الفلسطيني سينمائياً... حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ العدى(2)
الفلسطيني سينمائياً... حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ العدى(2)
رشيد مشهراوي مخرج فيلم انتظار (Getty)
تجلس المذيعة الفلسطينية بيسان نصار أمام كاميرا التصوير التي ستستخدم لتسجيل اختبارات الممثلين وتبدأ الحديث: "عرض الرئيس الأميركي أن.. ودعمت المجموعة الأوروبية ذلك باقتناع. قررت الأمم المتحدة أن تتبع ذلك بحماسة. وافقت الجامعة العربية على الفور. أبدى رئيس الوزراء الفلسطيني تحفظه ووضع رئيس الوزراء الإسرائيلي شروطاً وطرح الرئيس الفلسطيني علامات استفهام..".

لقد حاول سكان المخيمات استغلال وجود كاميرا من "الأراضي المحررة" لإيصال أصواتهم وصورهم إلى أهاليهم هناك، عبر تحايا وكلمات تهنئة وأخبار بجديد العائلات وغيرها، في مشاهد مؤثرة تكشف مدى بساطة الانتظارات الشعبية التي تتحول في الوضع الفلسطيني إلى انتظارات مستحيلة وغير ممكنة الحدوث من جهة، وكذلك درجات السخط والاحتقان التي يعيشها اللاجئون من جهة أخرى.

وكم كان مؤثراً ومعبراً ذاك الكلام الذي وجهته إحدى اللاجئات من سورية إلى زوجها رجل الشرطة في أجهزة السلطة: "أتابع الأخبار كل يوم. وكلما سمعت بوجود وساطة عربية أطلب من الله الستر...". دفنت المبادرة العربية سيدتي وغادرنا صاحبها إلى الدار الآخرة وفشلت كل الوساطات، عربية كانت أو أجنبية، وانقسم الوطن ومعه السلطة إلى شطرين، ليرتهن مصير الشتات بتسوية غير قريبة للداخل المتصارع على الفتات.


كان الحلم وطنا من النهر إلى البحر، ولأجله استنفرت الخيل ورفعت البنادق وابتدعت أشكال نضال ومقاومة متجددة في وجه الحركة الصهيونية المحتلة لعشرات السنوات، شكلت ملحمة معاصرة في الصمود أمام سياسة تجريف كاملة لم تفرق بين الأرض والإنسان والحيوان.

انتهى الكفاح أو هكذا يراد لنا أن نعتقد باتفاقيات دولية وقعت بأوسلو معلنة "انتهاء" الصراع، على وقع خرائط قسمت فلسطين التاريخية ومنحت شرعية الوجود لإسرائيل، فعاد من عاد وأسست سلطة فلسطينية وجدت أمامها تحدي فك طلاسم الخرائط التي جعلت أرض فلسطين وكأنها شبكة كلمات متقاطعة بحروف الأبجدية ألفا وباء وجيما تفصلها حواجز إسرائيلية، عنوان المهانة وهدر الكرامة الإنسانية.

المفارقة الكبرى في الفيلم تجلت في تحول البحث عن مشاهد للانتظار إلى انتظار فعلي لا علاقة له بالتمثيل. لقد اتخذ المخرج قراره بالتصوير في قاعات انتظار، احتجاجاً على تحويل المجموعة الأوروبية جزءاً من ميزانية بناء المسرح إلى شراء معدات طبية وسيارات إسعاف، بالنظر إلى الحاجيات الآنية للشعب الفلسطيني المحاصر. هكذا أصبح لزاماً على المشرفين على ورش بناء المسرح انتظار إقرار ميزانية جديدة لاستئناف أعمال التشييد.

تعود المذيعة بيسان نصار للجلوس أمام الكاميرا لتسترسل في الحديث: "جدد الرئيس الأميركي ثقته في مشروع السلام. أبدى تفاؤله الرئيس الحالي لمجلس المجموعة الأوروبية. أعرب البابا عن أمله في سلام دائم. جدد رئيس الحكومة الإسرائيلية أن الحلول لم تفقد كلها. كما أعلن مسؤول فلسطيني رفيع المستوى بأن الأمل ما يزال مستمرا. صرح الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن الحالة ليست مقطوعة الأمل. وأخيراً، وباتفاق مشترك أجلت جميع القضايا العالقة إلى أمد غير محدد...".

إنه تلخيص مدقق للحالة الفلسطينية لما بعد توقيع اتفاقيات أوسلو حيث المفاوضات مستمرة منذ ربع قرن تقريباً من دون تحقيق أي اختراق فعلي على الأرض. مات الرئيس ياسر عرفات أو قتل وجاء بعده أبو مازن، فازت حماس بانتخابات المجلس التشريعي وانتهى بها المطاف تدير قطاع غزة الذي عاش على إيقاع الحرب الإسرائيلية جولات عدة. اختفى كثير من الوجوه التي اعتلت مع أوسلو المنابر والشاشات. لكن الوضع الإقليمي الملتبس قد يمنحها، على ما يبدو مخططاً له، فرصة "العودة" من جديد إلى المشهد بعد أن طال "الانتظار".

