حوادث العمل في تونس [2-2]... خطر متربص بالمناطق الصناعية

حوادث العمل في تونس [2-2]... خطر متربص بالمناطق الصناعية

تونس
بسمة بركات
03 يناير 2022
+ الخط -

يكشف تحقيق "العربي الجديد" عن خطر متربص بالمناطق الصناعية التونسية، هدد إحداها بكارثة، بسبب تمادي أرباب العمل في عدم توفير متطلبات الأمن والسلامة، ما زاد من الحوادث القاتلة، في ظل تأخر بتمرير ملفات المتضررين.

- ينتظر العامل التونسي وليد عامر (36 عاماً)، منذ ثلاثة أعوام، تحديد نسبة العجز البدني الذي يعاني منه، بعد إصابة ساقه بصعقة كهربائية في أثناء عمله بمصنع للسيراميك في ولاية زغوان شمال شرقيّ تونس بتاريخ 31 يناير/كانون الثاني 2018.

يقول عامر البالغ من العمر 36 عاماً لـ"العربي الجديد" بينما يضبط جلسته على كرسيه المتحرك: "كيف أعيل أطفالي وزوجتي بعدما صرت مقعداً، وملفي في حاجة إلى تفعيل من قبل الصندوق الوطني للتأمين على المرض (حكومي)".

ويشهد نحو 60% من ملفات تعويض المتضررين من حوادث العمل، تأخيراً في تصفيتها فاق السنة، ووصل أحياناً إلى 4 سنوات، وعدم إجراء مراجعة نسب العجز لفائدة 811 متضرراً، رغم حلول أجلها منذ ما يزيد على 10 سنوات في ثلث الحالات، ما أفقد التعويض جدواه، وخاصّة في حالات العجز المهني التام للمتضررين، وحالات وفاة عدد منهم دون الحصول على التعويضات المخولة لهم قانوناً، كذلك فإن 181 ضحية لحادث شغل قاتل لم يُمكَّن خلفهم من أرامل وأيتام من الجرايات المستحقة لمدّة طويلة وصلت إلى 8 سنوات في 16 حالة بسبب عدم نجاعة إجراءات العمل المعتمدة وغياب تبادل آلي للمعطيات مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بحسب تقرير "حوادث الشغل والأمراض المهنية" الصادر في 12 فبراير/شباط 2021، عن محكمة الحسابات التي تختص في جانبها القضائي بالنظر في حسابات المحاسبين العموميين وزجر أخطاء التصرف المرتكبة من قبل أعوان الدولة والمؤسسات والمنشآت العمومية. 

111 ألف حادث عمل في 4 أعوام

يفتقد المصنع الذي عمل فيه عامر لإجراءات السلامة، إذ إن أسلاك الكهرباء كانت مكشوفة، كما يقول لـ"العربي الجديد"، مضيفاً بحزن: "أعاني من بطء شديد في الإجراءات الإدارية اللازمة للحصول على جراية (معاش شهري)".

الصورة
وثيقة تؤكد تعرض العامل وليد عامر لحادث شغل

وبينما نجا عامر بحياته، إلا أن 6 حالات أخرى موثقة توفوا أصحابها إثر انفجار صهريج بينما كانوا يقومون بأشغال لحام داخل مصنع للأسفلت في المنطقة الصناعية بولاية قابس جنوب شرقيّ تونس في 13 مارس/آذار الماضي، وفق كريم بنصالح، نائب مدير الصندوق الوطني للتأمين عن المرض، الذي يربط تلك الحادثة أيضاً بغياب إجراءات السلامة، قائلاً لـ"العربي الجديد": "الانفجار وقع نتيجة خطأ وسوء تقدير في أشغال الصيانة الدائرة بالمصنع، ولو جرى التركيز على نسبة امتلاء الصهريج عند القيام بعملية اللحام، لما انفجر"، ويضيف أن اللامبالاة والتسيب داخل بعض المصانع، جعلا حالة إجراءات السلامة في تدهور مستمر.

