كيف نعرف أن الأرض كروية دون الحاجة إلى ناسا؟
كيف نعرف أن الأرض كروية دون الحاجة إلى ناسا؟
علوم
5 أكتوبر 2017

لا يزال الجدل الذي يظهر من حين لآخر حول النظرية القائلة بأن الأرض المسطحة يلقى استقطابًا بين العامة. قد لا يكون الأمر غريبًا؛ فبالرغم من التقدم الكبير في منجزات العلوم الطبيعية، لا زلنا نعيش في مجتمعات غير علمية، لم يعتد الأفراد فيها على التفكير خارج بنية مفاهيمية محصورة تعتمد على طريقة تفكير تقليدية.

بالرغم من أننا نعرف منذ حوالي 2500 عام محيط الأرض، لا تزال فئة كبيرة من الناس غير قادرة على استيعاب مدى صغر المساحة التي تغطيها أنظارهم بالنسبة لحجم الأرض؛ فيسهل عليهم تصديق أن الأرض مسطحة مثلًا.

لا يقتصر الحديث هنا على المجتمعات العربية فقط. فالنظرية التي ترمي إلى أن الأرض مسطّحة تعود لكاتب إنكليزي يدعى صاموئيل روبوثام. اعتمد روبوثام، وعدد من الإنكليز والأميركيين على علوم زائفة أو معتقدات دينية، واستمروا في الترويج لنظريته حتى أن أسّس صامويل شينتون ما يُسمى بجمعية الأرض المسطحة في الولايات المتحدة.

الخطير في الأمر أن المروجين لنظريات علمية مزيفة عادةً ما يستغلون عواطف الناس أو آرائهم السياسية من أجل الترويج لنظريات علمية. على سبيل المثال، ظهر في الإعلام المحلي في فلسطين منذ فترة عالم نفس يدّعي أنّه أثبت خطأ نظرية آينشتاين النسبية وأنّ له نظرية أفضل منها. وبالرغم من وضوح ضعف معلومات محاوريه حول الفيزياء، إلا أنه وجد لنفسه منصة يتحدث من خلالها للعامة عن قمع المؤسسات العلمية الأجنبية له كعربي، وتمسكها بآينشتاين وموروثه العلمي حد التقديس، وبالتالي يفترض على العامة تصديق نظريته وإن لم يفهموها.

عرفت البشرية أن الأرض كروية قبل ناسا بمئات السنين. ويعود الفضل بذلك لمجموعة من العلماء الذين استطاعوا فهم الكثير عن الطبيعة من خلال تغيير البنية المفاهيمية السائدة في وقتهم، ونقل لنا التاريخ كيف حاربت الكنيسة عددًا منهم.


بعيدًا عن ناسا
هنالك عدد من الملاحظات التي تُدلل على أن الأرض لا يُمكن أن تكون مسطحة. يمكن استنتاج شكل الأرض من شكل ظلها على سطح القمر أثناء الخسوف. فالخط الفاصل بين الضوء والظل ليس مستقيمًا.

صور متتابعة لشكل ظل الأرض على القمر خلال ظاهرة الخسوف (تصوير جون تلوماكي)


يوجد ملاحظات تقع تحت ناظر الجميع كُل يوم، لكن الأغلبية تمر عنها من دون أن تتمعن فيها. نجد دليلًا آخر على كروية الأرض في فتوى (!) نُشرت في عام 2011 في بعض وسائل الإعلام العربية عن دائرة الشؤون الإسلامية في دبي. دعت الفتوى سكان برج خليفة، الأعلى في العالم، لتأخير إفطار الصيام لمدة دقيقتين أو ثلاث دقائق بعد الأذان بحسب ارتفاع الطابق الذي يقطنونه، موضحة أن سكان الطوابق شاهقة الارتفاع يرون غروب الشمس بعد دقيقتين أو ثلاث من رؤية سكان الطوابق السُفلى للغروب. وعليه حُددت ثلاثة مواقيت لإفطار وسحور سكّان البرج.

السبب في اختفاء قرص الشمس بالنسبة لسكان الطابق رقم 150  في برج خليفة بعد ثلاث دقائق من اختفائه بالنسبة لسكان الطابق الأرضي هو أن الأفق بالنسبة لسكان الطوابق العُليا يصل لنقطة على الأرض أبعد من خط الأفق بالنسبة لشخص يقف على الأرض. وذلك لأن الأرض كروية، ولو كانت الأرض مسطحة لكان خط الأفق مشترك لجميع سكان البرج.

الرسم في الأسفل يوضح كيف يجعل انحناء سطح كرة الأرض، أفق الناظر أبعد كلما ارتفع مستوى نظره. فليس بإمكان شخص يقف عند النقطة C، رؤية أجسام بعيدة كما لو كان يقف في برج عالٍ عند النقطة D.

يلاحظ الكثيرون ذلك بمراقبة السفن مبتعدة، حيثُ يبدأ أسفل السفينة بالاختفاء عند الأفق قبل اختفاء جزئها العلوي شيئًا فشيئًا.

إراتوسثينس البرقاوي (ولد عام 276 ق.م) كان أول من حسب جزءًا من قوس الكرة الأرضية وبالتالي محيطها من خلال الاستعانة بعصي وحساب المثلثات التي تشكلها ظلالها في تجربة قام بها في مصر. كان إراتوسثينس فلكيًا وعالم رياضيات ولد في برقة القديمة في ليبيا وعمل كأمين لمكتبة الاسكندرية بين عامي 235 و195 قبل الميلاد. ويُعتقد أننا خسرنا جزءًا من موروثه العلمي بعد تدمير المكتبة.

كلام العلماء غير مقدس، هذا هو أساس العلم؛ ما من أحد مُجبر على تصديق ناسا أو تصديق إراتوسثينس، لكن لا يمكن استبدال ما يقترحونه بالهرطقة على أساس أنها علم. على من يدّعي أن الحقيقة غير ذلك أن يعيد التجارب بنفسه أو أن يكتفي بقول الشاعر والمخرج الإيراني الراحل عبّاس كياروستامي:

أنا ممدّدٌ
على رقعة أرضٍ مسطّحة
لا يهمّني إن كانت الأرض مدوّرة أم لا.

مدينة ترونتو عند الأفق تبدو غارقة قليلًا بسبب انحناء الكرة الأرضية. التُقطت الصورة من مسافة قصيرة نسبيًا من بحيرة أونتاريو (تصوير: توم شتيربوفسكي)
https://www.youtube.com/embed/o_W280R_Jt8