في المشهد أيضاً تلخيص للنتيجة النهائية لأبطال "انتظار". فبيسان لا تزال في انتظار أبيها الذي بحثت عنه في لبنان، وزوجة والدها في انتظار عودته من سورية التي انتقل إليها منذ أشهر، أما المصور لوميير فسيضطر لانتظار عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم للقاء أنوار التي ربطته بها علاقة عاطفية خلال أيام التصوير. والأنكى أن الثلاثة تحولوا للاجئين "مؤقتين" بعد اندلاع عمليات عسكرية كبرى بالأراضي الفلسطينية، وهم موجودون في أحد المخيمات. وبدل تحقيق حلم العودة إلى الوطن، والذي كان المحفز الأساسي لعدد كبير من المترشحين، سيضاف انتظارهم تأسيس الفرقة الوطنية للمسرح الفلسطيني إلى لائحة الانتظارات التي شغلت حيواتهم منذ الميلاد.

والمسرح الفلسطيني كما الدولة تحول لحلم بعيد المنال حد الوهم. ففي حوار بين المخرج أحمد وأحد سكان المخيم حيث تابعوا أخبار الغارات الجوية على غزة نسمع الحديث الآتي:
أحمد: هل تحدثوا عن المسرح؟
الشخص: 15 شهيداً.
أحمد: عن المسرح، عن المسرح؟
الشخص: عدد كبير من الجرحى...

بعد أكثر من عشر سنوات من إنتاج الفيلم، صار أبناء الضفة الغربية يكتفون بمتابعة صور الحرب على غزة عبر التلفزيون، وإن تحركوا يشعلون شموع التضامن مع الغزيين وكأنهم أبناء دولة أخرى. كذلك صارت أخبار فلسطين مجرد تكملة لنشرات الأخبار أو نوعاً من "رفع العتب" على هيئات التحرير. ومع كل هذه الكوميديا السوداء التي أصبحت تلف القضية وأطرافها يتواصل "انتظار" المجهول... إلى ما لا نهاية.

لم يعد الزمن زمن انتظار فقط بل صار زمن الانقسام وزمن المتاجرة بالشعارات والتنافس على رفع الصوت وتجييش العواطف في استغلال فاضح لنضالات ومسيرة كفاحية شكلت علامة مضيئة في التاريخ الإنساني المعاصر ومدرسة استلهمت كثير من الشعوب الرازحة تحت نير الاحتلال بعضاً من أساليبها وطرق اشتغالها. لقد صارت رمزية الحركة الكفاحية الفلسطينية مجرد تراث يتصارع أبناء الوطن الواحد على احتكار الحديث باسمه والانتساب الفصائلي إليه.

محفظة "ستيريو" تشمل سيديهات لكل الأذواق والتنظيمات والفصائل والمناسبات. من الأعراس والحفلات مروراً بالمؤتمرات الرسمية والفصائلية وانتهاء بالمحطات النضالية التاريخية، من يوم الشهيد إلى ذكرى انطلاق الثورة وتظاهرات الاحتجاج على إقامة الجدار العنصري. لم يغب عن محفظة ستيريو غير النشيد الوطني الفلسطيني الذي ضاع في خضم الحروب الصغيرة بين الفصائل والانتماءات الحزبية الضيقة التي أضاعت الوطن. وفي إحدى الفعاليات لم يجد ستيريو غير كوب فارغ وملعقة صغيرة لعزف النشيد الوطني بطريقة كاريكاتورية معبرة عن واقع التشرذم الفلسطيني وتأثيراته على حاضر الوطن ومستقبله.

في مشهد آخر يتحدّث صاحب محل تأجير معدات الصوت إلى ميلاد قائلاً: إذا بلشت المفاوضات المباشرة معناه كل يوم ندوة، مظاهرة، مواجهات واشتباكات. احنا بنعيش من ايلي بيأيد وايلي بيعارض وايلي بيفاوض، زي القاضي الشرعي: ايلي بيتزوج بيدفع وايلي بيطلق بيدفع. منشار طالع ماكل راجع ماكل..

هي فلسفة لها مريدوها وشيوخها. وفي الوقت الذي ظن فيه كثيرون من أصحاب القضية قبل أعدائها، أن أكثر من عشرين سنة من مفاوضات التسويف التي انتهت إلى تثبيت وضع قائم على القبول بالعيش مقابل استمرار مسلسل الإذلال، قضت على جذوة الثورة لدى الشباب الفلسطيني قبل الكهول والشيوخ، خرج جيل أوسلو وما بعده للتوقيع على شهادة حياة مجتمع فلسطيني لا يكف عن ابتداع الوسائل لمقاومة جنود ومستوطني الاحتلال، ولو استدعى الأمر سل السكاكين من مطابخها وتحويلها إلى سلاح فتاك يعيد للقضية وهجها ويعيد لها المكانة في الضمير الجمعي الإنساني قبل عناوين قاعات التحرير والأخبار. والكلمة السر: المفاجأة.