استمع إلى الملخص
- عاد سيف الإسلام للسياسة بترشحه للانتخابات الرئاسية في 2021، رغم كونه مطلوبًا دوليًا، وحاول بناء تحالفات سياسية، لكن مقتله أثار تساؤلات حول استهدافه سياسيًا وسط توترات مع خليفة حفتر.
- يعكس مقتل سيف الإسلام الصراع المستمر على السلطة في ليبيا، حيث تتنافس القوى المختلفة، وتظل البلاد منقسمة وغير مستقرة مع غياب رؤية موحدة لبناء دولة ديمقراطية.
"هذا ما جناه عليّ أبي"، لعل سيف الإسلام القذافي جالت بخاطره تلك الكلمات، بينما كان في مواجهته الأخيرة مع قاتليه بالأمس، لكنه بالتأكيد لا يؤمن بالشطر الثاني القائل "وما جنيت على أحد"، فـ"الدكتور" (كانت أطروحته في جامعة لندن عن كيفية تحسين الديمقراطية العالمية!) كما ناداه أنصاره، انخرط في قمع شعب ليبيا الثائر عام 2011 مشاركاً أباه في تدمير أحلامهم بمستقبل يغادر ماضيهم "الأخضر" بما عناه اللون من كل نقائض معانيه، كيف لا؟ والأب رسخه "ماركة مسجلة" على طغيان صاغه أو صيغ له في كتاب ضم خلاصة جبروت "مُعمر" لم ينجح في شيء سوى هدم معنى الدولة وسد كل أفق لاح منه أصغر بصيص ضوء حلم به طويلاً شعب لم يعرف أثناء 42 عاماً من حكمه ماذا تعني كلمة حكومة طبيعية، عليها ببساطة ودون تفلسف، خدمة ملايين قليلة لتمكينهم من الاستمتاع بثروات طائلة لا يسمعون حسيسها إلا في أخبار راجت عن تمتع سيف وهانبيال والساعدي ومحمد وعائشة والمعتصم وخميس بها.
هكذا بموته تنتهي عملياً حقبة الأب فآخر رواسبها تجسّدت في شخص سيف، وريث الأخ القائد منذ عام 2009 بعدما حظي بمنصب منسق القيادة الشعبية الاجتماعية، أي إنه صار الرجل الثاني في البلاد، عقب توليه مسؤولية المرجعية العليا للنظام الجماهيري الغرائبي وخلاصته حكم عائلة تلاعبت بكل شيء حتى اللغة، فلأن الابن سر أبيه، أطلق الراحل مشروعاً دعاه "ليبيا الغد"، في حقيقته غده هو، أي استواؤه على عرش البلاد، بينما ظاهرياً روّج أنصاره لمستقبل يتخطى جمود عهد الوالد باتجاه ديكتاتورية أكثر "عقلانية"، أو ما أسموه بـ"شبه الديمقراطية"، في صيغة لم يرتضها الليبيون، فخاضوا معركتهم ضدها وضد الأب والابن، وبالرغم من كل الدماء السائلة في ثورة فبراير وما بعدها لم يتخل سيف عن حلمه، عائداً لتصدر المشهد من بوابة الانتخابات الرئاسية نهاية عام 2021.
وقتها قدم أوراق ترشحه، رغم أنه لا يزال مطلوباً منذ مايو/أيار 2011 للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم إنسانية باقياً رقماً مهماً في معادلة اللاهثين وراء عرش يعوم على بحر من النفط بدا وكأنه قد اقترب منه عقب تحالفات نسجها في غرب البلاد، وهنا ثمة سياق جغرافي عسكري سياسي لا بد من استحضاره، إذ جاءت نهاية المرشح الرئاسي القوي بعد أقل من شهرين على مقتل رئيس أركان الجيش الليبي، الفريق أول محمد علي الحداد، ومستشاره محمد العصاوي دياب، ورئيس أركان القوات البرية الفريق ركن الفيتوري غريبيل، ومدير جهاز التصنيع العسكري العميد محمود القطيوي، في خسارة كبيرة أثارت مخاوف هائلة، ترجمتها أسئلة من قبيل هل وقوع طائرة الحداد اغتيال سياسي أم خلل تقني؟ والقاعدة تقول فتش عن المستفيد وفي حالة الحداد سابقاً وسيف الإسلام حاضراً كان ولا يزال خليفة حفتر قائد مليشيا الشرق المتعاون مع الروس، الموصوف عبر ماكينة القذافي الابن الإعلامية بـ"الأميركي".
في المحصلة تساقط الرجال الأقوياء غرباً يصب في مصلحة عائلة حفتر المستنسخة برداءة من سابقتها القذافية، ويفكك تحالفات بين محسوبين على الثورة يحكمون في الغرب وبقية من أتباع الجماهيرية لا يزال لهم نفوذ قبلي، كان سيف قائدهم، ولم لا وقد ظهر مرتدياً عباءة والده مادياً ومعنوياً مستدعياً ذكراه، ليحتفي به الأنصار ويرددوا ألم يخبركم الرجل إبان ثورتكم في عام 2011 أن البلاد ستنقسم؟ إنه الحل ورابطة العقد المنفرط بين شرق مستعص تقوده مليشيا بقناع دولة، وغرب منكوب بتعدد المليشيات، وجنوب لا يعرف إلى أيهما ينتمي، فالخياران كلاهما سام، وإن كان أحدهما يقتل على الفور بينما الآخر يعمل وفق قاعدة "أنت ونصيبك"، كما يقول المثل الشعبي عمن ينتظره مستقبل مبهم، سعى سيف جاهداً لامتلاك زمامه، بعدما فشل عقلاء ونخب من القابعين بطرابلس في صياغة أطروحة تنطلق منه لتوحد البلاد ليس على قاعدة اقتسام المناصب والعوائد فقد ثبت فشلها وخلقت مئات من أمراء الحرب، وإنما من خلال نموذج مدني ديمقراطي مركزي ناجح يجذب أهل الشرق والجنوب، رغماً عن حفتر وأبنائه الذين لم يعتبروا من مصير القذافي وعياله، فالطغاة لا يتعظون، ويجنون على عائلاتهم قبل نسلهم، هذا ما تقوله أحداث تاريخ تجاهله سيف الإسلام فقضى عليه.