الحمّام البلدي في القاهرة.. دخوله ليس كخروجه
الحمّام البلدي في القاهرة.. دخوله ليس كخروجه
هناك انطباع دافئ يبقى لديك بعد الخروج من الحمّام(فيسبوك)
"مدينتَك لن تكون مُكتملة حقاً، إلا لو أصبح بها حمّام" هكذا تحكي شهرزاد، في حكاية أبو صير وأبو قير، من ألف ليلة وليلة الشهيرة، تدور الحكاية بأكملها من وَحي بأهميّة الحمام العام، في بلدة لا تعرف الحمّامات، ويكتسب أبو صير مكانته من إنشائه حمّاماً كبيراً في البلدة.

اشتهرت القاهرة على مدار تاريخها، بكثرة الحمّامات العامّة، أو ما يطلق عليه اليوم "الحمّام البلدي"، مكان واسع ذو قباب عالية، وله سراديب وممرات ومعمار قديم مُميّز، يستمد قيمته من طقوس اجتماعيّة أخرى إلى جانب النظافة اليوميّة والتجمُّل، ينقل كتاب الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، لزكي محمد حسن، عن عبد اللطيف البغدادي قوله عن الحمامات القاهريّة: "لم أشاهد أتقن منها وصفاً ولا أتم حكمة ولا أحسن منظراً ومخبراً"، واصفاً إياها بالأكثر جمالاً في الشرق.

كان الأمر مُثيراً لفضولي، أنا من جيل لم يعرف بوجود الحمّامات العامّة إلا من الروايات والأفلام، لم كُل هذا الاهتمام؟ وما المميّز في تجربة الحمام البلدي، أو يفرقها عن السبا spa في مراكز التجميل المُنتشرة في أرقى أحياء القاهرة؟


في إحدى الحواري المتفرّعة من شارع الأنصاري، في بولاق أبو العلا، يقع حمام عوكل، الشهير باسم حمّام الأربع، الحمام ذو المساحة الهائلة يقع في حارة ضيّقة جداً لا تكاد تصدّق أنها تستوعب حماماً بهذا الحجم، فضلاً عن وِرش الحِدادة التي تنتشر قبله، كما أن منافسه العتيد حمّام مشمش والشهير بحمّام التلات، يقع في مساحة كبيرة مماثلة على مرمى حجر.

المدخل فخم جداً بالمعايير الشعبيّة التي تُظهر احتفاءً بكُل ما يمكن وضعه في المدخل، تماثيل فرعونيّة مقلّدة، زرع طبيعي وزرع صناعي، آيات قرآنية، صورة كبيرة للحاج عوكل، والذي يتكرر على مداخل الحارات والممرات التي تقودك إلى الحمام، مخبرةً إياّك أنّك تسير في الطريق الصحيح.

الحمام يفتح أبوابه صباحاً للسيدات من السابعة وحتى الخامسة، ومن السادسة حتى الفجر للرجال فقط. تديره حبيبة وأم حبيبة، التي لم أرها يومها لكني رأيتها في زيارة أخرى، حبيبة تدير الأمور بدون جَلبة، فقط نداءات من حين لآخر للعاملات بأن يسرعوا و"يشهّلوا شوية"، ومتابعة الطلبات اليومية للمواد المستخدمة في الحمّام.

الأسعار بالطبع أرخص بكثير من مثيلاتها في مراكز التجميل، تذهب سيدات المنطقة والمناطق المجاورة إليه كروتين طبيعي، كل أسبوع أو كلما سمحت الظروف، لإزالة الشعر وتكييس وفرك الجلد ورسم الحنّة، الحنّة طقس أساسي بعد الحمّام، سودانيات ومصريات يعملن يومياً ويرسمن بدقّة وفن شديدين الرسومات التي تأتي بها الفتيات والسيدات من الإنترنت لتقليدها. بالطبع هناك معاملة خاصة للعروس، اهتمام خاص وسعر أعلى، وانتظار لـ"حلاوة" أكبر من كُل عاملة تتعامل مع جسدها.