ويكشف عن وقوع 36215 حادث شغل في عام 2017، منها 152 حادثاً قاتلاً، ووقع 35800 حادث شغل، منها 109 حوادث قاتلة في عام 2018، وفي عام 2019 وقع 34699 حادث شغل في قطاع البناء والأشغال العامة وقطاع الخدمات المختلفة وتجارة الجملة والتفصيل والصناعات التقليدية ومجال النقل والرفع، منها 127 حادثاً قاتلاً، وسجل عام 2020 خمسة آلاف حادث شغل، منها 85 حادثاً قاتلاً، ويعيد بنصالح سبب التراجع في حوادث الشغل في 2020، مقارنة بالأعوام الماضية، إلى الظرف الصحي الناتج من جائحة كورونا، إذ أُغلِق بعض المصانع.

تمادٍ في تجاهل إجراءات السلامة

يقرّ بشير البحري، الكاتب العام للفرع الجامعي للنسيج والجلود والأحذية (يشرف عليه الاتحاد الجهوي للشغل) في ولاية بنزرت شماليّ تونس، والكاتب العام لمصنع الجلود والأحذية "مارتاك" بفرع منزل بورقيبة (مدينة فاري) شماليّ تونس، بعدم استجابة بعض المصانع لتطبيق شروط الأمن السلامة، مستدركاً في إفادته لـ"العربي الجديد": "لا أحد من أصحاب المصانع يرغب في حصول حوادث شغل، لأن هذا يسيء إلى سمعتهم، لكنهم في النهاية يتمادون في عدم تطبيق آليات السلامة".

ويؤكد أنهم سجلوا في مصنع "مارتاك" في 25 سبتمبر/أيلول الماضي حادثة انحشار أصابع عامل بالآلة التي يعمل بها، مؤكداً أن زميله المصاب لا يزال يعاني من تداعيات الإصابة، ويخضع عامل آخر لإجازة منذ أربعة أشهر بعد إصابته بسكين مخصص لقصّ الأحذية، ما أدى إلى كسور في يده، لأن القفاز الذي كان يرتديه كان بالياً، مشيراً إلى أن العامل يخضع حالياً لحصص علاج. وترتفع درجات المخاطر المهنية لمؤسسات تونسية، إذ سجلت 496 مؤسسة حوادث متكررة بمكان العمل بوتيرة ناهزت معدل 4 حوادث شهرياً، خلال الفترة من 2015 حتى 2019، بحسب تقرير محكمة الحسابات.

496 مؤسسة صناعية وقعت بها حوادث متكررة في 4 أعوام

ويبلغ عدد المؤسسات الصناعية في تونس 5700 مصنع، أغلبها في قطاعات النسيج والملابس والصناعات التحويلية والغذائية والميكانيكية والكهربائية، لكن هذا التطور لم يواكبه اهتمام بإجراءات الأمن الصناعي والسلامة، حسبما يقول حسان حاج قاسم، خبير في السلامة الصناعية، الذي عمل سابقاً مستشاراً في قسم حوادث الشغل بالصندوق الوطني للتأمين على المرض لـ"العربي الجديد"، معيداً أسباب الحوادث المتكررة في المصانع، إلى نقص التكوين والإشراف في مجال السلامة، وعدم انتداب مختصين مكلفين السلامة في المصانع يتابعون الأشغال، وعدم إصلاح الأعطاب التي تطاول التجهيزات التي تبقى دون صيانة.

وهو ما يؤكده تقرير محكمة الحسابات الذي رصد أنه على الرغم من استكمال اللجان الفنية المختصة لأعمالها منذ سنة 2016، لكن لم تُصدَر عدة مشاريع قوانين استهدفت تدعيم الجانب الردعي وتدابير الوقاية من المخاطر المهنية وملاءمة التشريع الوطني للمعايير والمواصفات الدولية. 

وأظهرت زيارات ميدانية للجنة شكلتها وزارة الصناعة والطاقة والمناجم، للوقوف على مدى التزام المصانع إجراءات السلامة، وجود اختلالات وعدم احترام شروط السلامة في 47 مصنعاً من خمسين مصنعاً جرت زيارتها في ولاية قابس، وفق تأكيد أحمد صالح بوعنيزة، المدير الجهوي للوكالة العقارية الصناعية التابعة لوزارة الصناعة في قابس. 

