The Emoji Movie: وجوه صفراء.. ومملّة

يذكر المهتمون الضجة التي أثيرت عندما اختار القائمون على "مطبوعات جامعة أوكسفورد" عام 2015 الإيموجي "الضاحك الباكي" ككلمة العام. فبينما كان البعض يرى في هذه الرموز التعبيرية لغة صورية جديدة وعالمية ذات نموٍ متسارع، أو على الأقل عاملًا مهمًا لتطور اللغة، أبدى آخرون التخوف، مشككين بـ "جدة" هذه الطريقة حتى، لتماثلها مع الهيروغليفية. زد على ذلك، بساطتها و"كسل" مستعمليها الذي يجعلهم يرون اللغات عاجزةً عن تقديم ما يوفره الوجه الأصفر. وما يهم فعلًا، رغم الخلافات، هو اتفاق على حجم المسألة.

فلنبقَ في العام ذاته، 2015، ونعد إلى موقع Deadline الذي كان من السباقين في نشر خبرٍ ذي صلة، عن تغلب شركة Sony على منافسيها لإنتاج فيلم عن... الإيموجيز أيضًا.

لم لا؟ بوجود الظرف الذي سيودي بإحدى هذه الرموز إلى اختيارها ككلمةٍ للعام، فإن اللعبة بدت قليلة المخاطر؛ لا حاجة لشراء حقوق ملكية، كما أن الأمر من منظورٍ اقتصادي بدا رابحًا (باعتبار أن العمالة الرخيصة في بلدٍ مقصيٍ ما قد بدأت بالفعل بصناعة القمصان والوسائد وبيوت الهواتف الموسومة بالرموز الأكثر شهرة)، ولأن الشريحة المستهدفة، من الأطفال والمراهقين، يسهل جرها والاستفادة منها. وكان على الجميع بكل حال الانتظار حتى هذا الصيف ليطلقوا الحكم النهائي على ما بدا أنه فيلمٌ كسب نقطة قبل بداية السباق عبر اختيار موضوعه، واعتماده على طاقمٍ نستطيع، بثقة، ذكر السير باتريك ستيوارت كأبرز أفراده، رغم أدائه صوت شخصيةٍ ثانوية، ليست إلا إيموجي "البراز".


إلى تيكستوبوليس
قبل أن نبدأ الحديث عن الفيلم، لا بد من ذكر تساؤلٍ منطقيٍ قد يراود الواحد منّا عند سماعه عن فيلمٍ شخصياته من الإيموجيز؛ إن الميزة الأساسية لهذه الرموز هي وضوح المعنى، الذي من الصعب أن يثير اللبس أولًا، ومن المستحيل أن يتغير ثانيًا، وبالتالي فإننا سنكون أمام شخصياتٍ عاجزة عن التغير طوال الفيلم. إشكالٌ كهذا يبدو أنه الذي دفع الفيلم إلى تبني صراعٍ من شاكلة الإنسان ضد المجتمع (رغم غرابة استعمال كلمة "إنسان")، وسنصل إلى ذلك بالتفصيل.

يبدأ الفيلم إذن بلمحةٍ قصيرةٍ عن "عالمنا" نحن، وفي إحدى مدارسه تحديدًا. نطالع مجموعة من الأطفال بينهم أليكس، الذي تعيش في هاتفه الجوال شخصيات الفيلم. حقيقةً، فإن التقدمة هذه -ورغم الرسوم البراقة- تصلح لأن تفتتح فيلمًا "كوارثيًا" عن الحياة الذكية اليوم، حيث يفعل الجميع ما يفعلونه ممسكين بهواتفهم الذكية، مصطدمين ببعضهم، في الصفوف وخارجها.
ولحسن الحظ، فإننا سرعان ما نبتعد عن هذا العالم "الديستوبي" الملون وندخل إلى العالم الآخر، إلى مدينة تيكستوبوليس (تطبيق الرسائل في الهاتف).


هو.. ضد من؟
سنصادف، في المدينة، الرموز وبينها الإيموجي "جين" بطل الفيلم، وهي تعيش حياتها. ومنذ تلك اللحظة سيتضح لنا منشأ الصراع في الفيلم. إن "جين" الرمز البطل يعجز عن الالتزام بالتعبير المخصص له (وهو الـ Meh، الدال على عدم الاكتراث). على العكس، فإنه قادر على الإتيان بأي تعبيرٍ من تلك التي تبديها باقي الرموز بحسب الموقف.

في عالمٍ كهذا، حيث يُحدد الصحيح والخاطئ بحسب الأغلبية فإن "جين" على خطأ، الأمر الذي يدفع بعض الرموز إلى اعتباره خطرًا عليها وبحاجةٍ إلى أن يُمحى لأنه غير نافع.

يهرب "جين" إذن مصطحبًا معه رمزًا آخر فقد شعبيته وينطلقان بحثًا عن مبرمج يصلح الأول ويغير الثاني إلى رمزٍ أكثر رواجًا.  يهرب الاثنان خارج المدينة/تطبيق الرسائل، ويبدآن تجوالهما ليعثرا على إيموجي ثالث "جيل بريك" يتضح أنها متنكرة لتخفي أصلها هي الأخرى، وتعدهما بالمساعدة.

من هذه النقطة تصبح الأمور واضحة تمامًا؛ سيقع جين و"جيل بريك" في حب بعضهما، وحين تأتي اللحظة التي يجب أن يُبرمَج فيها جين، يرفض ذلك ويقدر اختلافه، ويعود الثلاثة إلى المدينة وينقذونها. ليس ذلك فقط، بل إن أليكس، مالك الهاتف، ينجح في الخروج مع صديقته لا لسبب سوى إرساله إيموجي "جين" لها. ويقفل الفيلم على سعادةٍ كهذه، ولا يخيب أي توقع.