الحمّام عبارة عن صالة واسعة للاستقبال في منتصفها نافورة كبيرة، تتفرّع منها ممرّات تقود إلى غرفة تغيير الملابس والدواليب اسمها "المسلَخ"، معمار الحمّام بقِي كما هوَ منذ مئات السنين، تم تجديده ليلائم نظم الصرف الصحي الحديثة، وطبعاً لمسات المعلّم عوكل، القيشاني والمرايات وصور كبيرة له، وتحية للحاج أشرف لأنه صاحب صاحبه، وحوض سمك عملاق، تختفي خلفه صالة الزوار المهمّين، والتي تستخدم الآن في رسم الحنّة.

بعدها ممر آخر، إلى قاعة للبخار، يتم تمهيد الجسم فيها للقادم، ثم بيت الحرارة الذي تقع في منتصفه مصطبة حجريّة تتوسطّها نافورة للفرك والتكييس، ثم الساونا، ثم المغطس شديد السخونة.

كما تقول "إيف جاندوسي" في كتابها المشترك "آخر حمّامات القاهرة، اندثار ثقافة" مع مي التلمساني والمصوّر باسكال مونييه، "الحمام ليس فقط سؤالاً يتعلّق بالنظافة الشخصيّة، وإنما ممارسة جماعيّة، طقس اجتماعي، خطوة تجاه الآخر، رغبة في الإرضاء، استراتيجيّة للإغواء، وعمليّة تبادليّة".

الحمامجيّة هناك يتحدّثون في أي شيء وكُل شيء بالفعل! الإشارات الجنسيّة والنكات والضحكات العاليَة، بالطبع كل سيّدة تسأل عن حواجب الأخرى، أو عن لون شعرها، أو عن رسمة الحنّة أو الوشم، يتبادلون الخبرات، ويتبادلون الحكايات أيضاً، حكايات عن أزواجهن، وعن تفضيلاتهم في الليالي الهنيّة، الأحاديث غالباً تبدأ من المسلخ، وتمتد عند إزالة الشعر، وتصل لذروتها في بيت الحرارة، بينما المغطس والساونا يميّزهما الهدوء والاسترخاء أكثر.

هناك حميميّة لا يمكن الهروب منها، فارق طبقي ضئيل بين الحمامجيّة والزبونة، يجعل من السهل الحديث عن أشد الأشياء خصوصيّة. ذُكر في الروايات الأدبيّة أن الحمام كان مكاناً مُفضّلاً للدلالة وللخاطبة أيضاً، البنت يمكن أن تحصل على عريس والمطلّقة والأرملة على فرصة ثانية، حيث يتم استعراض الجسد في غياب الضوابط الاجتماعيّة التقليديّة، والاطمئنان على قيمته وخضوعه لتفضيلات زوج المستقبل.

جدّد محمد عوكل الحمّام الممتد تاريخه لأكثر من خمسمائة عام، طبقاً لروايته في الكتاب، بعد سبعة عشر عاماً من انهيار الأسقف، كان مقلب قمامة تقريباً، نظّفه وأصلح الصرف الصحي، ويوماً بعد يوم، بدأت الحياة تدب في الجدران، وعندما رأى الماء يجري في المغطس لأول مرّة، بكَى.

لم يبخل عليه بالدعاية، لافتات كبيرة في مداخل الحارات، كروت ونتائج ودعاية وبوسترات، تجديد دائم للديكور، الصور التي في الكتاب للحمّام اختلفت الآن منذ عام 2009، فقام بتجديده وإضافة المزيد من لمساته على المدخل، وعلى مكتبه الفخم في أعلى صالة الاستقبال.



