الصناعة الثقافيّة: علم جمال التفاهة (3 - 5)
الصناعة الثقافيّة: علم جمال التفاهة (3 - 5)
(جدارية في فندق لينك/ لاس فيغاس، تصوير: جورج روز)


لا بد من التفريق بدقّة حين نتحدّث عن الصناعة الثقافية بين ثلاثة مفاهيم؛ ونرسم الحدود بينها، وهي المنتج الثقافي والثقافة الشعبية والعمل الفنيّ، فهذه الثلاثة تتداخل مع بعضها البعض ويصعب التفريق بينها، لكون المنتج يمكن أن يتنقل بين الثلاثة، ليتمّ تبنّيه من قبل أي واحد منها، وخصوصًا أن الكثير من المنتجات يمكن أن تعكس الثلاثة السابقة بحيث تتفاوت القيمة بينها، لكن ما يجب التأكيد عليه أن المنتج الثقافي يتبنى السياسي أولًا، ويعكس أنساق وأنظمة اقتصاديّة ويشعرنها، خالقًا الوهم بأنه لا يمكن تغييرها من جهة وبأنها "طبيعيّة" من جهة أخرى.

تكمن إشكاليّة المنتجات الثقافية في أنها محمّلة بالقيم السياسية والأيديولوجيّة، والتي تهدّد حضور الثقافة الشعبية لتستبدلها بأنماط إنتاج وعلاقات تخدم الاستهلاك، بحيث تفقد المجتمعات الفرعية وشبه الفرعية تمايزها، لتتبنى أنماط علاقات مغايرة تسهم في تلاشي خصائصها الثقافية، في سبيل خلق "uniform" ينضوي تحته الجميع بوصفهم متشابهين في الخصائص ما يسهّل السيطرة عليهم والتلاعب بهم، كحالة الرؤية الدينية عبر تقسيم الأفراد وتوزيعاتهم ضمن المجتمع و"تطبيع" علاقاتهم.

هذه النمذجة للثقافة الشعبيّة تتمثّل في المنطقة مثلًا بمسلسلات البيئة التاريخيّة، أو ما يسمى "البيئة الشاميّة"، والتي تعيد تشكيل الثقافة الشعبيّة وتتبنى لها خصائص جديدة، بحيث تفقدها أصالتها وتستبدلها بأخرى مبتذلة وأحيانًا كاذبة، لكنها تخدم الاستهلاك، ويجب الانتباه إلى أن الثقافة الجماهيرية لا تعني ثقافة الجماهير وما يمثلهم، فثقافة الجماهير من إنتاجهم، وليست مفروضة عليهم عبر قنوات الاتصال والتلقي.

يستبدل المنتج الثقافي أيضًا الخبرة الفنية بالخبرة الاستهلاكية، إذ يحددّ الأنساق المتّفق عليها ويكرّسها، هذه الأنساق تعيد إنتاج نفسها وتتلاعب بالمنتجين والفاعلين في الفضاء العام لنرى أنفسنا أمام كم هائل من المنتجات.

هذه الصيغة تنتقل للمنتج الفنيّ، ليمارس الفن والأدب في حدّ ذاته دورًا في الهيمنة وخلق الوعي الزائف، وتقليد هذه الأنظمة عبر تبني الأشكال الاستهلاكية، لنرى أنفسنا أمام كم هائل من التفاهة المكرسّة سياسيًا، لا ينفي أن هناك بعض الأعمال التي تحمل قيمة جمالية ما، إلا أن أنظمة الهيمنة والتكريس هذه تشرعن الأعمال وتروّج لها كونها سياسية، لا تمت لـ"الشعر" أو "الفن" بصلة بوصفهما صنعة وأداءً، بل مجرّد محاكاة للأشكال المتبادلة حتى لو كان الأصل ذا قيمة، هذه المحاكاة والاعتراف بها هي نتيجة للوعي الزائف الذي تقدّمه أنظمة " الاستلاب"، فالإشكالية لا تكمن أن الجميع يكتب الشعر، المشكلة أن الجميع شعراء.

يحضر التأثير السياسي أيضًا لهذه المنتجات عبر ما تختزله مقولة أدورنو الشهيرة " كتابة الشعر بعد أوشفيتز فعل بربري"، هذه العبارة تُفسّر مجازيًا بوصفها رد فعل عميقاً على السياسة والأشكال والمنتجات الثقافية وتقنيات التعبير عنها كونها تنتمي إلى أنظمة بربريّة أنتجت ماكينة موت كأوشفيتز، وقبول هذه الأشكال واستخدام لغتها وتقنيات خطاب خاص بها هو مشاركة في المحرقة.



فهذه البنى وأنظمة التشفير التي تنتج نصوصًا بوصفها "شعرية" أو "أدبيّة" هي نصوص وليدة أنظمة لا إنسانيّة، وهذا مشابه لأغلب الأشكال الفنية السياسية سواء الناتجة عن سلطة قمعية أو سلطة مضادة لها، هي نصوص سياسيّة، هي لا تنشأ من مرجعية ودراية بالصنعة الشعرية والفنية، بل هي تكريس لخطاب الصناعة الثقافيّة بوجهها السياسي.

تتجلّى صورة أخرى للصناعة الثقافيّة بانتشار الكيتش، بوصفه حاضرًا ومتبادلًا ويخلق حسًا بالانتماء، فالكيتش منتج ذو شكل فنّي يوزع بصورة جماهيرية أشبه باللوحات المبتذلة التي نراها في الصالونات، وهو منتج مستهلك يمكن للجميع امتلاكه وتصنعه آلات بصورة متطابقة، لا هالة له لأنه ملك الجميع، هو ذو قيمة تزيينيّة عاطفية لتحسين المظهر، بالرغم من السخرية التي يمتلكها الكيتش من أشكال الهيمنة الفنيّة، لكن ترسيخه على أنه صيغة أصيلة "يشتريها" الجميع من أجل الانتماء يؤكّد على طغيان الهيمنة السياسية والجمالية فالكيتش يحضر في المنازل وصفحات الفيسبوك وغيره بوصفه رمزًا للانتماء الاستهلاكي من جهة، وامتلاك الذوق الفنّي من جهة أخرى، حتى أنه يغدو أحيانًا هدفًا للمحاكاة الفنيّة بوصفه "متفرّدا"، بعكس الباستيش، الذي يحتفي بالعمل الفنيّ دون انتقاده.

النتائج الأخرى المرتبطة بهذه الصناعة تجعل الكثير من المنتجات الفنيّة تبتعد عن التجربة الأدبية والفنية بوصفها لا تنتقدها، لا تدمّر قدسيتها، هي لا تنتمي لتاريخ الفن أو الأدب في سبيل نزع القداسة عنها عبر تقنيات البارودي والوسائط المتعدّدة وغيرها، بل هي أقرب لتعليقات على نصوص أخرى أو محاكاة أشكالها، هي نتاج تجربة مشرذمة fragmnteed، و"خبرة" في تصفح الاقتباسات وأنصاف النصوص ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والتعليقات عليها، إذ لا توجد "صنعة" بل مجّرد ساعات طويلة من الاستهلاك.