قصص النجاح..مشكلة بيع الأوهام
قصص النجاح..مشكلة بيع الأوهام
(عمل للفنان الأميركي جون لاموران، تصوير: باركروفت)

يعود الفضل في كتابة هذه المادة إلى بيل غيتس، مؤسّس مايكروسوفت، وأحد أغنى رجال العالم. كما يعود الفضل إلى مايكل جوردان في تسلية أجيالٍ بأكملها وحثّها على قضاء وقتٍ صحيٍ مفيد. كذلك الأمر بالنسبة لوالت ديزني وأوبرا وينفري وغيرهم ممن جعلوا الحياة على كوكب الأرض ألطف وأكثر قابلية للاحتمال.

وإضافةً إلى الاشتراك في هذا التعبيد لسطح الأرض الخشن، يشترك أبطالنا السابقون في أمرٍ ما؛ فجميعهم ذوو قصصٍ ملهمة، تبعث على التفاؤل وطحن المصاعب تحت ضرسين من الفولاذ، عبر شق طريقٍ مستقيم نحو النجاح والشهرة والملايين المكدّسة والعقود الحصرية.

لكن، وبشكلٍ رياضيٍ على الأقل، هل تُوفّر هذه القصص –وبعد زمنٍ طال انتظاره-علاقةً تقبل التعميم لحدٍ ما، ننجح بموجبها في دفع بؤساء الأرض إلى الأستوديو أو ملعبٍ لكرة السلة؟ وبالتالي، هل يمكِن اعتبار هذه القصص ذات أي قيمة تبرّر لها الانتشار الواسع الذي تلقاه؟ والأثر الذي تحدثه في شرائح واسعة من المتلقين؟


قصة، بطل، امتحان.. وملحقٌ ما
قبل كل شيء، يجب ذكر أن التساؤل عن القيمة الكامنة ليس مردّه افتراضٌ بأن أي قصةٍ أو كل ما كتب يتوجّب أن يحمل قيمةً مباشرةً ما، أو مقولة ثابتة باختلاف الزوايا، إنما لأن القصص هذه تحديدًا، تتداول وتنتشر كمنتجات غنية بهذه القيم ذات الكلمات المفتاحية كالأمل والتفاؤل والتوكّل، وبالتالي فإنها والقائمين عليها من يفرضون هذا التساؤل، علاوةً على أن بلوغها حدًا شديدًا من البساطة يجعل من المستحيل التعامل معها بطرقٍ أخرى.

وبعد التوضيح السابق، يمكننا الانتقال إلى فهم هذه القصص، وهي عمليةٌ ليست بالغةً في التعقيد، لتشابهها في مضامينها وبنيتها. فعند النظر إلى قصة مايكل جوردان الذي اتهمه مدرب المدرسة بافتقاره الموهبة ثم أثبت العكس، أو تلك التي تتعلّق بستيف جوبز مثلًا، الذي خضع لشكٍ مماثل ثم غيّر عالم التقنية للأبد، وغيرهم من الأشخاص الحقيقيين أو أولئك الذين يردون بلا أسماء، سنجد في القصص كلها بطلًا، من بيئةٍ دون المتوسطة غالبًا، يتمتّع بملكةٍ فطرية دائمًا، يخضع لظلمٍ ما، يتغلّب عليه منتقلًا وبالضرورة من أدنى درجات الهرم إلى أعلاها على الإطلاق.

سنجد النتائج نفسها، حتى في الحكايات المحليّة، كطالب الطب الذي أتم دراسته في حمام المنزل بسبب الفقر. ستتعلّق القصة دومًا بالفرد المميّز في وضعٍ سيئ، ثم بحلٍ ذاتيٍ وبعدها تغير في حاله.

ولا تكتمل "القصة الإيجابية" باكتمال الحدث فيها عادةً (وصول بطلها إلى القمة) بل تنتهي بخاتمةٍ من نوعٍ آخر غير قصصي، خطابيٍ بالضرورة، يُغفل فيه البطل ويُرمى مكانه القارئ الذي يتوجّه إليه الخطاب بالتحفيز، بكلماتٍ عن الاستعداد أو القتال تحقيقًا للحلم، وأحيانًا الصبر والرضا إلى أن تبدأ لحظة القارئ التاريخية.

وعلى القارئ أن يجيب بـ "نعم" حين يُسأل إن كان جاهزًا للتغيير الجذري، عليه أن يتوقّف عن التعذر ببيئته الاجتماعية أو ظرفه الاقتصادي، أو المشاكل الأكبر كالحرب حتى. وعليه ألا يفكر حتى بخلاصٍ جماعي، فالقصّة هنا توفر دولاب نجاةٍ واحدًا.

