قوائم السلع الممنوعة... الاحتلال يقتل صيادي غزة ويدمر قواربهم

قوائم السلع الممنوعة... الاحتلال يقتل صيادي غزة ويدمر قواربهم

غزة
محمد الجمل
28 نوفمبر 2021
+ الخط -

يضطر الشقيقان إبراهيم ومحمد عواد من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، لاصطحاب وعاء بلاستيكي صغير في كل مرة يدخلان فيها إلى بحر القطاع المحاصر بحثا عن رزقهما، من أجل سحب المياه المتسربة إلى قاربهما المُهترئ مرة كل نصف ساعة على الأقل، وإلا واجها خطر الغرق.

ويعجز الصيادان عواد عن إجراء صيانة لقاربهما، بسبب منع الاحتلال منذ 14 عاما، إدخال مادة "الفيبر غلاس Fiberglass" وهي عبارة عن لدائن مدعمة بألياف زجاجية، وتعد المادة الاساسية لبناء القوارب، وفق ما أكده كل من مدير دائرة الخدمات السمكية في وزارة الزراعة المهندس جهاد صلاح، ونقيب الصيادين في غزة نزار عياش، وزكريا بكر منسق لجان الصيادين في اتحاد العمل الزراعي (مؤسسة مجتمع مدني).

"شراك الموت" تفاجئ صيادي غزة وتقتلهم خلال عملهم

ضحايا قائمة ممنوعات الاحتلال

لا يقتصر المنع على الفيبر غلاس، ولكن القائمة تطول، وفق ما يشرحه صلاح وعياش، إذ تشمل محركات المراكب وقطع غيارها، وكوابل معدنية تستخدمها المراكب الكبيرة لسحب الشباك، و"بخاخ إسفنجي" لإغلاق الثقوب في القوارب، وأنواع من الأخشاب المقوسة تستخدم لصناعة حواف المراكب، ما جعل الصيد عبر المراكب المتهرئة مهنة شديدة الخطورة، ويؤدي في كل عام إلى وقوع ما بين 80 و120 حادثة انقلاب وغرق لقوارب ومراكب، بينما لقي أربعة صيادين حتفهم خلال الفترة من شهر يوليو/تموز 2020 وأوائل شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وأصيب 90 بجروح وكسور، جراء حوادث متفرقة في بحر القطاع، ولولا مهارة معظم الصيادين في السباحة، لكان عدد الوفيات أكبر كما يقول مسؤولا قطاع الصيد بكر وعياش.

قوارب مهترئة في مواجهة أمواج عاتية

توقف 300 قارباً أي ما يعادل 20% من مجموع المراكب المسجلة لدى الوزارة والنقابة عن العمل تماماً، بينما يعمل 20% بشكل جزئي وتبحر على مسافات قصيرة وفي أجواء مستقرة فقط، كما يؤكد عياش وصلاح اللذان أوضحا ان الفيبر غلاس في حالات نادرة يتوفر في السوق السوداء وثمن الكيلوغرام ما بين 100 شيكل (الدولار يساوي 3.12 شيكلات) و150 شيكلا، بعد أن كان يباع في السابق "قبل الحصار" مقابل 10 شيكلات فقط ، ويحتاج المركب من أجل صيانته ما بين كيلوغرامين و10 كيلوغرامات، حسب حجم المركب ودرجة الضرر.

ويعمل في مهنة الصيد 4452 صياداً، يعيلون قرابة 7000 فرد، يمتلكون 1583 قاربا، من بينها 1000 مزودة بمحركات، والباقي تتحرك بالمجاديف الخشبية، كما يوضح فايز الشيخ مسؤول الإعلام في وزارة الزراعة.

الصورة
الصيادون في غزة 2

وتوقفت 30% من محركات المراكب عن العمل، ولا يوجد قطع غيار لإصلاحها، كما تعاني جميع المحركات من إمكانية التعطل المفاجئ بسبب عدم الصيانة، كما حدث مع أحدها والذي غرق بعد تسرب المياه إليه في شهر سبتمبر/أيلول الماضي بينما كان يبحر على مسافة 9 أميال بحرية قبالة مدينة غزة، وهرع قاربان نحوه وانتشلوا الصيادين العالقين، وجرى سحبه للشاطئ، بحسب نقيب الصيادين عياش.

وتوفي الصياد محمد مصلح، بعد انقلاب قارب صيد كان يستقله برفقة اثنين من أشقائه، في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول الماضي، بعد تعطل محرك القارب المهترئ فجأة، لكن شقيقهم علاء غامر ودخل لهم بمركب مهترئ كذلك، ليتمكن من انتشال اثنين من أشقائه أحياء، بينما فقدت آثار محمد ولم يُعثر عليه إلا جثة هامدة بعد عدة ساعات، وهو ما يؤكده عياش قائلا: "صلاحية جميع المحركات انتهت، العمر الافتراضي للمحرك ما بين 3 و5 أعوام كحد أقصى، وأحدث محرك في القطاع يزيد عمره على 14 عاماً، وهذا يشكل خطورة على حياة الصيادين".

