عن سيناريو الغزو البري لفنزويلا على الطريقة العراقية

05 يناير 2026   |  آخر تحديث: 19:45 (توقيت القدس)
ميل أميركي إلى الحفاظ على هيكل النظام القائم في فنزويلا (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد العالم صراعات دولية معقدة، مثل النزاع الروسي الأوكراني، وتبرز فنزويلا كمسرح لصراع تتداخل فيه المصالح الأميركية مع الوضع السياسي الداخلي.
- تفضل الولايات المتحدة الحفاظ على النظام الفنزويلي الحالي لتجنب حرب برية مكلفة، مع التركيز على التعامل بطرق غير تقليدية في نصف الكرة الغربي.
- تواجه الإدارة الأميركية عقبات تشريعية تمنع شن حرب شاملة، مما يدفعها لتبني عمليات محدودة ودبلوماسية لتحقيق أهدافها دون خسائر كبيرة.

لم يحرم التاريخ جيلنا شيئاً، فقد كنا شهوداً على انقلابات وثورات وحروب أهلية وباردة وساخنة بالجملة، إحداها يصح وصفها بنموذج مصغر لنزاع عالمي تدور رحاه بين روسيا وحلفائها من الصينيين والكوريين الشماليين والإيرانيين، في مواجهة أوكرانيا وفي ظهرها الغرب الأوروبي العجوز وامتداده الإمبراطوري الأميركي، وقد قرأنا كثيراً عن تدخلاته في ما عرف تاريخياً بـ"جمهوريات الموز"، ولا نعلم، هل من حسن حظنا أم شؤمه أن نضم لمجموعتنا من "حوليات الصراع" نسخة أكثر تطوراً وفجاجة مسرحها فنزويلا، المختطف رئيسها نيكولاس مادورو، ما يثير تساؤلاً حول سيناريو اليوم التالي واحتمال الغزو البري للبلاد على الطريقة الأفغانية والعراقية؟

تقتضي الإجابة قراءة في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومن قبله "ذي الوزارتين" ماركو روبيو، أعلى مسؤول من أصول لاتينية في تاريخ البلاد، بعدما حاز إلى جانب وزارة الخارجية منصب القائم بأعمال مستشار الأمن القومي، أي أنه صار على قمة السلطة التنفيذية غير المنتخبة، الأمر الذي لم يسبقه فيه سوى هنري كيسنجر مع الفارق الكبير بينهما، فلكل زمان دولة ورجال، وشاء حظ كاراكاس العاثر أن يكون أحدهم من أصول كوبية، تسيطر عليه حالة من الهوس بالمنطقة، حتى إنه وُصف خلال فترة ترامب الرئاسية الأولى بـ"وزير الخارجية الافتراضي لأميركا اللاتينية"، نظراً إلى تأثيره الكبير من خلال عمله التشريعي على سياسات واشنطن تجاه ما تعتبره فناءها الخلفي، بالرغم من كونه لم يشغل وقتها أي مناصب تنفيذية، لكنها اليوم في حوزته، ومن خلالها يتشكل مشهد يشي مبدئياً بميل أميركي إلى سيناريو الحفاظ على هيكل النظام القائم في فنزويلا من دون تدميرها على الطريقة المطبقة قبلاً في كابول وبغداد.

يتجلى ذلك من خلال عدة مؤشرات، أكثرها وضوحاً غياب البديل، وقد كانت العين على ماريا ماتشادو زعيمة المعارضة، لكن ترامب حسم الموقف منها قائلاً: "من الصعب للغاية عليها أن تكون القائدة، فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد". وينسحب ذلك على مرشح المعارضة في الانتخابات الماضية إدموندو غونزاليس أوروتيا الذي لا يتمتع بدعم الجيش والمؤسسات الأمنية، وهي النواة الصلبة التي تمنع الدولة من بلوغ سيناريو الانهيار الكلي على الطريقة الهايتية، وفيها أضحت العصابات الآمر الناهي في جمهورية فاشلة تصدر المهاجرين غير الشرعيين للإمبراطورية، لذا تحافظ واشنطن على تلك المؤسسات كما هي، ومن مصلحتها ألا تدمرها على الطريقة العراقية، حتى لا تخلق مشاكل أكثر خطورة من الوضع القائم، ولذا قال الوزير روبيو إن "الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع من بقي من قادة فنزويلا إن اتخذو القرار الصائب، وموقفنا سيتحدد بناء على ما يفعلونه، وسنرى ما يفعلون"، أي أنه لم يغلق الباب في وجوه الهيكل الحكومي القائم، وعلى رأسه نائبة الرئيس مادورو، ومن ورائها وزيرا الدفاع والداخلية، وبصريح العبارة يرى أن "المهمة الحالية للولايات المتحدة ليست تكرار تجربتي العراق وأفغانستان، بل التعامل مع تهديدات مباشرة في نصف الكرة الغربي تشمل النفوذ الإيراني وتهريب المخدرات والهجرة الجماعية". وفي هذا التصريح، يبدو الحذر الأميركي جلياً من التورط في حرب برية، نتيجة الدروس القاسية والتكلفة الباهظة لحربي أفغانستان والعراق، وهو ما يفسر عدم حشد قوات برية كافية للسيطرة على بلد شاسع يضم مليشيات تابعة للحزب الحاكم، قد تشن حرب عصابات لا تُحتمل أعباؤها أميركياً.