من بين 365 حماماً بناها حكام وسلاطين وأمراء الرومان والفاطميين والعثمانيين والمماليك - ليُصبح بالقاهرة حمام لكُل يوم من أيام السنة بحسب رواية أحد الحمامجيّة - لم يتبقَ إلا 7 حمامات عامة تتبع وزارة الآثار، وتشرف على ترميمها، وفقاً للإحصاءات الرسمية. وتوجد 4 حمامات أخرى تتبع وزارة الأوقاف، ويديرها الأهالي بنظام الإيجار الدائم، منها حمام الثلاثاء بالحسينية، وحمّام مشمش وحمّام عوكل في بولاق أبو العلا، وحمام باب البحر في باب الشعريّة.

في جولة إيف جاندوسي، ومي التلمساني في الحمامات المُتبقيّة، بورتريهات بين القلّة المتبقيّة من الحمامجيّة، وحكاياتهم عن مهنتهم القديمة، يبدو ما حكوه قريباً من "بطّة" الحمامجيّة في حمام الأربع، و"غزالة" البلّانة، هن من يُضفن هذه القيمة الاجتماعية للحمام، بخلق مساحة غير اعتياديّة لتبادل الأخبار والحكايات، حيث "العُرى والمحادثات لا يُمكن فصلهما، كما يمنح هذا بعض الشرعيّة لاستراق النظر إلى الأجساد العارية، بما يجعله مقبولاً اجتماعياً، مُتمحكاً في نُبل طقس التنظيف" والذي هنا في الحمّام، يتخذ أبعاداً إيروتيكيّة تماماً، فهناك رجل ينتظر، والسيدات لا يخجلن من هذهِ الحقيقة أو يحاولن مُداراتها، بالعكس، إحداهن كانت حاملًا في توأمها الثاني، بعد ستة أولاد، وجاءت لتحافظ على نظافة جسدها ورونقه لـ "رجُلها".

فيما يبدو اختلافاً جذرياً مع مراكز التجميل، والتي يُمكن اعتبارها "مُغامرة فرديّة" تُميّز طبقة أعلى، لا ضرورة لوجود الرجل الذي ينتظر، فربما تكون البنت غير متزوّجة أو لا توجد علاقة في حياتها، تذهب إلى هناك من باب الاسترخاء والانغماس في تدليل النفس، التمتُّع بالرفاهيّات التي يكفُلها مستوى الدخل العالي، والذي يجعل من الخدمة المُقدّمة في السبا، خدمة احترافيّة ما بعد حداثيّة، تهدم هذا العالم التقليدي المُغرق في المحليّة، وتقدّم خدمة تستهدف السوق كلّه وليس مجرد الحي أو المنطقة، وتنافس لتطوير الخدمة لتُقارب معايير الجودة الغربيّة، فيُوظّف عاملات آسيويات مثلاً ليتخصصن في المساج أو في نسخ الحمام المغربي، ويُرفع مستوى الخِدمة بإلزامهن الصمت، وأن يتعاملن بأدب الخادمات، يُساعد في هذا الفرق الطبقي الرهيب بين العاملة والزبونة، حيث لا يُمكنها أن تجترأ على حياة سيّدتها الخاصة، والتي يجب أن تتمتّع بالخدمة كاملة، بما فيها مجهوليّتها بالنسبة للعاملات، قد تكون قادمة من نفس المنطقة التي يقع فيها السبا أو من الجانب الآخر للعاصمة، لا فارق، بينما في الحمّام، تعرف السيدات سواء العاملات أو الزبونات الدائمات، الداخلات الجُدد فوراً، جاعلات جزءاً من وجود الحمّام البلدي ومُتعته، هذا الإرث القادم من ما قبل الحداثة، كونه نشاطاً اجتماعياً بديلاً للنوادي والمقاهي، ساحة تصلُح للحكي وتناول القهوة والتصالح مع الجسد ومع كُل ما يتعلّق به، بداية من نظافته، وحتّى استداراته وتفضيلات الرجال فيه.

هناك انطباع دافئ يبقى لديك بعد الخروج من الحمّام، إلى جانب الجسد الذي يخرُج بكامل بهائه، ستشعر أن مكوناً قديماً من روحِك بقي هناك، ويريد العودة مرّة أخرى، أو كما يقولون: "دخول الحمّام، مش زي خروجُه"