معاناة الغزيات... تقاعس الشرطة يفاقم العنف ضد النساء

غزة
محمد الجمل
15 فبراير 2021
+ الخط -

تتفاقم آلام الغزيات المعنفات، بسبب تقاعس الشرطة عن القيام بدورها في حمايتهن إذ يتلكأ مسؤولو الشكاوى ويحاولون ثنيهنّ عن اللجوء إلى القانون، ما أدى إلى وقوع حالات قتل، بينما يحاصرهن قصور تشريعي وأعراف سائدة.

-اتجهت الثلاثينية الغزية، أمل سالم إلى مركز الشرطة لتقديم شكوى ضد زوجها في شهر فبراير/شباط 2020، بعدما اعتدى عليها بالضرب المبرح، وهو ما أكده تقرير طبي كشف عن وجود كدمات في مختلف أنحاء جسدها، لكن المسؤول عن تلقي الشكوى بدلا من القيام بعمله، حولها إلى قسم العلاقات العامة، وهناك خضعت سالم لمحاولات إقناع من قبل العاملين في قسم الشرطة بمدينة غزة، لثنيها عن التقدم بشكوى ضد زوجها، وحين أصرت طُلب منها المجيء بوالدها الذي رفض ذلك مفضلاً الطرق الودية في الحل، ما أجبرها على الخضوع لرغبة العائلة، التي أعادتها مجدداً لزوجها، قائلة: لـ"العربي الجديد":"عدت بانتظار جولة جديدة من العنف".

تلكؤ الشرطة يفضي إلى القتل

تتلكأ الشرطة في تسجيل شكاوى المعنفات، وتحيل الأمر للصلح العشائري، أو تطلب من الضحية أن تأتي بوالدها أو شقيقها الأكبر، وهو ما أدى إلى تضاعف العنف ضد المرأة في القطاع، بحسب إفادة الحقوقية والباحثة في وحدة المرأة بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ماجدة شحادة، والناشطة النسوية تغريد جمعة، المدير التنفيذي لاتحاد لجان المرأة الفلسطينية.

ويؤدي مسار إعادة المعنفة دون أخذ مقتضى قانوني بحق ممارس العنف ضدها، إلى التمادي في الأفعال الإجرامية، "ولدينا توثيق لحالتين في عام 2020 توجهتا مرتين للشرطة دون اتخاذ إجراءات مناسبة، حتى توفيتا بعد تعرضهما لضرب مبرح من قبل الأهل"، بحسب ما تؤكده شحادة.

ورصد معد التحقيق ثماني حالات تعرضن للعنف، وتوجهن لتقديم شكوى، لكن أربعة منهن اضطررن للتراجع، مقابل الحصول على الطلاق الذي يطالبن به، أو الحصول على حضانة الأطفال، بينما مورست ضغوط على الأربع الأخريات من العلاقات العامة وجهات عشائرية لسحب الشكاوى أو التراجع عن تقديمها.

1700 امرأة تراجعن عن شكواهن ضد المعتدين

ويتم مساومة ثلث المعنفات واللواتي يطالبن بالطلاق، على التنازل عن حقوقهن الشرعية مقابل الطلاق، بحسب ما تؤكده جمعة وشحادة، حتى أن بعضهن اضطر لدفع رسوم المحكمة ليتم الطلاق، (تصل إلى 100 دولار)، وفق ما رصدته المحامية في العيادة القانونية للجمعية الوطنية للديمقراطية والقانون رباب الشاعر.

تفاقم العنف ضد المرأة

وثقت جمعيات حقوق المرأة في غزة، 1800 شكوى عنف جسدي ونفسي وجنسي، داخل الأسرة، سواء من الأب، أو الزوج، أو أقارب من الدرجة الأولى خلال عام 2019، بينما تراجعت 1700 حالة عن شكواهن، ولم يتم تسجيلها، في حين بلغت الشكاوى حتى أواسط شهر سبتمبر/ أيلول الماضي 1500 شكوى، وتراجعت النساء عن تسجيل أكثر من 700 شكوى، وفق ما تؤكده الناشطة جمعة.

وبلغ عدد جرائم القتل في قطاع غزة والضفة الغربية 121 جريمة قتل امرأة وطفل على أيدي ذويهم منذ عام 2015 حتى نهاية 2020، وحسب مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، فإن 37% من حالات القتل لشابات بأعمار صغيرة، بين 18 عاما و29 عاما، و29% منهن يحملن مؤهلا جامعيا، من بينهن العشرينية صفاء شكشك التي لفظت أنفاسها الأخيرة في فبراير/شباط الماضي، بعد تعرضها لضرب مبرح من قبل زوجها، الذي رفضت أن تعطيه 20 شيكلاً (8 دولارات) مدعيا قبل اعترافه بالجرم للجهات الأمنية أنها انتحرت حسب إفادة الأم لـ"العربي الجديد".