حصار مزدوج

يمنع الاحتلال دخول ما بين 100و120 سلعة (قائمة متغيرة) إلى القطاع أغلبها في القطاعات الإنشائية، من بينها 70% من مستلزمات الصيد وفق ما يؤكده محمد سكيك مدير مركز التجارة الفلسطيني "بال تريد" المتخصص بمراقبة أداء المعابر، وهي نفس السلع التي تمنع مصر تصديرها للقطاع، كما يؤكد مصدر أمني مطلع يعمل في معبر كرم أبو سالم، رفض ذكر اسمه كونه غير مخول بالحديث للإعلام، مضيفا أن إسرائيل ومصر اتفقتا على قائمة مشتركة من السلع التي يطلق عليها "مزدوجة الاستخدام"، ومنعتها من دخول غزة، وهو ما يؤكده المهندس صلاح مشيرا إلى فشل كل محاولات وزارة الزراعة لجلب مادة الفيبر غلاس من معبر رفح.

لكن الصياد محمود النجار، لم يستسلم محاولا إدخال قطع غيار صغيرة لمحرك قاربه المتعطل منذ عام بواسطة مسافر قادم إلى قطاع غزة، اشترى القطع المذكورة من العاصمة القاهرة، لكنها صودرت على أحد حواجز الجيش المصري في سيناء، وتعرض المسافر لاستجواب وتوقيف لعدة ساعات دار حول سبب جلب هذه القطع.

مغامرة دخول البحر

أجرى معد التحقيق استطلاع رأي ميدانيا غير قياسي شمل 50 صياداً يعملون في القطاع، أكد جميعهم حاجتهم الملحة والفورية لمادة الفيبر غلاس، من أجل صيانة مراكبهم المهترئة، ومن بينهم 20 وصفوا دخلوهم البحر بحثا عن ما يسد رمق عائلاتهم بـ"المغامرة الخطرة"، لكون مراكبهم مليئة بالشقوق ومعرضة للغرق.

زوارق الاحتلال تخلق أمواجاً صناعية لإغراق القوارب المتهالكة

وواجه 18 صياداً ممن شملهم الاستطلاع حوادث مميتة خلال السنوات الماضية إما بسبب تسرب المياه للقوارب، أو تعطل المحركات، أو لعدم قدرة المراكب الضعيفة على الصمود أمام أمواج البحر.

ويؤكد عياش أن قطاع الصيد في غزة يحتاج في الظروف الطبيعية ما بين 4 و6 أطنان من الفيبر غلاس في كل عام، ولا يوجد بديل متوفر في السوق، غير أن جهات دولية وفرت كميات محدودة جدا، أبرزها اللجنة الدولية للصليب الأحمر،  والتي دعمت صيانة مراكب متوقفة لا يزيد عددها على 60 مركباً خلال السنوات الثلاث الماضية.

وفوق هذه المخاطر المحدقة، يتعرض الصيادون لإطلاق نار متعمد بصورة يومية كما يقول عياش، بينما وثق مركز الميزان لحقوق الإنسان مصادرة الاحتلال لـ 156 قاربا متفاوتة الأحجام ما بين أعوام 2013 و2020، نصفها تآكل واهترأ بسبب تركها في ميناء أسدود، بينما أعاد الاحتلال جزءا منها، وبقي 37 قاربا محتجزا إضافة لـ 70 محركا، حتى الآن، إذ يعمد الاحتلال في نصف الحالات لمصادرة المحرك وترك المركب، وفي حالات أخرى يصادر الاثنين معاً.

شراك الموت

أخطر ما يتعرض له الصيادون "شراك الموت" التي تفاجئهم في المياه، كما حدث مع ثلاثة صيادين من عائلة اللحام، بعدما علقت طائرة مسيرة صغيرة، في شباكهم خلال محاولتهم جمعها من المياه صبيحة السابع من مارس/آذار الماضي، لتنفجر وتقتلهم على الفور، فيما علقت طائرة مماثلة في شباك صيادين آخرين بعدها بيوم واحد، وبمجرد رؤيتها تجنبوا لمسها وسلموها لجهات الاختصاص، وانتشلت الشرطة البحرية طائرة ثالثة من مياه البحر، كما يؤكد إياد البزم الناطق باسم داخلية غزة، موضحا أن التحقيقات كشفت أن الطائرات أسقطتها بحرية الاحتلال في البحر بشكل متعمد، وتحتوي على قنابل معدة لتنفجر بمجرد محاولة تحريكها.