ويتهاون ملاك المصانع في إصلاح الأعطاب، وفق بوعنيزة، الذي يقول إنه "حتى تجهيزات إطفاء الحرائق الموجودة في بعض المصانع لا تعمل عند تشغيلها، فضلاً عن عدم تجديد الشبكات وصيانتها"، لكن المشكلة الأكبر تتمثل بعدم تفعيل إدارة طب الشغل (تتبع وزارة الشؤون الاجتماعية ومختصة بالوقاية من حوادث الشغل والأمراض المهنيّة) في عدة أحيان للإجراءات الردعيّة المستوجبة في شأن المؤسسات ذات المخاطر المهنية العالية رغم مخالفتها لتراتيب السلامة المهنية، وتحديداً في شأن 11% من عيّنة المؤسسات الأعلى تسجيلاً لحوادث الشغل القاتلة والأكثر تصريحاً بالأمراض المهنية خلال الفترة بين أعوام 2015 و2019. وسجلت المؤسسات المذكورة مجتمعة 79 حادث شغل قاتلاً و1337 تصريحاً بمرض مهني نجم عنها صرف تعويضات ناهزت 11 مليون دينار، بحسب محكمة الحسابات.

ما سبق يعود إلى غياب الوعي بأهمية العنصر البشري في الدورة الإنتاجية، ما يؤدي إلى عدم اهتمام أصحاب المصانع بضرورة توفيرهم لاحتياطات السلامة، ويجعلهم مستعدين للإنفاق على آلات الإنتاج، لا على العنصر البشري وحمايته، بحسب يونس القاسمي، منسق لجنة الصحة والسلامة المهنية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن أصحاب المصانع يبررون ما يجري بالتكلفة الإضافية التي قد تثقل موازنة المصانع. 

تمادٍ في تجاهل إجراءات السلامة

أخطر القطاعات الصناعية

تبيّن غياب نصوص ترتيبية تضبط سبل الوقاية من مخاطر المواد والمنتجات الكيميائية بالرغم من تعرض حوالى 36% من العمال للمواد الكيميائية، منهم حوالى 20% تعرضوا لمادة كيميائية مسرطنة على الأقل وفقاً لخريطة الأخطار المهنية في تونس المنجزة خلال الفترة بين عام 2016 وعام 2018، ولم تساهم هذه الوضعية في حماية العمال، إذ شهدت هذه الأنشطة تطوراً في مؤشر تواتر حوادث الشغل بلغ 29.1 حادثاً لكل 1000 عامل، متجاوزاً بذلك المؤشر العام لجميع القطاعات بحوالى 155% خلال سنة 2018.

كذلك سجلت الأمراض المهنية في قطاع الصناعات الكيميائية ارتفاعاً خلال السنة نفسها بنسبة 24% مقارنة بسنة 2017، بحسب محكمة الحسابات، وهو ما يؤكده فؤاد ثامر، نائب برلماني (قدم استقالته من حزب قلب تونس)، مشيراً إلى غياب نصوص ترتيبية تضبط سبل الوقاية من مخاطر المواد والمنتجات الكيميائية. 

قطاع المنتجات الكيميائية من أخطر الصناعات التي تهدد حياة العمال

ويقول بوعنيزة إن الرقابة غير ممكنة في ظل محدودية الأعوان المكلفين بها في المصانع، مضيفاً: "بشهادة أغلب المصنعين ممن التقيناهم، لم يزرهم أي مراقب في السلامة الصناعية، باستثناء وحدات تفقد من الدفاع المدني أحياناً، وهذا غير كافٍ". وأمام تطور النسيج الصناعي وتطور الصناعات الكيميائية، لا بد من وجود رقابة دورية، بحسب بوعنيزة، مشيراً إلى أن عقوبات السلطة على المخالفين غير كافية وغير رادعة. 

