مهاجرو جنوب الصحراء... استعباد في مناجم التنقيب غير الشرعي عن الذهب

03 يناير 2021
الصورة
عصابات التنقيب عن الذهب تستعبد المهاجرين (Getty)
+ الخط -

تستعبد عصابات تنشط في الحدود الليبية مع النيجر وتشاد مهاجري دول جنوب الصحراء الحالمين بالوصول إلى الشواطئ الأوروبية، وتجبرهم على العمل في التنقيب غير الشرعي عن الذهب، والذي يُعاد بيعه في الأسواق العالمية.

-عمل الثلاثيني النيجري أنياس أوبي في 6 مناجم للتنقيب غير الشرعي عن الذهب في دجادو شمال بلاده، مطارداً حلمه بالهجرة إلى أوروبا، والتي تسيطر عليها عصابات التهريب المنتشرة على طول مسالك الحدود الليبية النيجرية، والتي وعدته بالحصول على المال عبر عمله من أجل توفير نفقات الرحلة الخطرة. 

تعرض أوبي للاستغلال، إذ أُجبر على العمل في ظروف قاسية لمدة عشرة أشهر خلال عام 2019، مقابل حصوله على الطعام، رغم اتفاقه مع العصابات على العمل لمدة أربعة أشهر فقط، في مقابل نسبة مما يُشارك في استخراجه من الذهب، وفق ما رواه لـ"العربي الجديد" في مركز احتجاز حكومي للمهاجرين غير الشرعيين في طرابلس، متذكراً ما تعرّض له من ضرب مبرح بالعصي والسياط ليتعلم طريقة تكسير الصخور من دون إلحاق الضرر بجزيئات الذهب في المناجم، بالقول: "كانت صلابة الأحجار أسهل علينا من الضرب والجلد". 

ويعد العمل في مناجم الذهب غير القانونية من أهم مراحل الهجرة غير الشرعية لمهاجري دول جنوب الصحراء، إذ يعتبر المرور عليها مرحلة أولى ليتمكن المهاجرون من جمع المال الكافي للرحلة إلى ما بعد الحدود الليبية، بحسب إبراهيم الفقي حسن، العقيد السابق بفرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية التابعة لحكومة الوفاق بمدينة غات أقصى الجنوب الغربي لليبيا، الذي أكّد لـ"العربي الجديد" أن العصابات تمارس مختلف أنشطة التهريب، لكنها عرفت بعصابات تهريب البشر كونه أبزر نشاطاتها. 

تصدير غير شرعي لذهب تيبستي 

تتوزع مناجم الذهب في دجادو شمال شرق النيجر، وكوري بوكدي وكلينجي وتيبستي على الحدود التشادية الليبية، وفق تقرير مشترك بين مشروع التقييم الأساسي للأمن البشري في السودان وجنوب السودان التابع لمسح الأسلحة الصغيرة وتقييم الأمن في شمال أفريقيا بالتعاون مع مشروع أبحاث تسليح النزاعات صدر في يونيو/ حزيران 2017 بعنوان "مشكلة التبو ما بين وجود وغياب الدولة في مثلث تشاد السودان ليبيا". 

الذهب المستخرج من تيبستي يُعاد بيعه في الأسواق العالمية

وتراوح سعر الغرام الواحد من الذهب خلال عامي 2012 و2015 بين 50 و70 ديناراً ليبياً (35 و49 دولاراً أميركيّاً)، ووصل في أقصاه إلى 95 ديناراً (66 دولاراً)، اعتمادا على جودة المعدن وتقلبات الأسواق العالمية وفق التقرير ذاته، والذي يشير إلى الاعتقاد بأن معظم الذهب المستخرج من تيبستي قد أُعيد بيعه في الأسواق العالمية بعد تصديره إلى بازارات دبي. 

سخرة المهاجرين 

تحولت الحدود الليبية مع السودان وتشاد والنيجر إلى ساحات مفتوحة أمام المهاجرين الأفارقة بسبب الفوضى الأمنية في مرحلة ما بعد الثورة في عام 2011، وعجزت الحكومات الليبية المتوالية عن مواجهة العصابات المسلحة التي تنشط على الجانبين، وفق سليمان الحامدي مقرر مجلس أعيان منطقة فزان جنوب غربي ليبيا، الذي أكّد لـ"العربي الجديد" أن حلم الوصول إلى أوروبا يجبر المهاجرين على العمل بالسخرة مع عصابات التنقيب غير الشرعي عن الذهب.

