فاتورة الوقود المغشوش... أردنيون يدفعون ثمن التلاعب بـ"الأوكتان"

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 12:30 (توقيت القدس)
إغلاق 12 محطة وقود مخالفة منذ بداية عام 2026 (Getty)

يقع أردنيون ضحايا لعمليات غش وتلاعب بالوقود، إذ يخلط أصحاب محطات محروقات البنزين من فئة "أوكتان" 90 بآخر يحمل الرقم 95، إضافة إلى مزج النوعين بمواد كيميائية غير مصرَّح بها، ما يهدد سلامة المركبة ومن على متنها.

- ما هي إلا بضعة أمتار قطعها الأردني فادي العبادي عقب تزويد مركبته من طراز (BMW) بالوقود في محطة على طريق مطار الملكة علياء الدولي بعمّان، حتى لاحظ ضعفاً في عزمها، وتقطعاً في حركتها، تلاه صوت غير مألوف صادر من المحرك، ومن ثم توقفت وسط الطريق، ما اضطره إلى استدعاء فني إصلاح السيارات، وبمجرد أن شرح له التفاصيل السابقة، وأنها ظهرت بعد تعبئة بنزين أوكتان 95، أفرغ الفني خزان الوقود وعمد إلى تنظيفه، بينما جلس العبادي على قارعة الطريق ودهشته تتضاعف، مراقباً انسياب الماء من خرطوم تفريغ الخزان قبل إعادة تعبئته بالبنزين.

فادي العبادي - متضرر

ولم تقف الخسائر عند هذا الحد، بل احتاج العبادي استبدال شمعات الاحتراق (البواجي) ومضخة الوقود بتكلفة ناهزت 150 ديناراً (211 دولاراً أميركيا)، ومنذ تلك الحادثة، أصبح أكثر حذراً في اختيار محطات البترول التي يتعامل معها، خصوصاً بعدما أكد له ميكانيكي المركبات عمر يوسف، الذي تولى إصلاح سيارته، انتشار الظاهرة، موضحاً أنه يتعامل مع تداعيات الوقود المغشوش بشكل متكرر، ولكل حالة إجراءات مختلفة وتكلفة متباينة، من أجل إصلاح التداعيات الناتجة من التلاعب بمكونات المحروقات.

إغلاق 12 محطة

تعمل في الأردن 770 محطة محروقات مرخّصة، وفق ما أفادت به لـ"العربي الجديد" الناطقة باسم هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، تحرير القاق، وتابعت قائلة إن المحطات تخضع لرقابة مزدوجة عبر جهتين: الأولى هي الهيئة التي نفذت 11 ألفاً و452 عملية تحقق من مضخات الوقود خلال النصف الأول من عام 2026، بهدف التأكد من سلامتها ودقة قياساتها، وحماية المستهلك من أي تلاعب أو مخالفات في أدوات القياس، وضمان حصوله على الكميات التي يدفع ثمنها.

أما الجهة الثانية، فهي مؤسسة المواصفات والمقاييس الأردنية التي نفذت في أغسطس/ آب الجاري، 130 جولة رقابية، وفحصت خلالها 35 عيّنة من المحروقات. وأظهرت نتائج الفحوص مخالفتين أساسيتين تمثّلتا بتجاوز نسبة الإيثانول (مركب كيميائي عضوي سائل وشديد الاشتعال) الحد المسموح به للخلط مع بنزين السيارات، والمحدد بـ 5%.

شاكر أبو غوش- مالك مركز صيانة مركبات

غير أن تكثيف الرقابة لم يُنهِ ظاهرة التلاعب بالوقود، وفق ما أكده المهندس شاكر أبو غوش، صاحب مركز صيانة المركبات، مشيراً إلى تزايدها خلال فصل الشتاء، ما ينعكس على زيادة عدد المركبات المتضررة، مرجعاً ذلك إلى سببين، أولهما غير عمدي، ويقع نتيجة تسرب المياه إلى خزانات الوقود بسبب سوء التخزين، وثانيهما الغش المتعمد. مشيراً إلى أن كلفة إصلاح الأضرار الناجمة عن الوقود المغشوش ومقدار التلف الناتج، تختلف حسب نوع المادة المستعملة أو المتسربة إلى المحروقات، فقد يقتصر الأمر على تنظيف بخاخات الوقود أو تغيير شمعات الاحتراق، بينما تتطلب الحالات الأشد فكّ المحرك وإجراء صيانة كاملة له، تراوح قيمتها بين 400 و700 دينار أردني (565 و987 دولاراً).