الصورة
الصيادون في غزة1

واستحدث الاحتلال منذ أربعة أعوام طريقة جديدة لتخريب وتدمير القوارب تتمثل في رش مياه عبر مضخات كبيرة مثبتة على متن زوارقه، بعد تسليط المضخة بشكل مباشر على القوارب ما يتسبب بتعطل المحركات، وانفصال أجزائها، إضافة لتعطل مولدات كهرباء يستخدمها الصيادون، وفي سبعة حوادث دفعت المضخات صيادين وأسقطتهم عن قواربهم، ما تسبب بإصابتهم، كما يستخدم الاحتلال طريقة "الأمواج الصناعية"، لإغراق المراكب، عبر دوران زورق إسرائيلي بسرعة كبيرة جدًا، حول قارب الصيد، لخلق أمواج أعلى من أمواج البحر، تتسبب في انقلاب المركب أو إلحاق أضرار به، وفق إفادات 15 منهم التقتهم "العربي الجديد" بينهم الصيادان عواد والنجار، وهو ما أدى إلى إهتراء القوارب بشكل أسرع، وأخرج المزيد منها من الخدمة.

ونتيجة الاعتداءات المستمرة، انخفض عدد الصيادين من 10 آلاف قبل عام 2007، إلى 4452 حالياً، وتراجعت كميات الأسماك التي يتم صيدها سنويا من 4500 طن، إلى 3000 وأحيانا 1500 طن فقط، في حال أغلق البحر أو تم تضييق مساحات الصيد، وهذه الكمية تغطي في أحسن الأحوال 60% من حاجة السكان، ووفق المهندس صلاح كان قطاع الصيد قبل الحصار يساهم بنحو 15% إلى 20% من إجمالي ناتج غزة المحلي، لكن ومع تشديد الحصار وتكثيف الاعتداءات الإسرائيلية انخفض هذا الرقم ووصل إلى 3% فقط.

مساعدات غير كافية

رفعت الحكومة الفلسطينية خلال العام الحالي الحد الأدنى للأجور من 1450 شيكلا إلى 1880 شيكلا شهريا، لكن عياش أكد أن دخل الصيادين الشهري لا يزيد في أحسن الأحوال على 1100 شيكل، وفي بعض الأشهر قد يصل إلى صفر، وهو ما تؤكده الناطقة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قطاع غزة، سهير زقوت، موضحة أن أكثر من 4000 صياد يعانون ظروفا معيشية صعبة، و80% منهم تحت خط الفقر المدقع، نتيجة تعرضهم لحوادث مستمرة وإغلاق البحر أو تقليص مساحة الصيد، وأخطر ما في ذلك منع وصول مستلزماتهم، ما دفع اللجنة للتدخل من أجل مساعدتهم، إذ دعمت منذ عام 2018 وحتى العشرين  من أكتوبر الماضي 40 صيادا وقدمت لكل واحد منهم 5 قطع من الشباك، بعد استعادة مراكبهم المحتجزة لدى الجانب الإسرائيلي.

"واللجنة بصدد تقديم دعم مماثل لـ 53 صيادا جديدا، كما انتهت مؤخرا من تقديم 5 محركات لقوارب بالتعاون مع نقابة الصيادين، جلبتها عبر "تنسيق خاص" من خلال المعابر الإسرائيلية" كما تقول زقوت، لكن عياش يرى أن ما يقدم من مساعدات محدود جدا قياسا بحاجة الصيادين المتفاقمة.

ذات صلة

الصورة

سياسة

تواصلت في النقب، اليوم الثلاثاء، المواجهات بين العرب الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل بشكل متواصل لإحياء الصحاري وتحريشها عبر إبادة مزروعات أهالي قرى نقع بئر السبع والأطرش وسعوة. 
الصورة
فلسطين (العربي الجديد)

سياسة

شارك عدد من الفلسطينيين، اليوم الثلاثاء، في وقفة احتجاجية شبابية، رفضاً للتطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، نظمتها الهيئة العامة للشباب والثقافة، في حديقة الجندي المجهول، غربي مدينة غزة.
الصورة
تضامن مع الأسير عبد الباسط معطان (العربي الجديد)

مجتمع

لا همّ بالنسبة لعائلة الأسير الفلسطيني عبد الباسط معطان سوى المطالبة بعلاجه، هو الذي كان مصاباً بمرض السرطان ويحتاج إلى استكمال علاجه، في وقت يعتمد فيه الاحتلال سياسة الإهمال الطبي ويمنع عنه العلاج
الصورة
اعتصامات ومسيرات تضامنية مع الأسير الفلسطيني أبو هواش (العربي الجديد)

مجتمع

تصاعدت رقعة التضامن مع الأسير الفلسطيني المضرب عن الطعام منذ 140 يوماً، هشام أبو هواش، ضد اعتقاله الإداري، والذي يواجه الموت، في ظل تردي حالته الصحية وتعنت الاحتلال الإسرائيلي بإنهاء قضيته، حيث شهدت عدة مناطق بالضفة الغربية فعاليات ومسيرات تضامنية.