علاوةً على افتقار القصص السابقة للدقة غالب الأحيان على حساب المقصد، فإنها تزخر بما يمكن دحضه ونفيه، بالمثال المباشر من الواقع، أو بطرقٍ أكثر منهجية. كما أنها ترتبط غالبًا بممارساتٍ تتعدى القراءة أو تحقيق المكاسب من مجرّد نشرها، وسنتحدّث عن ذلك لاحقًا.

لكن لنعد إلى "العالم" الذي تدّعي قصص النجاح أنها تمثّله، إلى ذاك الكون شديد الانتظام، الموزون على إيقاع الفعل ورد الفعل، حيث لكل مجتهدٍ نصيب ولا خطيئة سوى الكسل. بقدر ما يبدو هذا العالم موجودًا ضمن حدود القصّة، بقدر ما يتناقض بشكلٍ وقح مع ما يجري فعلًا على الأرض. فوفقًا لتقرير البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية عن نسب البطالة في 2014 تتصدّر ليبيا مثلًا الدول العربية من حيث نسب البطالة عند الشباب بـ 48.9 %، وتتدرج النسب عند جزءٍ كبيرٍ من الدول ضمن حدود "المرعب".

ورغم أن الأرقام والنسب المئوية لا تحكي قصصًا، إلا أنه بالإمكان تخيّل الألم والعذاب الذي يشعر به الأفراد المكوّنون لهذه الأرقام، ويصح السؤال هنا: هل قرأ الشباب العاطل من العمل، بأطيافه كلّها ومؤهّلاته المختلفة، قصّة مايكل جوردان؟ أو بشكلٍ أكثر إيجازًا: لمَ لا يتعظ الشباب المهدّد بالجوع؟

وبشكلٍ أقسى، فإن قصةً واحدةً من ساحة حرب، حيث يمكن للصدفة وطيش الرصاص أن يقتل إنسانًا، كفيلة بهدم هذا النظام المتقن والواضح في سببيته ونتائجه، والمطالبة برؤيةٍ أخرى تتجنب البلاهة التي تصل النقطة A بالنقطة B، أو تلك التي تعبّر عن نفسها ببساطة الأبيض والأسود.


مع الحكواتية
لا تنحصر المشكلة مع هذا النوع من "الدعاية" بالقارئ أو مستخدم السوشيال ميديا العادي، بل يُمكِن النظر إليها على أنها ذات أثرٍ يتعدى عالم القراءة. للقصص هذه مُستخدمون أكبر، سواء بشكلها هذا أو عبر تطويعها، يعملون عبر مبدأها على جني الربح بطرقٍ أخرى، ولنذكر المروجين لما يُسمى بـ "البرمجة اللغوية العصبية". هذا العلم الزائف يُقدِم بطريقةٍ مشابهة عالمًا قابلًا للتحكّم عبر "شدّة التمني" وقوّة الإرادة.

لشكل الاحتيال هذا هيكلية متكاملة، مدرّبون ومختصون وشهادات خبرة، بل ودورات تدريبِ مدربين TOT، تنتج مزيدًا من المروّجين لعالم الإمكانات اللامحدودة. في هذا الشكل سنجد تطويعًا للمبدأ وقد حول إلى ممارسة، بل إضافةً لذلك سنجد القصص المعلوكة ذاتها، كبراهين على صحّة ما يُقدَم، وبقليل من التأويل: إطارًا نظريًا لهذه الممارسة. ويكفي النظر إلى المكانة التي يتمتّع بها شخصٌ مثل إبراهيم الفقي لإدراك ما لهذه الأشكال من سطوةٍ اليوم.

وتلحق بهذه الثلة مجموعاتٌ أخرى من المشتغلين، ولنذكر على سبيل المثال شخصَ "المتحدّث الملهِم" Motivational Speaker، الذي يعمل هو الآخر حكواتيًا، يعمل على جني المكاسب المادية أو الرمزية من سرد هذه القصص والنظريات "الناظمة" للجهد الإنساني. قد يتطرّق لتجربة نجاحه الشخصية، رغم كون هذا الناجح –في بدايته على الأقل-معتمدًا على مجرّد ذكر نجاح الآخرين دونه.

أكثر من ذلك، نستطيع تتبع الخيوط في "الكتاب الأكثر مبيعًا،" ومحتل رفوف المكاتب؛ كتاب "السر" الذي يدور في الفلك نفسه، مع بعض الإضافات لـ "علمنة" هذه القصص وتقديم ما يُفتَرض أنه التفسير العلمي لحدوثها، في خلطٍ عجيب بين الماورائيات وقوانين الفيزياء المطبقة على الأمنيات.

