مرضى الهيموفيليا في الجزائر... إهمال رسمي يعرضهم للإعاقة والموت

23 أكتوبر 2020
الصورة
تعليمات تحرم مرضى الهيموفيليا من الحصول على العلاج الوقائي (العربي الجديد)
+ الخط -

تفاقم الوضع الصحي لمرضى الهيموفيليا في الجزائر بعد تأخر تطبيق دليل الوقاية الطبية، على الرغم من مشاركة 16 بروفيسورا في إعداده بإشراف وزارة الصحة منذ يناير 2017، ما أدى إلى تعرض 1200 مصاب لإعاقة حركية فيما يهدد الموت آخرين لا يجدون الدواء. 

- تقطع الأم الجزائرية نسرين كرموش، 402 كيلومتر كل أسبوع، من محافظة الأغواط حيث تعيش إلى ورقلة للحصول على علاج طفلها المريض بـ الهيموفيليا من مستشفى محمد بوضياف، غير أن تلك الرحلة الصعبة والتي تكلفها 1300 دينار جزائري (10.17 دولارات أميركية)، تهون من أجل حمايته من خطر الإعاقة كما تقول لـ"العربي الجديد"، وتتابع بحزن: "أتوسل المسؤولين في المشفى للحصول على حقن. ليس لدي خيار آخر فحياة ابني تستدعي ذلك، لكنهم متفهمون لوضعي ولا يبخلون عليّ بالدواء عندما يتوفر لديهم".

معاناة كرموش ومخاوفها لها ما يبررها كما توضح إفادة رئيسة الجمعية الوطنية للتكفل بالمصابين بالهيموفيليا في الجزائر، لطيفة لمهن، والتي تتابع تفاقم الوضع الصحي لمرضى الهيموفيليا مع تأخر تطبيق دليل الوقاية الطبية لطفل الهيموفيليا، على الرغم من مشاركة 16 بروفيسورا جزائريا في إعداده بإشراف وزارة الصحة منذ يناير/كانون الثاني 2017، بهدف الوقاية من المرض وتداعياته وتوفير الدواء الوقائي بكل المشافي الجزائرية.

لكن تأخر وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات الجزائرية في إعداد القوانين المتعلقة بالدليل العلاجي منذ ما يزيد عن 3 سنوات، أدى إلى تعرض 1200 مصاب بالمرض من إجمالي عدد المصابين البالغ عددهم 3 آلاف مريض، لإعاقة حركية، بسبب عدم حصولهم على العلاج الوقائي المنتظم، وفق ما تؤكده لمهن لـ"العربي الجديد". 

ونزف الدم الوراثي أو الهيموفيليا (haemophilia)‏ اسم يُطلق على أي من الأمراض الوراثية المتعددة التي تسبب خللا في الجسم وتمنعه من السيطرة على عملية تخثر الدم، كما توضح مصادر التحقيق.

الصورة
انفو 1

لماذا تأخر إعداد القوانين؟

يتوزع مرضى الهيموفيليا على 48 محافظة من بينها 32 محافظة تفتقر للعلاج المنتظم (الوقائي)، ولديها دواء عند حدوث النزيف فقط، والسبب يعود إلى عدم وجود مستشفيات جامعية لديها تخصصات في أمراض الدم بتلك المحافظات، ولو حُضِّرت النصوص القانونية وتطبيق الدليل العلاجي لكان تم توفير الدواء بقوة القانون في المشافي الصغيرة التي تملكها هذه المحافظات كما ستوفَّر أطقم طبية مختصة في أمراض الدم، لأن الدليل جاء ليطبق العلاج الوقائي على كل محافظات الجزائر وليس على جزء منها فقط، كما يقول البروفيسور نور الدين سيدي منصور رئيس مصلحة أمراض الدم بمستشفى ابن باديس في قسنطينة، مضيفا أن تطبيق العلاج الوقائي عن طريق القانون يجنب المرضى الإعاقة والشلل، ويضمن صحة المفاصل والمحافظة على النشاط اليومي للمريض.

لكن لماذا تأخرت وزارة الصحة في إعداد القوانين التي تضمن توفير العلاج الوقائي لكل مرضى الهيموفيليا كل هذه المدة؟ يجيب مسؤول الإعلام السابق بوزارة الصحة، سليم بلقسام: "يوجد تقصير من قبل وزير الصحة الأسبق، عبد المالك بوضياف (متابع بتهم تتعلق بفساد)، كونه المسؤول عن إعطاء تعليمات لإعداد القوانين، علما أن تحضيرها يتم في 3 أشهر".

الصورة
الهيموفيليا 2

ويرد بوضياف الذي شغل منصب وزير الصحة حتى 25 مايو/أيار 2017 على سبب تأخر إعداد القوانين: "كنا منشغلين بإعداد قانون الصحة الجديد، مما تسبب في عدم تفعيل الدليل".