وتعرضت 29% من المتزوجات أو اللواتي سبق لهن الزواج لأحد أشكال العنف، و61% من المعنفات فضلن السكوت وعدم إخبار أحد، و1% منهن ذهبن لتقديم شكوى في مراكز نسوية أو في مراكز للشرطة، وفق دراسة مسحية أجراها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شملت الضفة الغربية وقطاع غزة نهاية عام 2019، وبينت الدراسة أن 40% من المعنفات يعلمن بوجود مراكز للشرطة ومراكز للحماية من العنف، لكنهن امتنعن عن تقديم شكاوى.

1800 شكوى عنف جسدي ونفسي وجنسي داخل الأسرة في غزة خلال عام

ووفق جمعة فإن بعض متلقي الشكاوى يحاولون وضع اللوم على السيدة، بسؤالها "ماذا فعلت ليضربك؟"، وهو ما تؤكده الدكتورة سناء أبو عودة الأخصائية النفسية بمركز "حماية وتمكين النساء والعائلات" المتخصص بقضايا العنف ضد النساء، والتابع لمركز الأبحاث والاستشارات القانونية، والمحامي محمود وافي من جمعية الثقافة والفكر الحر والتي تدير عيادة قانونية خاصة بالنساء من الفئات الهشة، موضحين أن الشرطة في كثير من الأحيان لا تنصف النساء، ولا تساعدهن على التقدم بشكاوى ضد المعتدين، إذا كانوا أقرباء من الدرجة الأولى.

الصورة
عنف3

قصور قانوني

تبلغ نسبة المعنفات اللواتي يفصحن عن تعرضهن للاعتداء 11% من إجمالي الحالات المرصودة وهؤلاء هن من يجرؤن على تقديم شكوى ضد الشخص المعنف، بحسب جمعة التي لفتت إلى أن أكثر من 80% من الشكاوى التي يتم تقديمها لا تنجح في استكمال الإجراءات القانونية، ولا تزيد نسبة من يحصلن على حقوقهن عن 9% إذا ما وجدن جهة تساندهن، وهو ما ترجعه الناشطة جمعة إلى أن متلقي الشكاوى في مراكز الشرطة، غير مدربين للتعامل مع النساء المعنفات، وتابعت: "هناك ضباط شرطة يتعاملون مع الأمر من منطلق إنهاء القضية وعدم إيصالها للمحكمة أو النيابة، وربما الدوافع نبيلة للحفاظ على تماسك الأسرة، لكن النتيجة كانت التمادي في العنف، وصولا إلى القتل".

واصطدمت بعض القضايا التي تبنتها مؤسسات نسوية وأوصلتها إلى المحاكم، بقصور قانوني، وفق جمعة التي أضافت: "في البداية تواجه السيدات مشكلة إثبات العنف، خاصة إذا لم يكن بحوزتهن تقرير طبي، أو مر على الحادثة فترة من الزمن، أما في حالات القتل فالقاتل إذا كان أباً أو أخاً أو زوجاً، يخرج من السجن بعد أشهر، إما بحجة "العذر المخفف"، الذي ما زال معمولاً به في غزة (تم إبطاله في الضفة)، أو لأنه هو ولي الدم، أو تنازل ولي الدم، وهذا يعطي ضوءاً أخضر للاستمرار في القتل".

إقرار قانون حماية الأسرة خطوة مؤجلة بحجج واهية

وتنص المادة (18) من قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936م المطبق في غزة على أنه "يجوز قبول المعذرة في ارتكاب فعل أو ترك يعتبر إتيانه جرماً لولا وجود تلك المعذرة إذا كان في وسع الشخص المتهم أن يثبت بأنه ارتكب ذلك الفعل أو الترك درءاً لنتائج لم يكن في الوسع اجتنابها بغير ذلك والتي لو حصلت لألحقت أذى أو ضرراً بليغاً به أو بشرفه أو ماله أو بنفس أو شرف أشخاص آخرين ممن هو ملزم بحمايتهم أو بمال موضوع في عهدته"، وهذا حدث مع خمس حالات قتل على خلفية الشرف في غزة منذ عام 2017 وحتى عام 2020.

ويؤكد القصور التشريعي السابق أهمية سنّ قوانين تحارب العنف داخل الأسرة، وتُلزم الجيران بالإبلاغ عن حالات تعنيف النساء، ليتم نقل تلك القضايا إلى نيابة مختصة لها علاقة بالعنف الأسري، تحت إشراف النيابة العامة، بحسب ما يراه الباحث الحقوقي محمد أبو هاشم.

الشرطة: نستشعر خطورة الظاهرة

يقول العقيد أيمن البطنيجي، الناطق باسم الشرطة في غزة: "نستشعر خطورة الظاهرة، وغيرنا من التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، ونشجع المعنفات على تقديم شكاوى ضد من يعنفهن، ونحن بصدد نشر مادة إعلامية ممولة على مواقع التواصل الاجتماعي، لإظهار القناة المفتوحة التي خصصتها الشرطة لاستقبال الشكاوى".