ويوجد 10 أعوان في الإدارة العامة للسلامة بوزارة الصناعة، مكلفين مراقبة المصانع في تونس، مضيفاً أن بعض الأعوان أحيلوا على التقاعد ولم يجرِ توظيف بدل منهم بسبب نقص الانتدابات، وفق بنصالح، ويعود سبب عدم حصول البعض على التعويضات إلى طول فترة دراسة الملفات للتثبت من الحوادث وتحديد نسبة العجز والأضرار الناجمة عنها، وفق تأكيد الخبير حسان حاج قاسم.

تونس بحاجة إلى مراجعة معايير السلامة، وتحديداً في المنطقة الصناعية بولاية قابس، حتى لا تتكرر الحوادث الأليمة والانفجار الذي كان بإمكانه تعريض مدينة قابس لسيناريو مشابه لكارثة انفجار مرفأ بيروت، كما يقول النائب ثامر، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن نشاط المصانع يشمل مواد كيميائية خطرة، فضلاً عن وجود مصنع للغاز ومجمع كيميائي بالقرب من وحدة تصنيع الأسفلت، قائلاً: "حان الوقت لتوسيع أسطول الدفاع المدني لكي يتلاءم مع حجم المناطق الصناعية".

ما الذي يتوجب فعله للحد من الظاهرة؟

"أي حادث عمل، سببه وقوع أخطاء تقود إلى تلك النتيجة" كما يقول بنصالح، مؤكداً ضرورة الوقاية، فإذا وجدت مواد مسببة للانزلاق على الأرضية مثلا، لا بد من تغيير المواد بأخرى، مع وضع مختصين من السلامة المهنية في الصفوف الأمامية للمراقبة والتثبت من السلامة وتتبع الأعطاب وصيانتها.

وتحث النقابات العمالية أصحاب المصانع على توفير جوانب السلامة من حيث وجود ممرض وطبيب في المصنع، وفق البحري، مبينا أن مصنعهم "مارتاك" مثلا كان يضم ممرضة واحدة والآن لديهم أربع ممرضات إلى جانب طبيبة تزورهم يوميا، لكنه يقر بنقائص، لا بد من العمل عليها، ويسعون كنقابة إلى توفيرها، ومنها القيام بحملات توعوية للعمال في مجال السلامة والوقاية من حوادث الشغل.

ذات صلة

الصورة
مؤتمر صحافي لمواطنون ضد الانقلاب (العربي الجديد)

سياسة

أعلنت المبادرة التونسية "مواطنون ضد الانقلاب"، اليوم الخميس، أنها تستعد ليوم 14 يناير/ كانون الثاني، ليكون يوم غضب و يوما فارقا لمواجهة الانقلاب، مؤكدة أن هناك مشاورات مع عديد العائلات السياسية لتكوين جبهة سياسية بديلة لسلطة الانقلاب.
الصورة
النائب زياد الهاشمي (فيسبوك)

سياسة

أكد القيادي والنائب عن حزب "ائتلاف الكرامة" زياد الهاشمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، اليوم الأربعاء، أنه "التحق بإضراب الجوع الذي ينظمه مواطنون ضد الانقلاب، من مقر الاتحاد البرلماني الدولي بجنيف بعد التنسيق مع هيئة إضراب الجوع ضد الانقلاب بتونس".
الصورة

سياسة

يواصل المحتجون من مختلف الانتماءات والأحزاب السياسية في تونس، إضرابهم عن الطعام لليوم الثاني على التوالي، في خطوة تصعيدية ضد قرارات الرئيس قيس سعيّد، وسط تأكيد صمود المحتجين وتمسكهم بحقوقهم الدستورية.
الصورة

مجتمع

يبدو ملف النفايات إحدى أبرز المشكلات المتفاقمة في بلدان المغرب العربي الثلاثة، إذ تحول في تونس إلى أحد أسباب الاحتجاجات الشعبية، فيما ينتهي أغلب نفايات الجزائر في الطبيعة من دون معالجة، وفي المغرب لا يمكن محاولات التدوير إنهاء الأزمة.