بينما تبرر الدكتورة جميلة ندير، نائبة مدير مصلحة الأمراض المزمنة بالوزارة، التأخر في إعداد القوانين بأن "الشروع في وضع سجل وطني لتحديد عدد المصابين بمرض الهيموفيليا بعد التصويت على قانون الصحة في 2018 هو ما أخر إعداد القوانين"، مضيفة أن السجل، سيكون جاهزا في ديسمبر/كانون الأول 2020، ما سيُسهل معرفة عدد المرضى لتحديد كمية الدواء وتوزيعه، من خلال التنسيق إلكترونيا مع المشافي التي تُحصي كل من أخذ دواء من المرضى، لأن هناك مرضى يأخذون الدواء من أكثر من مستشفى، ما يحرم آخرين من حقهم في الدواء.

وعن أسباب عدم إعداد القوانين في فترة وزير الصحة الحالي، عبد الرحمن بن بوزيد الذي شارك في إعداد الدليل العلاجي مطلع العام 2017، تقول الدكتورة جميلة: "الوزير بوزيد كان يُحضر لتسوية القوانين بداية العام الجاري. لكن جائحة كورونا عطلت العملية"، مؤكدة أن القوانين ستُجهز قبل نهاية العام الجاري.

الصورة
انفو 2

تفعيل الدليل مبكرا كان سيفيد الأربعيني الجزائري مهدي نجادي الذي تعرض لإعاقة حركية، بسبب توقفه عن استخدام العلاج الوقائي prophylaxie لمدة شهرين في العام 2014 للوقاية من حدوث النزيف الدموي، وفق ما يقوله، مضيفا أنه كان يحصل على حقنة ديزموبريسين (Desmopressin) فقط عند حدوث النزيف، لدى انتقاله إلى مستشفى وهران الجامعي شمال غربي الجزائر، مشيرا إلى رفض المشفى منحه علاجا وقائيا بحجة أنه يعيش خارج المحافظة التي يقع فيها المستشفى، رغم أنه يقطع مسافة 233 كيلومترا من بلدته تاخمرت الواقعة جنوب غربي الجزائر حتى يصل إلى المشفى كما يقول لـ"العربي الجديد".

حرمان من العلاج الوقائي

ترفض المستشفيات توفير العلاج المنتظم للمرضى خارج أقاليمها، بحجة أن كل مشفى لديه كمية دواء للمرضى القاطنين في نطاقها الجغرافي وفق ما تقوله لطيفة لمهن، مضيفة أن المشكلة تبدو أكثر في مشافي الجنوب لافتقادها للدواء.

وأصدرت وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات الجزائرية، تعليمات بعدم منح الوافدين من خارج محافظاتهم، علاجا منتظما، بحسب الدكتورة جميلة ندير، والتي استدركت في إفادتها "العربي الجديد": "الوزارة أخطرت مديري المستشفيات بالتكفل بالمرضى في الحالات الحرجة".

التعليمات السابقة يصفها البروفيسور محمد سليم نكال، رئيس مصلحة أمراض الدم بالمستشفى الجامعي يسعد حساني في بني مسوس بالعاصمة، بـ"القاسية"، قائلا: "هناك مناطق لا تتوفر فيها مشافي أمراض الدم"، مضيفا أن غياب قوانين الدليل العلاجي، تسبب في عدم تطبيق المستشفيات للعلاج الوقائي وخاصة في حالة المرضى من خارج الإقليم.

وفاقمت تلك التعليمات من معاناة 4 مرضى واجهوا صعوبة في الحصول على العلاج في مشاف واقعة خارج نطاق محافظاتهم، ومنهم الأربعينية لميس غفران التي تقطع 57 كيلومترا من محافظة ميلة شرقي الجزائر، حيث تعيش إلى مستشفى ابن باديس بقسنطينة، بحثا عن العلاج لطفلها خليل (12 عاما) كما تقول لـ"العربي الجديد"، مضيفة أنها تطلب المساعدة من المحسنين للحصول على قيمة الدواء وتكلفة تنقلهما البالغة 1000 دينار (7.81 دولارات) ذهابا وعودة، لكنها تصطدم بعدم توفر الدواء إلا للحالات العاجلة فقط.

الصورة
الهيموفيليا1

ويعالج مستشفى قسنطينة، مصابين بمرض الهيموفيليا من 8 محافظات واقعة في الشرق الجزائري بإجمالي 500 مريض بحسب البروفيسور سيدي منصور، والذي لفت إلى توافد 200 مصاب في اليوم أحيانا لتلقي الحقن.

وقال سيدي منصور: "نعاني من ضغط رهيب لذا لا نوفر الدواء، إلا في الحالات العاجلة للقادمين من خارج قسنطينة"، متهما الوزير بوضياف بتجميد بناء مراكز لمرضى الهيموفيليا بتلمسان شمال غربي الجزائر وورقلة، ولو تم بناء تلك المراكز لخفّ الضغط على الدواء وفق تأكيده.

