحديدًا، موضع الصراع وحيث تتكشف التنافسية وراء صداقة سايمون ورينتون. فإن الجزء الثاني يُقدِم صراعًا شبيهًا، لأجل النقود ولأجل فيرونيكا، ممزوجًا برغبة انتقامٍ دامت 20 سنة.

الفرق بين الصراعين يكمن في أن الجزء الثاني يكشفه لنا منذ البداية. عند سايمون الذي يريد أن ينتقم عبر إبقاء النقود، أو رينتون الذي يجد نفسه متورطًا مع فيرونيكا. فنصبح أمام "جائزتين".

وما ينجح الفيلم في تقديمه هو ترك باب الاحتمالات مفتوحًا حتى النهاية، عندما نفاجأ بظهور ديان القصير وغياب تفاعلٍ واضح لرينتون معها، أو حين نكتشف أن الرابحين المتحمّلين خسرا وأن الجائزة الأولى، فيرونيكا، فازت بالثانية ومضت بعد أن لم تستطع إقناع سباد بمرافقتها. عند هذا التفصيل، حين يخيب التوقع، نلحظ أبرز المواضع التي استطاع الفيلم تقديم نفسه فيها كما يجب.


آخر النفق
نصل بعد انحلال العقدة؛ عودة سايمون ورينتون إلى الوفاق (رغم عدم كشف أحدهما للآخر عما حاول فعله) وزج بيغبي في السجن مرةً أخرى إلى النهاية التي تستحقّ لحدٍ ما تسميتها هذه، عكس ما جرى في الجزء الأوّل.

ما يقدّم لنا، بعد كل شيء، هو صورة بائسة لأربعينيين يتابعان التلفاز، فيما يبدو أنه ملاذ أخير بعد فشلٍ فادح وهرب فيرونيكا والنقود، وفقدان الأمل من جولةٍ أخيرة، وكل ذلك في تصالحٍ تام مع مآلهما، فيما يبدو نهاية الطريق لمحاولة تمردٍ أخرى احتاجت عشرين سنة لتلفظ أنفاسها. والمشكلة الحقيقية هنا تكمن في أن الترويج للفيلم قبل صدوره وفحوى الترايلر كانا مختلفين تمامًا، ويبشران بامتدادٍ أكثر شبهًا بالأصل.

وإذا كان هانتر تومبسون، ومن بعده تيري غيليام، يقدّمان لنا في "الخوف والكره في لاس فيغاس" مثالية الستينيات وقد حطمها الواقع في السبعينيات، ويحاولان التصالح مع الهوية الحقيقية و"الحلم الأميركي" كما هو على لسان "راوول ديوك" بشكلٍ واعٍ (وهو ما يعطيه صفة البطولة)، فإن Trainspotting بعد عشرين عامًا يعود ليحطم رؤيةً هو الآخر، بشخصياتٍ تلهث وراء نجاتها، بل تعود إلى تقبّل المؤسسات التي خرجت منها سابقًا، كما يفعل رينتون في النهاية، حين ينجح في المكوث في بيت الأسرة وغرفته القديمة، كما لم يستطع منذ عشرين عامًا.

ما يبقي سباد موضع الأمل الوحيد، المدوّن الذي يقرأ أحدهم أعماله في النهاية رغم كل ما قيل سابقًا، ويتركنا كمشاهدين أمام سؤالٍ آخر مشروع: هل كان يستحقّ الأمر أن نرى رموز جيلٍ بهذه الهيئة، ماحين آخر انطباع جميلٍ عنهم؟

دلالات