وتدعم ذلك بيانات حصل عليها معدّ التحقيق من مؤسسة المواصفات والمقاييس الأردنية، كشفت تكرار مخالفات في محطات الوقود خلال العامين الأخيرين. فمنذ بداية العام 2026، وحتى مطلع أغسطس الجاري، أغلقت هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن 12 محطة، لضبط حالات خلط في مادة البنزين، وتشمل الإجراءات المتخذة بحق المحطات المخالفة الإغلاق والتشميع لمدة شهر، إلى جانب وقف تزويدها بالمحروقات لمدة مماثلة.

ونفذت مؤسسة المواصفات والمقاييس 3453 جولة رقابية منذ بداية العام، وأغلقت 3 محطات خلال أغسطس الجاري، وسبق أن أغلقت مضخات تزويد المحروقات في محطتين بعد رصد مخالفات فنية، وأحالت مالكي المحطتين وسائق صهريج إلى النائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية، استناداً إلى قانون المواصفات والمقاييس رقم (22) لسنة 2000 وتعديلاته، بحسب تصريحات وفاء المومني، المديرة العامة للمؤسسة بالوكالة، خلال اجتماع مع لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية عقد في التاسع من أغسطس الجاري.

طرق الغش

"تشدد مؤسسة المواصفات والمقاييس رقابتها على أي شحنة مشتقات نفطية قادمة إلى المملكة، ولا يمكن إدخالها إلا بعد موافقتها المسبقة"، وفق ما جاء في ردها المكتوب على أسئلة "العربي الجديد"، إذ أوضحت أن الشحنات تخضع لفحوص فنية دقيقة قبل دخولها ميناء التفريغ وبعده، بما يضمن مطابقتها للمواصفات الأردنية. وأضافت المؤسسة أن المخالفات غالباً تنشأ بعد وصول المشتقات النفطية إلى السوق المحلية، وفي مرحلة التداول داخل محطات التزوّد بالوقود، وهناك تتخذ عمليات الغش أشكالاً متعددة، على رأسها خلط بنزين أوكتان 90 ببنزين أوكتان 95، إضافة إلى خلط بنزين أوكتان 90 أو 95 بمواد كيميائية غير مصرَّح بها لرفع رقم الأوكتان اصطناعياً، ما يعني أن البنزين قد يبدو "جيداً" عند الاختبار الحسي، لكنه ينتج ملوثات أكثر في أثناء الاحتراق. وامتنعت المؤسسة عن الإفصاح عن طبيعة هذه المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات الغش، مبررة ذلك بالخشية من انتشار أسمائها، ما قد يشجع المحتالين على توسيع نطاق هذه الممارسات.

خلط البنزين بالماء

وبينما تعزو مصادر التحقيق استمرار التلاعب بالمشتقات النفطية إلى تثمين حكومي لا يترك للتجار هامشاً واسعاً للمناورة في الأسعار، ما يدفع بعضهم إلى التحايل، تعزز هذه الإفادات بيانات حصرها مُعدّ التحقيق عبر محرك البحث القانوني "قسطاس"، اعتمدت على أوراق 25 قضية متعلقة بغش الوقود نظرت فيها المحاكم الأردنية بين عامي 2020 و2025، منها دعوى، قضت محكمة السلط فيها بتاريخ 30 يناير/ كانون الثاني 2024، بتجريم صاحب محطة محروقات بخداع المستهلك وغشه عن طريق خلط المحروقات، وذلك بعد تقديم شكوى ضده وثبوت الغش في الوقود عقب تحقق كوادر مؤسسة المواصفات والمقاييس من مادة بنزين 95 في المحطة العائدة للمشتكى عليه، وتبين لهم خلط بنزين 90 مع بنزين 95، فقُضي بتغريمه بمبلغ 2000 دينار (2820 دولاراً)، استناداً لأحكام المادة 34 / أ / 7 و10 من قانون المواصفات والمقاييس، والتي تنص على: "دون الإخلال بأي عقوبة أشد منصوص عليها في أي قانون آخر يعاقب بغرامة لا تقل عن ألف دينار (1410 دولارات) ولا تزيد على عشرة آلاف دينار (14110 دولارات) أو بالحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر ولا تزيد على ستة أشهر أو بكلتا العقوبتين على أن يحكم بالحد الأعلى للعقوبة في حالة التكرار كل من أقدم على ارتكاب أي من الأفعال التالية: 7/ طرح أو عرض أو خزن أو وزع منتجات غير مطابقة للقواعد الفنية أو غير آمنة للاستخدام في الأسواق أو المحال التجارية أو أي مكان آخر. 10/ خداع المستهلك أو غشه من خلال الإعلان المضلل عن المنتجات أو المواد التي ينتجها أو يستوردها أو يعرضها للبيع وخلط المحروقات وما شابه ذلك من أعمال".