وتابع أن الشرطة تعاملت مع 100 شكوى في عام 2019 ونحو 60 حتى نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، وحولت بعضها "لبيت الأمان" وهو مؤسسة حكومية مخصصة لإيواء النساء المعنفات، في حين تُحوّل بعض القضايا إلى قسم "الأسرة والطفولة"، الملحق بقسم العلاقات العامة في الشرطة.

وتؤكد اعتدال قنيطة رئيسة وحدة المرأة في وزارة التنمية الاجتماعية والتي تدير بيت الأمان الحكومي، أنه يجري استقبال حوالى 160 حالة إيواء سنوياً، ويقدم المركز 400 استشارة نفسية أو اجتماعية و قانونية، بينما تؤكد أبو عودة أن مركز "حياة" استقبل 326 حالة خلال العام 2019، تم إيواء 29 منهن، واستقبل العام الماضي، 178 امرأة معنفة استفادت 36 منهن من خدمة الإيواء.

شكوى على الملأ

عرضت بعض المعنفات شكواهن على مواقع التواصل الاجتماعي بعدما أُغلقت الأبواب في وجوههن، إذ وثق معد التحقيق أربع حالات مماثلة في غزة خلال عام 2020، وهو ما تراه الناشطتان جمعة وشحادة، مسعى من الضحية لإيجاد من يساعدها، غير أن شحادة ترى أن ذلك لا يوفر حلا، ففي النهاية ستعود المعنفة إلى بيت العائلة وتواجه الخطر، لذلك من الضروري فرض رقابة مستمرة على أوضاعهن في المنزل.

وتؤكد مصادر التحقيق أهمية إقرار قانون حماية الأسرة، الذي لا يزال مشروعا لم يُقرّ، بحجة الانقسام وحل المجلس التشريعي، إذ تساءلت شحادة كيف يتم إقرار 67 قرارا بقانون في غزة، وأكثر من 150 قرارا بقانون في الضفة الغربية خلال فترة الانقسام، في حين لم يتم تحويل قانون حماية الأسرة الضروري إلى قانون نافذ.

الصورة
عنف2

ووفق شحادة فإن هذا القانون يعطي حماية للنساء، ويضعف دور العشائرية ويعزز دور القانون، ويضع شروطا وضوابط لأخذ الإفادات من النساء والأطفال المعنفين بما يضمن حقوقهم، ويضع حدا لإفلات مرتكبي الجرائم بحق النساء من العدالة. ورغم المطالبات الواسعة بإقرار القانون، إلا أن نحو 300 محام وقعوا في شهر مايو/أيار الماضي على عريضة، قدموها لرئيس السلطة الفلسطينية، مبدين اعتراضهم على تطبيق القانون الذي أقر بالقراءة الأولى من قبل مجلس الوزراء في 11 من شهر مايو 2020، معتبرينه محاولة لفرض النموذج الغربي على الأسرة الفلسطينية، وأنه أحد متطلبات اتفاقية سيداو، ومن ثَمّ فإنه حتى لو أقر الرئيس القانون فمن الممكن ألا يطبق في غزة، على غرار قوانين أقرت في الضفة ولم تطبق في القطاع.

ذات صلة

الصورة
ضد العنف (العربي الجديد)

مجتمع

خرج المئات من فلسطينيي الداخل في مظاهرة لمكافحة العنف والجريمة، في مسيرة سيارات انطلقت من البلدات العربية من الجيلي والمثلث إلى مبنى الكنيست في القدس. فمنذ بداية العام الحالي قتل 111 فلسطينيا، وفي العقد الأخير راح 1453 ضحية العنف والإجرام.
الصورة
مظاهرة ضد العنف (العربي الجديد)

مجتمع

شهدت العاصمة العراقية بغداد، مساء أمس الأربعاء، تظاهرة نسوية هي الأولى من نوعها، بمناسبة اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة، شاركت فيها أعداد كبيرة من النساء الناشطات، فضلاً عن ناشطين وأعضاء منظمات مجتمع مدني.
الصورة
شريفة العمادي/ مؤسسة قطر/ مجتمع

مجتمع

قالت المديرة التنفيذية لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، شريفة العمادي، إن العنف الأسري يعتمد على فرض القوة والتحكم وعزل الضحية عن العائلة والأصدقاء، ومع التباعد الاجتماعي والحَجْر المنزلي..
الصورة
العنف ضد المرأة/غيتي/مجتمع

أخبار

يحتفل العالم، اليوم الإثنين، بـ"اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة"، إذ أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بهذه المناسبة، أنّ "العنف ضد النساء والفتيات هو أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً واستمراراً وتدميراً في عالمنا اليوم".