Humans of New York.. ملاذ الإنسانية الوردي

سيبتسم جزءٌ كبير من مستخدمي السوشال ميديا إذا ما عرضت عليهم صورة أخرى لطفلٍ مريض يمكن لإعجابهم بها أن ينقذ حياته، وسيقولون إنها خدعة رخيصة ولى زمن تصديقها.

لن تختلف إجابتهم أيضًا إذا ما حاولت إقناعهم بأن دخول الجنة مثلًا أو كسب الحسنات يحدث بنفس الآلية. من المُحال إذن لابتزازٍ عاطفي بهذا الغباء والبساطة أن ينطلي على المستخدم الذي بات يعرف أن الطفل المريض بالسرطان ليس حاضرًا أمامه، إنما مجرد صورةٍ له، ربما تكون قد سُرِقت لغرضٍ ساقط.

لكن ماذا عن أشكال الاحتيال الأكثر إحكامًا، تلك التي لا يكون الابتزاز فيها ببساطة: اضغط "لايك" وراقب النتيجة، ويحاول فيها المبتز أن يقدم لنا الفرد لا صورته، عبر الصورة ذاتها، لكن بحقوق ملكية وتوثيقٍ بمقطعٍ سطحيٍ عنه؟ تلك التي تقنعنا أننا قمنا بشيء وتبيعنا صكوك "الشعور الحسن".

في عام 2010، بدأ براندون ستانتون مشروعه، مدونة "أناس نيويورك Humans of New York" وطرحه تحت مسمى المحاولة البريئة لمجرد "سرد القصص" وتوثيق ما يلفت النظر في التفاحة الكبيرة وعند سكانها، بحيادية كاملة. أما اليوم، للمشروع امتداده العملاق على صفحات التواصل الاجتماعي، وكتابان من فئة الـ Best Seller وقيمة رمزية للمشروع ولصاحبه، الإنسان، الباحث عن الحقيقة، الذي يعرف انتشالها من الأحياء الفقيرة ومقاعد الحدائق ومخيمات اللجوء، في نيويورك وحتى خارجها، ويقدمها لنا بصرف النظر عما هي فعلًا، وكيف يفترض أن نستجيب لها.


الإنسان العاطفي
على الرغم من الموضوعية التي يحاول ستانتون وسم ما يوثقه بها، بحيث تبدو القصص طازجةً، من الشارع إلى المتلقي عبر عدسةٍ أمينة، إلا أن مرورًا على هذه القصص بشكلٍ متسلسل مستمر يوضح العكس فورًا. ما يجمع هذه القصص، باختلاف شخوصها، هو نفس الطريقة العاطفية، البلهاء، التي تُقدم بها.

لكل شخصٍ في نيويورك، أو في المدن العشرين التي زارها ستانتون، قصةٌ ملهمة يرويها الطفل والعجوز والمرأة، كأنهم جميعًا أبطال فيلمٍ ذي سيناريو تمادى كاتبه في الحذلقة. ورغم أن أشخاص HONY كائناتٌ من لحم ودم، مثل من لم تطلهم عدسة الكاميرا، إلا أنهم يستطيعون الخروج بالعبرة البراقة من معترك حيواتهم دائمًا. لا أحد بينهم يتحدث مثلنا، لا أحد بينهم يتفوه بالأحاديث اليومية أو يثرثر، كما نفعل نحن.

علاوةً على الخرق الأساسي لشرط العمل هذا، فإن طريقة العرض الممسوخة هذه تُضِر الاستجابة عند المتلقي سواء شعر أم لا؛ فهو منجذبٌ لها، غافل عن المأساة التي تلحق بالشخصية ومهتمٌ أكثر بالعبرة، ومن ثم التعليق بنفس الطريقة عن الأثر الذي أحدثته القصة في نفسه وشكر الصفحة لتسليطها الضوء على القصة. وهنا يمكن أن نسأل أنفسنا: ماذا بعد؟ هل كانت المأساة المعروضة أمامنا مجرد محرض لأحدهم على بدء يومه بإيجابية في ستار باكس، ربما؟

