علماء يكتشفون نصف المادة المفقودة في الكون

إن واحدة من أكثر المعضلات الكونية المُحيّرة: أن ما يصل إلى 90% من المادة العادية في الكون يبدو أنه فُقد. والآن، للمرة الأولى، اكتشف فريقان من علماء الفلك نصف هذه المادة المفقودة، وهو اكتشاف قد يحسم مفارقة قديمة.

نبعت الحيرة أولًا من قياسات الإشعاع الذي خلفه الانفجار العظيم، الذي أتاح للعلماء حساب كمية المادة الموجودة في الفضاء الكوني وماهية الشكل التي هي عليه. واتضح أن 5% تقريبًا من الكتلة الموجودة في الكون توجد على هيئة مادة عادية، أما الباقي تستأثر به المادة المظلمة والطاقة المظلمة.

لم يتم رصد المادة المظلمة مباشرة ولا تزال طبيعة الطاقة المظلمة غامضة بالكامل تقريبًا، وقد ثبت أن تعقب نسبة الـ 5% "للمادة العادية" أمرًا أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا. عندما أحصى العلماء إجمالي الأجرام المرصودة في الفضاء (نجوم وكواكب ومجرات وما إلى ذلك)، بدا أنها تبلغ ما بين عُشر وخُمس ما ينبغي وجوده. وعُرف العجز أو النقص باسم "معضلة الباريون المفقود".


ما هي المادة العادية؟
لتعرف ما هي المادة العادية، انظر حولك. ودقق النظر في سماء الليل. كل شيء تراه؛ الشمس والقمر والمجرات البعيدة وجسمك وحذاؤك، صُنعوا جميعًا مما يدعي المادة الذرية العادية. ويطلق عليها اسم آخر وهو المادة الباريونية.


ما هي المادة الباريونية؟
المادة الذرية جميعها مصنوعة من لبنات البناء نفسها: نواة مركزية محاطة بغيمة من الإلكترونات (سالبة الشحنة). ومنذ اكتشفت البروتونات والنيوتورنات (موجبة الشحنة) في نوى الذرات، أطلق عليها اسم نويات، والنوية إما بروتون وإما نيوترون. أما الإلكترونات فهي غيمة محيطة بالنواة وتحوم حولها. تتساوى النويات في الكتلة تقريبًا (كتلة البروتون = كتلة النيوترون تقريبًا)، أما الإلكترون فكتلته أخف من كتلة النوية (على سبيل المثال، البروتون) بـ 1837 مرة تقريبًا. وهناك اسم آخر للبروتون أو النيوتورن وهو "الباريون". كما يوجد باريونات أخرى إضافة إلى البروتون والنيوترون. أما الإلكترونات فهي لبتونات. ومن ثم فإن معظم المادة العادية المنظورة المتوفرة في الكون هي بروتونات أو نيوتورنات؛ أي مادة باريونية كما يشير إليها علماء الكونيات.

يتبع توزيع المجرات في الكون نمط شبيه بالشبكة، وقد تكهّن العلماء أن الباريونات المفقودة قد تكون عبارة عن خيوط غازية طافية تصل المجرات ببعضها داخل الشبكة الكونية. وتشير الحسابات النظرية إلى هذه الخيوط الغازية، وتعرف باسم الوسط بين المجري الدافئ إلى ساخن، أو اختصارًا باسم (WHIM- ويم).


عمل الفريقين
توصل فريقان منفصلان من العلماء (أحدهما تابع لجامعة إدنبرة، اسكتلندا والآخر تابع لمعهد الفيزياء الفلكية في أورساي، فرنسا) إلى دليل غير مباشر على وجود الويم (الخيوط الغازية). ولتفادي مشكلة عدم القدرة على رصد هذه الخيوط مباشرة باستخدام أدوات الرصد التقليدية، اعتمد كل فريق على الحقيقة القائلة إن الإشعاع الذي خلفه الانفجار العظيم يتبعثر عندما ينتقل عبر غاز ساخن؛ ما يعني أنها تظهر في شكل خطوط خافتة في الخلفية الكونية الميكروية. استخدم الفريقان بيانات رصدية لإشعاع الخلفية الكونية من مرصد بلانك الفضائي، لعمل خريطة للمناطق التي يفترض أن يوجد بها المادة الباريونية. حدد كل فريق زوج من المجرات ليدرسه، مركزين على الفضاء فيما بينهما. ثم حشدوا البيانات لإبراز ما يعتقد أنه من مادة باريونية.

طبّق الفريقان هذه العملية تكرارًا على أزواج من المجرات، ليوضحوا أن قراءاتهم كانت متسقة على نطاق مواقع فحص متعددة. فحص أحد الفريقين مليون زوج من المجرات، بينما فحص الفريق الآخر 260000 زوج من المجرات. وأفاد الفريقان باكتشاف أدلة على وجود فعلي للخيوط التي افترض وجودها نظريًا بين المجرات. وحسب فريق، فإن كثافتها تعادل متوسط كثافة المادة المرصودة بثلاث مرات، بينما حسبها الفريق بما يعادل ست مرات، ويفسر الفريقان هذا التباين المتوقع مسبقًا، بسبب اختلافات في المسافات من المجرات التي تمت دراستها.

يحتج الفريقان بأن النتائج التي توصلا إليها تبرهن على وجود المادة الباريونية المفقودة ومن ثم تحل اللغز المتعلق بمكان اختفاء جميع المادة التي لا يمكن قياسها.