وهو ما حدث مع العشريني السوداني ياسر دفع الله الذي انتهى به المطاف إلى مخزن للمهاجرين في منطقة غدوة الواقعة على بعد 70 كيلومتراً جنوب سبها، بعد استغلاله من إحدى العصابات وإجباره على التنقيب عن الذهب في مرتفعات كلنجه الواقعة بين ليبيا وتشاد، مقابل القليل من الطعام والماء، وفق روايته لـ"العربي الجديد"، إذ قال: "كل عامل في المنجم عليه غربلة 13 كيساً من التبر (مسحوق الذهب المليء بالشوائب) يومياً، وإذا لم ننتهِ من ذلك نُكبّل بالحبال ونُضرب بالعصي وبمؤخرات البنادق، ثم نعيد غربلة تلك الكمية". 

دفع الله الذي التقاه معدّ التحقيق في مركز إيواء قصر بن غشير التابع لحكومة الوفاق الليبية، بدأ رحلته من منطقة قارسيلا غرب دارفور في أغسطس/ آب 2018 إلى ليبيا، وصولاً إلى مناطق السرير وتازربو جنوب شرقي ليبيا، وعمل في التنقيب عن الذهب في حقول تنقيب يجرى ضخ كميات كبيرة من المياه فيها لاستخراج الذهب الممزوج بالتراب والموجود في الكتل، وقد أشار هو وأوبي إلى أن المهاجرين يتم بيعهم لعصابات أخرى تمتهن الاتجار بالبشر والتهريب بعد الانتهاء منهم. وتمكن أوبي من مغادرة دجادو في ديسمبر/ كانون الأول 2019، وصولاً إلى مخازن تجميع المهاجرين في منطقة أم الأرانب جنوب ليبيا، وظل فيها لشهرين بصحبة 31 من أبناء عمومته، ثم اتجهوا شمالاً، قبل وصولهم إلى مناطق تجميع المهاجرين على شاطئ القره بوللي شرق طرابلس في مارس/ آذار الماضي، ومن هناك نقلوا إلى مركز إيواء تاجوراء ثم مركز قصر بن غشير، جنوب طرابلس. 

وتجني العصابات أرباحاً مضاعفة من المهاجرين، وفق العقيد حسن الذي توصل من خلال التحقيق مع مهاجرين قبضت عليهم دوريات جهاز مكافحة الهجرة إلى أن المهاجر قد يعمل مجاناً أكثر من نصف الفترة التي يقضيها في المناجم، والنصف الآخر يدفع ما يحصل عليه خلاله إلى العصابات مقابل توصيله إلى ما بعد الحدود الليبية. 

ويؤكد تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا الصادر في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2019 أن الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين إلى ليبيا وعبرها وصولاً إلى أوروبا لا يزالان نشاطين مربحين، مشيراً إلى أن الأفراد والجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية يستغلون الضعفاء كعمالة منخفضة التكلفة، من أجل تحقيق مكاسب شخصية أو مالية. 

عصابات التنقيب عن الذهب تستعبد المهاجرين

مكونات عصابات التنقيب غير الشرعي 

منتصف عام 2012، بدأت العصابات المسلحة على الحدود الليبية مع تشاد والنيجر العمل في مناجم للتنقيب عن الذهب، وفي بداية عام 2013 انتشرت تلك العصابات بمختلف انتماءاتها القبلية أقصى الجنوب الليبي، إذ ارتبط بعضها بنشاط المعارضة السياسية لأنظمة حكم الدول الأفريقية المجاورة، وأخرى مؤلفة من مزيج من المسلحين الذين يمتهنون تهريب البشر والسلع والمخدرات والأسلحة، وفق الحامدي. 

عصابات تسيطر على مناجم الذهب على الحدود الليبية مع تشاد والنيجر

وتخضع مناطق مناجم الذهب لنفوذ القبائل الممتدة عبر الحدود الليبية مع تشاد والنيجر، ومنها قبائل المحاميد وورفلة والقذاذفة، لكن النفود الأوسع لصالح الطوارق على الحدود مع النيجر، وقبائل التبو الممتدة من شمال تشاد إلى جنوب ليبيا وشمال شرق النيجر، ما جعلها في واجهة الصدام المسلح مع قبائل أخرى موالية للنظام التشادي في تيبستي الجبلية والطرق الصحراوية المحيطة بها، حيث تنتشر مناجم الذهب بشكل أوسع، وفق قوله. 