علاوة على ذلك، ثمة عقبات تشريعة تحول بين الإدارة الأميركية والحرب الشاملة، إذ تتطلب موافقة الكونغرس، على العكس مما يجري حالياً تحت مسمى "عملية خاصة" محدودة تكفي لإشباع غريزة ترامب النفعية، بعدما استمتع بـ"اللقطة الكبرى" وحقق مبتغاه في "شو" مبتذل وحده يرضي غروره، ولربما ظل الرجل يعيد مراراً وتكراراً ويُري من حوله مقطعاً مهيناً لمادورو نشرته حسابات البيت الأبيض على وسائط التواصل الاجتماعي يظهر فيه روبيو قائلاً: "كنت لا تعلم والآن تعلم"، ومن ثم يخرج مختالاً في مشيته وسط صفين من رجال البحرية بأزيائهم العسكرية البيضاء وفي الخلفية موسيقى راب حماسية، في مشهد يذكر بأفلام الدعاية الأميركية الرديئة لقوة يفترض أنها لا غالب لها اليوم، متغافلاً عما جرى لجيشه في دول فقيرة مثل الصومال التي أذلت مليشيا فرح عيديد في عاصمتها مقديشو نخبة القوات الأميركية، وأسقطت طائرتي بلاك هوك وقتلت 18 جندياً، لذا فأي مخاطرة بحرب برية قد تؤدي إلى ضياع النجاح الحالي وقد تم بلا خسائر في الأرواح كما يركز ترامب في خطاباته المتكررة منذ اختطاف مادورو. وهكذا، ربما قد حان الوقت للكشف عن وجه "رجل الصفقات" المحبذ للتفاوض على خوض القتال، خاصة أن مادورو نفسه سبق أن أبدى مرونة ورغبة في فتح بلاده أمام الشركات الأميركية مقابل رفع العقوبات، ما يجعل المسار الدبلوماسي أقل تكلفة ويتطلب الحفاظ على النظام الحالي وإدارة البلاد من خلاله.

يعني ما سبق أن تدمير فنزويلا وخوض حرب لا تنتهي بقوات برية على الأرض سيؤديان إلى خسارة موارد البلاد التي تنتظر الشركات الأميركية حصتها فيها، كما أن الدم والقتل والعنف يتوقع أن تكون لها ردة فعل شعبية ومن ثم حكومية رافضة ومعادية للتدخل الأميركي بشكل أكثر صلابة، ويحتمل أن تتمدد في أغلب دول أميركا اللاتينية، على عكس المشهد الحالي الذي سوقه ترامب تدخلاً جراحيّاً دقيقاً لاستئصال عدو جرى تشويهه بشكل مكثف، وهنا لا بد من الإشارة إلى الشعبية المتدنية للرئيس وانقسامات الحزب الجمهوري حول سياسته الخارجية و"التي لا يجب أن تهدر الموارد العسكرية على الشؤون الداخلية لبلد آخر"، كما قال النائب توماس ماسي، وإن كان في موضع آخر يخص التهديد الأخير بالتدخل العسكري في إيران، وهو رأي يشاطره فيه ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق في إدارته الأولى، والنائبة البارزة مارجوري تايلور غرين، وآخرون من مؤثري حركة "ماغا"، الأمر الذي يزيد من احتمالات خسارة انتخابات التجديد النصفي المقبلة، خاصة إن وقع التدخل البري وبالتبعية سقوط ضحايا من القوات الأميركية واستنزاف موارد الولايات المتحدة المالية على الطريقة الأفغانية والعراقية، أي أن السياسة أفضل من الحرب في هذه المرحلة، أو كما يقول المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتش: "الحرب هي استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى، إلا أنها عالم مليء بالضباب يصعب التنبؤ بنتائجه قطعياً".