إن أسلوب HONY، الذي يسلب الأشخاص حقهم في التعبير، لا ينتج إلا قصصاً مسطحة، تافهة، مخصصة لجمهور التواصل الاجتماعي الذي يضجر بسرعة، تعجز عن نقل برود الشارع الذي يسكنه مشردٌ ما، أو ظروف السكن اللاإنسانية التي يُجبَر اللاجئون في مخيم الزعتري على تحملها كل يوم. بل على العكس، تهدف هذه القصص إلى طمس كل الحقائق، فما دام أي بائسٍ على وجه هذه الأرض قادرًا على التفوه بالحكم والابتسام للكاميرا، من المستحيل أن يكون رهين ظرفٍ يهدد حياته أو يعكر صفوها، بل على العكس، يُمكِن أن نعتبره محظوظًا، ظروفه على سوئها دفعت الحكيم داخله ليظهر. وبالتالي كجمهورٍ إنساني لصفحةٍ إنسانية، سنطالبه بالمزيد وندعمه في رحلته المعرفية هذه.

قد نطالب بين الفترة والأخرى، ببالغ التجريد، بإيقاف البؤس في هذا العالم وإنهاء الحروب ونشر السلام، دون تطرقٍ للمسببات، من دون حديثٍ عن آلياتٍ لكبح كل هذا العنف، لأننا –ومعنا ستانتون- نلتزم موضوعيةً ما، وسياسة ألا يكون هناك سياسة.

والمضحك، أن بند النأي بالنفس هذا، على جدليته، فشل ستانتون بالإبقاء عليه. ففي عام 2012 وبينما كان يصور فتاةً سودانية في نيويورك، تحرش بها رجل دين يهودي. لم يفعل ستانتون أي شيء، بل أكمل توثيقه ونشر بعدها ما حدث. لم يمضِ وقت طويل قبل أن يتعرض للضغط كي يحذف الصورة لوجود رجل دينٍ فيها، وانصاع بكل هدوء، منحازاً بشكلٍ أو بآخر، ماحياً ما حدث فعلاً في نيويورك، ويمكن أن يحدث كل يوم. كما يُعرَف عن الصفحة حذف التعليقات أو الردود التي تعتبرها "غير مناسبة"، والتي تخرق أحياناً الجو الوردي القائم بين الصفحة وجمهورها.


خارج نيويورك، إلى العالم  
تعاون ستانتون في عام 2014، بعد أن بات شخصيةً مؤثرة، مع الأمم المتحدة وبرنامجها لـ "الأهداف الإنمائية للألفية" الذي كان يُفتَرض أن يحقق نتائجه عام 2015، (كان يُفتَرض، لكنه استبدل ببرنامج أهداف التنمية المستدامة، الذي يمتد جدوله حتى عام 2030 هذه المرة وربما يشارك فيه ستانتون مرة أو اثنتين). عمل وقتها القائم على "كاتالوج نيويورك" بالتعاون مع قوة الخير الزرقاء على المرور بـ 11 بلدًا، لنشر الوعي والمعرفة تجاه قضايا كمحاربة الفقر والأمية ونشر المساواة بين الجنسين عبر توثيق المستهدفين من هذه البرامج في دولٍ كالعراق والأردن وأوغندا والسودان، وخرج بإضافاتٍ تغني مسيرته، يكملها اليوم في كولومبيا.

وإذا ما أهملنا –بقصد التركيز- نتيجةً بحجم أن المشروع نفسه أخفق في تحقيق الأهداف المرجوة، فإننا سنعثر على نتائج أخرى لا تقل أهمية.

بدايةً، سيفاجأ القارئ بعقلٍ كونيٍ عملاق نملك كلنا نسخًا منه، يدفعنا للتحدث بنفس الطريقة التي أسلفت في الحديث عنها، ويؤكد ذلك ستانتون في حديث له عن الجولة، حين يكتشف تشابه الناس في نيويورك مع أولئك الذين زارهم، مع بعض الفوارق في نسب المعاناة.