لكن بوضياف يرد بخصوص مراكز تلمسان وورقلة، بأن الميزانية لا تكفي للإنجاز، مؤكدا على تشييد مركز وطني للهيموفيليا بمستشفى يسعد حساني ببني مسوس بتكلفة 2 مليار دينار (15 مليونا و648 ألف دولار) في عام 2017.

في انتظار الوفاة

يتوفر العلاج المنتظم حاليا في 16 مستشفى تتوزع على محافظات "الجزائر، تيزي وزو، بليدة، تيبازة، عنابة، قسنطينة، وهران، مستغانم، تلمسان، غليزان، معسكر، بشار، تندوف، ورقلة، تمنراست، أدرار"، ومن الأدوية التي توفرها وزارة الصحة لتلك المستشفيات، حقن desmopressin للوقاية من النزيف وفيبا Vpa (وهو مركَّب مضاد للتثبيط المخثّر يستخدم لعلاج المرضى المصابين بالهيموفيليا) ودواء نوفو سيفن أر. تي Novoseven RT لوقف النزيف الحاد وفق الدكتورة جميلة، والتي لفتت إلى أن قيمة تلك الأدوية، بلغت 493 مليون دينار سنويا (3 ملايين و857 ألف دولار) في عام 2008، وزادت في 2019 إلى 2.5 مليار دينار سنويا (19 مليونا و533 ألف دولار).

ويقول بلقسام إن غلاء سعر الدواء أحد مسببات تغاضي الوزارة عن إعداد النصوص القانونية. وتعلق الدكتورة جميلة على ذلك بالقول: "صحيح أن الدواء مكلف. لكن ذلك لن يعيق الوزارة عن إصدار النصوص القانونية"، مستدركة: "لتجسيد النصوص القانونية يجب توفير المال لشراء أدوية إضافية"، وتابعت: "ستطلب الوزارة ميزانية إضافية من قانون الموازنة 2021، لاقتناء أدوية وتوزيعها على المراكز الاستشفائية في كل البلديات".

الصورة
الهيموفيليا3

ويبدأ العلاج الوقائي الأولي، بشكل منتظم عند اكتشاف الإصابة بالهيموفيليا، بهدف الوقاية من النزيف، واعتلال المفاصل، والعلاج الثانوي يستخدم بشكل منتظم بعد سنتين من التعرض للمرض، لمتابعة تلقي الحقن في حالات النزيف، وتحسين حياة المصابين وفق الدليل العلاجي، الذي لم يتم تطبيقه حتى الآن كما يقول البروفيسور نكال، مضيفا أن العلاج الوقائي يستخدم 3 مرات أسبوعيا لكي يتجنب المريض نزيف الدم الداخلي والخارجي ويتحاشى خطر الإعاقة وشبح الموت.

وإذا تأخر العلاج واشتد النزيف فيستغرق إيقافه أسبوعا، بمعدل حقنة كل ساعتين وفق ما يقوله البروفيسور نكال، موضحا أن طريقة العلاج في المشافي تتم بإخضاع المريض للحقن ووضعه تحت المراقبة الطبية، في حين أن العلاج المنزلي يتمثل في ممارسة الرياضة، ويمكن للمريض حقن نفسه بعد إجراء تكوين على ذلك مثلما يفعل مرضى السكري، كما يمكن للأهل فعل ذلك إن كان المصاب صغيرا.

وتنشط "الجمعية الولائية لمساعدة مرضى الهيموفيليا الحياة تيارت hémophilie"، على صفحتها في "الفيسبوك" من أجل إيصال صوت المرضى للمسؤولين، وحثهم على إعداد القوانين لتطبيق الدليل العلاجي وفق تأكيد رئيسها محمد مودن، مشيرا إلى توثيق معاناة 200 مريض تعرضوا لإعاقات بنسب مختلفة بسبب عدم تلقيهم علاجا وقائيا منتظما، نتيجة عدم توفر الدواء في مستشفى يوسف دمرجي في محافظة تيارات، واقتصاره على الحالات المستعجلة في حال حدوث النزيف كما يقول.

الصورة
انفو 3

ولمزيد من الضغط على وزارة الصحة من أجل إعداد القوانين الخاصة بتطبيق الدليل العلاجي، تؤكد رئيسة لجنة الصحة بالبرلمان الجزائري عقيلة رابحي أنها ستوجه سؤالا لوزير الصحة بعد عودة البرلمان من العطلة، مردفة بالقول: "لقد رفعت تقريرا مفصلا إلى رئيس الجمهورية في 14 مايو/أيار الماضي حول ندرة دواء الأمراض المزمنة في الجزائر بما فيها دواء الهيموفيليا لكني لم أتلق ردا عليه حتى الآن".

وأضافت: "صحيح أن وباء كورونا جعل اهتمام الحكومة منصبا لمواجهته، لكننا لن نغفل عن باقي الأمراض وبالخصوص الهيموفيليا"، مستدركة: "يجب علينا إنقاذ هذه الشريحة من المجتمع التي تعاني في صمت".