اختلاط الماء بالمحروقات

تثبت الأحكام القضائية التي اطلع عليها "العربي الجديد"، أن التلاعب بالمشتقات النفطية يحدث داخل محطات الوقود، أي في مرحلة وصول الوقود إلى المستهلك، الذي يشتكي مدفوعاً بما يناله من ضرر، قد ينجم في بعض الحالات عن خلط الماء أو تسربه إلى المحروقات.

ويفترض أن تحتوي مشتقات الوقود على كميات ضئيلة من الماء تُقاس عادةً بأجزاء في المليون (ppm)، وبحسب مالك محطة وقود في العاصمة الأردنية، طلب عدم ذكر اسمه تجنباً لإلحاق الضرر بعمله، فإن وجود الماء ضمن الحدود التي تحددها المواصفات الفنية لا يؤثر في الخصائص الأساسية للوقود، بينما يؤدي تجاوزها إلى التأثير في جودته وأدائه، ويُعد مخالفة للمواصفات المعتمدة. ويستبعد مالك المحطة تعمّد المحطات خلط الوقود بالماء، إذ إن ارتفاع نسبته في البنزين مثلاً، سيظهر أثره مباشرة على المركبة، ما قد يدفع المتضرر إلى تقديم شكوى ويعرّض المحطة للعقوبات.

الصورة
شاحنات وقود (Getty)
يحدث التلاعب بالمشتقات النفطية داخل محطات الوقود في المملكة (Getty)

تتضح إفادة مالك محطة الوقود، من خلال وقائع القضية رقم 457/2024، المنظورة أمام محكمة صلح جزاء مادبا، إذ وردت شكوى إلى مؤسسة المواصفات والمقاييس في 29 من يناير/كانون الثاني 2024 بشأن وجود مادة البنزين أوكتان 90 مخلوطة بالماء في إحدى محطات المحروقات، ما تسبب في تعطل ثلاث مركبات. وبإجراء الكشف من قبل منظمي الضبط وفحص العينات باستخدام الكاشف المعتمد، ثبت وجود الماء في المحروقات، فجرى تنظيم الضبط وإحالة الشركة إلى المحاكمة. وأقرّ المشتكى عليه بأنه "مذنب والتمس رحمة المحكمة". والتي خلصت إلى توافر الركن المادي للجريمة بطرح وعرض مادة محروقات غير مطابقة للمواصفات، والركن المعنوي بعلم المشتكى عليه بالفعل وإرادته ارتكابه، مستندة إلى نتائج الفحص واعترافه الصريح، وقضت بإدانته بجرم خداع المستهلك وغشه من خلال خلط المحروقات، والحكم عليه بغرامة مقدارها 1000 دينار والرسوم (1410 دولارات).

25 قضية غش في الوقود نظرت فيها المحاكم الأردنية خلال 5 أعوام

ولدى فرات كنعان، مهندس الصيانة في شركة للمحروقات، تفسير آخر. ففي بعض الحالات، لا يكون اختلاط المياه بالوقود متعمداً، بل ناجماً عن إهمال أعمال الصيانة، موضحاً أن طبيعة عمله كانت تقتضي النزول إلى خزانات الوقود بعد تفريغها بالكامل وتهويتها، وفحص جدرانها والتأكد من إجراء الصيانة الدورية ورصد أي شقوق أو نقاط ضعف يمكن أن تسمح بتسرب المياه الجوفية إلى الوقود، وهو ما يمكن وقوعه في حالة تآكل الخزان من الأسفل، فضلاً عن تراكم شوائب، منها برادة الحديد المتساقطة من الصدأ وترسبات يخلفها الوقود. لذلك، يفترض وفق إجراءات السلامة، تنظيف الخزان بالكامل قبل إعادة تعبئته، فيما يؤدي إهمال هذه الإجراءات إلى وصول البنزين مخلوطاً بالماء إلى المستهلك، ويعرّض المحطة للمساءلة.