ووفقاً لهذا، فإن السوري الهارب من جحيم الحرب يستطيع أن يُتحِف القارئ الغربي بنفس براعة الأميركي ويدغدغه بنفس الشدة، حتى أن إحدى الأسر العراقية التي قابلها ستانتون، والتي تعاني الأمرين، لا يجد الأبوين فيها معاناةً أهم من "البيئة المحافظة" التي يسكنان فيها بحيث تصبح هي الخطر، لا الحرب. وعوضًا عن ذكر أي شيءٍ آخر يتحدثان عن سعيهما لأخذ أطفالهما إلى المول والحفلات الفنية لتنميتهم، فهل هناك ما هو ألطف؟

ثانيًا، ومنذ البداية، فإن اختيار ستانتون العمل في برنامجٍ كهذا مع الأمم المتحدة دليل انحياز يرفض الاعتراف به، وإمعانٌ في الخطاب الذي لا يحل عقدة أو يروي ظمًأ وجل ما يسعى إليه هو إبقاء الأمور على نصابها عبر جهودٍ شكلية وتكريسٌ للسياسة القائلة إن لا حل للمناطق البائسة في الأرض إلا عبر تدخل رجل العالم الأول، ولو بشكلٍ "إنساني غير حكومي".


ممارسًا للعمل الخيري
لا شك في أن أول ورقة يُمكِن أن تُلعَب دفاعًا عن ستانتون هي ورقة "الأثر". من السهولة لأيٍ كان أن يبدأ بتعداد حملات التبرع التي قام بها ستانتون أو شخصٌ آخر متأثراً بقصةٍ ما في HONY. ولما كانت هذه الحملات ذات أثرٍ إيجابي بشكلٍ آنيٍ مباشر، إلا أنها في الواقع -ودون التطرق لقلتها-تخلق حالةً من الرضا المزيف لدى المتلقي أو المتبرع، الذي يعجز بعد فترة عن فهم الفرق بين المثال والحالة الفردية، حيث يتحول جمع بضع آلاف من الدولارات دعمًا لأحدهم من عملٍ فردي إلى حلٍ لمشكلة المحتاجين كلهم، وتصبح إغاثة عائلة سورية كفيلةً بطمأنة متبرعٍ أن واجبه تجاه مأساةٍ بأكملها قد انتهى. بل وعلى نطاقٍ أوسع، فإن أعمالًا كهذه تُجهِض أي مطالب بإصلاحٍ على المستويين السياسي والاقتصادي الدوليين، لتُستبدل بحسنات الأفراد التي مهما عظمت تبقى بلا أي معنى إذا ما نُظِر إليها ضمن السياق الذي يحويها ويضر أكثر ما ينفع، جاعلًا جمع الحسنات لتخفيف آثاره أمرًا مستحيلًا.


عدسات لكل المدن، عدسات لكل الناس
إن ما يعنينا من هذه الظاهرة كثير، سواء لزيارة ستانتون إلى بلدانٍ عربية أو لكون أيٍ منا يعرف بعض الأصدقاء هنا وهناك ممن يلهمهم شيءٌ ما في قصص المدونة. لكن الأثر الأخطر هو ظهور مدونات منسوخة بشكلٍ غريب في عدة مدنٍ حول العالم، تتشابه لوهلة لولا عناوينها.

يتضاعف الشعور بالغرابة، ويصبح التصديق أمرًا أصعب لقصصٍ باتت أكثر بلاهة، أبطالها من كل أصقاع الأرض يتحدثون الإنكليزية بالطلاقة ذاتها، ويجابهون الحياة بحكمةٍ لا تنضب وابتسامةٍ عالية الدقة، مجموعين في تشكيلةٍ واسعة يختار منها الإنسانيون نكهاتهم المفضلة التي قد تتغير بحسب نوع القهوة أو الفطائر أثناء التصفح.