وشكّل التبو مليشيات مسلحة، أبرز قادتها أحمد بركة وزير الداخلية لشؤون الهجرة والمنافذ بالحكومة الموازية شرق ليبيا، والرائد شرف الدين بركة آمر كتيبة شهداء أم الأرانب التابعة للقيادة العامة، وبركة وردكو، أبرز حلفاء الضابط المتقاعد خليفة حفتر في الجنوب الليبي بعد تسليحه من قبل دولة الإمارات، وفق تقرير "مشكلة التبو ما بين وجود وغياب الدولة"، الذي أشار إلى أن وردكوا توفي في إحدى مشافي الإمارات في يوليو/ تموز 2016، وهو مؤسس القوات الثورية من أجل الصحراء التي خاضت صراعاً مسلحاً في النيجر قبل أن يستعين بها القذافي لإجهاض ثورة فبراير 2011. 

وتوجد علاقة بين مسلحي التبو ومليشيات حفتر، وفق ما يؤكده الرائد بلال كلمنته آمر سرية بالكتيبة 411 حرس الحدود التابعة لحكومة الوفاق، والذي أشار إلى أن حفتر منحهم مسميات عسكرية مثل كتيبة شهداء أم الأرانب والكتيبة 634 والكتيبة 184 حرس الحدود، ولضمان ولائهم له، ترك لهم حرية السيطرة على المنطقة ومنها منفذ التوم الحدودي مع النيجر، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن شرف الدين بركة من أقوى حلفاء حفتر الحاليين. 

الوقائع السابقة يثبتها فيديو ظهر فيه التواتي العيضة، أحد نواب برلمان طبرق الموالين لحفتر، وهو يوجه أفراداً من مليشياته في منطقة الكفرة للتنقيب عن الذهب في جبل العوينات جنوب شرق ليبيا الحدودي مع مصر والسودان، قائلاً لهم:" نقّبوا عن الذهب وبيعوا، فهو حق طبيعي لكم". 

التهريب عبر منفذ التوم الحدودي 

بعد تراجع نشاط التنقيب عن الذهب في جبال تيبستي، وانتقاله إلى مناطق حدودية مع النيجر، يسلك مهربو البشر منذ بداية عام 2020 طريق مدروسة وتجرهي إلى الجنوب من القطرون جنوب ليبيا، في نقل المهاجرين، وصولاً إلى منفذ التوم الحدودي مع النيجر، وفق ما وثقه معدّ التحقيق عبر إفادات مهربين، ومنهم الليبي مصطفى دنده، والذي يقول إن سبب نشاط خط الهجرة عبر الحدود مع النيجر يعود إلى إعلان مليشيات حفتر سيطرتها على الحدود مع تشاد وإغلاقها مناجم الذهب في مناطق تيبستي الفاصلة بين البلدين. 

وفي 23 مارس/ آذار 2019 أعلنت كتيبة شهداء أم الأرانب التابعة لحفتر عن انطلاق عملية تأمين وضبط الحدود بالتنسيق مع تشاد والنيجر، وإزالة البوابات الوهمية وإخلاء مناجم الذهب في منطقة كوري بوغودي المتاخمة للحدود التشادية بالتنسيق مع الجيش التشادي، وفق ما جاء على صفحة الكتيبة في "فيسبوك". 

لكن التباوي عيسى آجي والذي يعمل دليلاً للمهربين عبر مسالك الصحراء لقدرته على التنقل بحرية بين أبناء عمومته في ليبيا والنيجر، يؤكد أن المسافات مؤمنة من خلال دفع الإتاوات لبوابة تقيمها مليشيات من الطرفين، وفي الجانب الليبي يحصي خبير الصحراء 6 بوابات أشهرها بوابة "أحمدي بو تنقا" التي تقع في المسافة بين مدروسة وتجرهي ومنفذ التوم الحدودي مع النيجر وتتبع لقائد فصيل ضمن مليشيات العدل والمساواة السودانية التي تقاتل لصالح خليفة حفتر.