وهذا وارد الحدوث وفق ما تبينه قضيتان اطلع عليهما "العربي الجديد" عبر قسطاس. ففي القرار الصادر عن محكمة صلح جزاء العقبة في القضية رقم 1525/2023، تعطلَت مركبة بعد تزويدها بالوقود، وتبين وجود بنزين مخلوط بالمياه، إلا أن المحكمة خلصت إلى أن الاختلاط نجم عن تسرب مياه الأمطار الغزيرة إلى خزانات الوقود، وليس عن فعل متعمد من الشركة، التي أوقفت البيع وأبلغت الجهات المختصة ونظفت الخزانات وتكفلت بإصلاح المركبات المتضررة. وبناءً عليه، انتفى القصد الجرمي وأعلنت المحكمة عدم مسؤولية الشركة عن جرم خلط المحروقات، فيما أُسقطت دعوى الحق العام عن جرم إلحاق الضرر لقيام المشتكي بإسقاط حقه الشخصي.

وفي القرار الصادر عن محكمة صلح جزاء الزرقاء في القضية رقم 3512/2022، ضبطت مؤسسة المواصفات والمقاييس بنزين أوكتان 90 غير مطابق للمواصفات نتيجة اختلاطه بالسولار، وتبين للمحكمة أن الخلط وقع بصورة غير مقصودة بسبب خطأ في تفريغ الصهريج، وبادرت المحطة إلى الإبلاغ عن الواقعة فور اكتشافها، فانتفى القصد الجرمي وأعلنت المحكمة عدم مسؤولية صاحب المحطة. 

 

عدم فعالية آلية الكشف والعقوبات

غير أن موظفاً سابقاً في قسم المحروقات بمؤسسة المواصفات والمقاييس، يؤكد تكرار تسجيل مخالفات في محطات محروقات بسبب اختلاط الوقود بالماء، مشيراً إلى رجحان فرضية إهمال صيانة الخزانات. لكن المفارقة تكمن في أن المحطات تمتلك وسيلة للكشف عن هذا الخلل قبل وصول الوقود إلى المستهلك، بحسب ما يوضحه موظف عمل في محطات محروقات عديدة، مشيراً إلى توفر مادة هلامية صفراء اللون تُسمى الكاشف، حيث توضع على سيخ للفحص يُنزَل إلى قاع بئر الوقود في المحطات، وإن وجد الماء يتغير لونها إلى الزهري، وفي هذه الحالة يتوجب على المحطة إبلاغ مؤسسة المواصفات والمقاييس، التي بدورها تحقق وترسل صهريجاً لسحب المادة وإرسالها إلى مصفاة البترول لإعادة تكريرها ووضعها مجدداً داخل البئر بعد موافقة المواصفات والمقاييس، ومع ذلك، تكشف الحالات التي يوثقها التحقيق أن وجود آلية للكشف والعقوبات لا يحول دون وصول وقود غير مطابق إلى خزانات مركبات الأردنيين.

تكرار تسجيل المخالفات في محطات المحروقات بسبب اختلاط الوقود بالماء

و"النتيجة عدم مطابقة المواصفات الفنية للوقود، وهو ما يترتب عليه أضرار مادية وصحية وبيئية"، كما يقول هاشم عقل، المتخصص في شؤون الطاقة والنفط، مشيراً إلى رصد حالات "خطيرة للغاية" خلال السنوات الماضية، تضمنت خلط بنزين أوكتان 90 بمواد كيميائية، بينها الإيثانول الصناعي، وبحسب عقل، قد ترفع هذه الإضافات رقم الأوكتان إلى مستويات تصل إلى 110، فيما لا يتجاوز أعلى بنزين متداول أوكتان 98، ما قد يؤثر في خصائص الاحتراق ويهدد سلامة المركبة وركابها، فضلاً عن زيادة الملوثات الناتجة من الاحتراق غير السليم، وما قد يترتب على ذلك من أضرار ميكانيكية للمحركات، وفي بعض الحالات بلغت خطورة الظاهرة وتداعياتها، حد وقوع حوادث سير، وثبت التلاعب بالوقود باستخدام الإيثانول الصناعي، ما أدى إلى إحالة المتورطين إلى النيابة العامة وإغلاق المحطات المتورطة.