وبعد أن عرضنا ملخص الأحداث، بإيجازٍ يستحقه ولا يبخس منه شيئًا، يمكن أن نلتفت إلى نقاطٍ أكثر أهمية. ولنبدأ بالصراع ذاته. حين تضطر شركة بحجم سوني، مدفوعةً بشعبية الإيموجيز، إلى إنتاج فيلم عنها، ستقع لا شك في المشكلة التي ذكرناها سابقًا، تلك المتعلقة بطبيعة الشخصيات الثابتة.

ما يحاول الفيلم تقديمه هو صراع بين الفرد المتميز ومجتمعه. إن صراعًا كهذا بحاجةٍ، قبل كل شيء، إلى تحديد الجماعة المعادية، إلى إعطائها بعض الصفات التي تميزها مثلًا عن الطبيعة الخرساء. وفي الفيلم لا فرق بين الاثنين. كان يمكن لبطل الفيلم أن يواجه أي نوعٍ من المخاطر الخارجية من دون أن يتغير شيء. ورغم طول لائحة الأفلام التي توصل رسالة "حب الذات وتقبلها" واستهلاكها الفكرة هذه، فإن The Emoji Movie يأخذ هذه الفكرة، المملة أساسًا، إلى مستوىً جديد ويثبت أنها مجرد تبرير لجعل هذا الإعلان الطويل يبدو كفيلم.


رزق الهبل ليس على المجانين
قد يجادل أحدهم بأن الفيلم مخصص للأطفال/ المراهقين، وبالتالي فإنه فكرةً كهذه ستليق به.

لا داعي للقول إن حجةً مثل هذه لا تفرق بين ما يُخصص للأطفال وما لا يصلح للعرض، وتنمط شريحة عمرية كاملة. في هذا الصدد، يقول الناقد الأميركي روجر إيبرت، أثناء كتابته تقييمًا لفيلم "ويلي وونكا ومصنع الشوكولا" عام 1971: "الأطفال ليسوا بحمقى. إنهم ضمن مخلوقات الأرض الأكثر ذكاءً وحدةً وقدرةً على الملاحظة. أدوّن هذه الملاحظة لأن تسعةً من أصل عشرة أفلام مخصصة للأطفال تكون غبيةً وتحتقر جمهورها، ولهذا السبب فإن الأطفال يكرهونها".

ومن المؤكد أن The Emoji Movie ليس الفيلم العاشر المنشود. وإذا كان ما يقدمه الفيلم، لبساطة الأسلوب، أشبه بالدرس التعليمي؛ فيجب أن نشير إلى أن المستهدفين، من جهة، سئموا الفرجة عليه مرارًا وتكرارًا، وأنه نفسه أضحى بحاجةٍ إلى تغيير في الجذر، بعيدًا عن وهم الفرد الأعلى وصراعه ضد المجتمع هذا.


تعالوا نتخيل إعلانًا
وحتى لو اتفقنا على أن الفكرة بشكلها هذا تصلح لأن تُلقى بوجه المتفرج، فإن في الفيلم جانبًا آخر، أكثر قتامةً يحيل الادعاء بكونه "مادة" ملائمة لشريحة ما إلى خدعة تسويقية، بني عليها في الأساس، حقيقةً.

رغم الجهد المبذول، على الصعيد الغرافيكي، ذاك الذي يمكن لأحدهم أن يمدحه طويلًا في تعزيز المخيلة وكسر المألوف، إلا أن هذا العالم المصنع سرعان ما يكشر عن أنيابه. فمنذ هروب جين من تطبيق الرسائل وتجواله في الهاتف نلحظ أن "المدن" أو الأماكن التي يتجول فيها تصبح تطبيقاتٍ حقيقية، موجودة على هاتف أي واحدٍ منا.

أجل، سيدخل جين وصديقاه عالم "كاندي كراش" ويوتيوب وفيسبوك وإنستغرام، وسيتحتم عليهم مجاراة لعبة الرقص في تطبيق Justdance حتى يكملوا رحلتهم ولن يغفلوا روعة الإبحار في Spotify. ورغم أن Hi 5، الإيموجي الصديق، سيعرّف فيسبوك على أنه عالم ما يهم فيه فعلًا هو "الإعجاب" إلا أن تنويهًا هزيلًا كهذا بالكاد يحدث أي أثر أمام الإبهار الذي يُقدم من جهةٍ أخرى.

لا شك أن الشرائح التي يسهل الترويج لها، من غير البالغين، ستُحدِث فيها هذه الفانتازيا من الأثر ما يدفعها إلى أقرب متجرٍ افتراضيٍ أو حقيقي لتبدأ الاقتناء، كما تفترض الخطة. لكن لا بأس بكل ذلك، فإن ما يقدم -بالدرجة الأولى- عمل فني وليس إعلانًا، ثم إن رسالة "حب الذات والثقة بالنفس" ستجعل المادة ككل مقبولةً وهادفة، وتخلق التوازن الكافي في هذا المنتج الرأسمالي البديع.

وإذا كانت مشكلة مجتمع "جين" متعلقة بكون أفراده عاجزين عن التنويع في ردود أفعالهم، فإن الفيلم هذا منذ البداية وحتى النهاية ينجح تمامًا في جعلنا كهؤلاء الأفراد؛ عاجزين عن الإتيان بشعورٍ -أيًا كان- سوى السأم، والتساؤل بعد النهاية عن خمسين مليون طريقة يمكن لـ 50 مليون دولار أميركي (ميزانية الفيلم) أن تُستثمَر خلالها وتعطي مردودًا أفضل.

https://www.youtube.com/embed/r8pJt4dK_s4