ويطاول التوظيف هذا البرامج التلفزيونية أيضًا، وتخصّص برامج بأكملها لهذه "الحالات"، حيث يتوجّب علينا الإصغاء إلى تجارب الرياضيين والفنانين الذين سيبدأون، من مقاعد الأستوديو، رحلةً في الذاكرة، إلى الحي الفقير واللعب بدون الحذاء، ثم سيشرحون، بالتركيز على قوّة الإرادة والتوفيق من الله، كيف أصبحوا ضيوف حلقة اليوم. وكي تحقّق هذه القصص مصداقيةً أكبر، بدأت تدرج العادة على استضافة "أبطالٍ عاديين" بإنجازاتٍ أقل، كدخول جامعةٍ أو بدء مشروعٍ صغير.

ما يجمع الأبطال كلّهم، على اختلاف إنجازاتهم ومكانتهم، وعبر مختلف الوسائط، هو خصائص القصّة التي تحدثنا عنها. هو الاقتطاع ومن ثم التسطيح للواقع، بما يلائم المقصد والغاية التي تختلف بين القارئ والمُنتِج.


عن الغاية
ورغم أن حصر الغايات من هذه القصص أمرٌ صعب لاستحالة التعميم على نشاطٍ تمارسه نسبة كبيرةٍ من البشر، ولأن حسن النية بعفويتها تسهم دون قصدٍ في انتشار نشاطٍ كهذا، إلا أنه بالإمكان ذكر نوعين رئيسين يُساهمان في انتشارها.

فمن جهة القارئ المتأثّر، الذي يجد معنىً ما في هذه القصص، نستطيع إلى حدٍ ما تتبع حاجةٍ موغلةٍ في القدم، وهي الرغبة الإنسانية بالبحث عما ينظم هذا الكون، ويجعل من العذاب أو الألم والإخفاق والنجاح، وحتى الموت، جزئياتٍ منتظمة تشكل لوحةً أكبر، بحيث تدّعي هذه القصص أو رواتها، توفير نظرةٍ شاملةٍ لهذا الكل من منظورٍ خارجي شامل.

ولا شكّ أن هذه القصص لا تقوم بهذه المهمّة بالكامل، بل ترافقها في ذلك، سواء بمجرّد التجاور أو بالتعاون أحيانًا، أيديولوجيات معينة تُقدم تصوراتها عن العالم، مفسرةً إياه أو مدّعيةً معرفتها ما سيكون عليه. وبشكلٍ آخر فإن هذه القصص غالبًا ما تحمل سمات من الأيديولوجية السائدة في مكانٍ ما، معللةً وجودها بها.

في هذه الحالة، سيصبح فشل جوردان الأوّل ذا معنى للقارئ المعني إذا ما تعرّض لمصيبة هو الآخر، وسيتماهى مع بطله، بحيث يصبح هذا الانكسار تفصيلًا في مسار العظمة البياني، وإذا ما كان من المستبعد أن يرى في مأساته نعمةً فوريًا، فإنه على الأقل سيجدها أقل شدةً.

من جهةٍ أخرى، فإن مجمع ناشري ومؤلفي هذه القصص يعتمدون عليها لغاياتٍ عدّة، سواء بذاك الشكل الربحي المباشر الذي ذكرناه، أو أحيانًا على مدىً أبعد للإسهام في تكريس نظمٍ اجتماعية. فحين يؤمن أحدهم بأن "الامتحان" الكامن في القصّة، والذي سيجابهه هو أيضًا، ذو خلاصٍ فرديٍ ذاتي بالضرورة، فإن الظلم حينها لا وجود له خارج النفس. سيكون العالم، باضطراباته، مقسومًا إلى سلبيين وإيجابيين، إلى حالمين ومتشائمين، ويصبح بالتالي العالم الطوباوي، حيث نعيش جميعًا حياة النجوم، قابلًا للتحقيق بمجرّد "رغبتنا" بذلك، دون أي عوائق.

إن المشكلة مع بيع الأوهام هذا بأشكاله العدّة، المتماهي مع وسائل التواصل أو الذي يجري في قاعاتٍ مكيفة واستوديوهاتٍ أو ضمن الكتب، ليست مشكلة تفضيلاتٍ، أو اعتراضٍ على أشكال قصٍ أو عرضٍ رديئة، بل مشكلة فوارقٍ بين العقلية التبسيطية وبين تلك التي تحلّل وتجزئ ثم تعيد التركيب في محاولةً للفهم. بين وهم الفرد الخارق وبين الحقيقة القائلة باستحالة التعميم انطلاقًا من حالةٍ، والقفز فوق السياقين الاجتماعي والاقتصادي، أو إنكار علاقة تحسينهما بالنتائج الفردية، استسهالًا وإغفالًا حتى.

دلالات