استمع إلى الملخص
- تشير المقالة إلى نظرية أوسفالد شبنغلر حول انحدار الحضارة الغربية، حيث تتورط النخب الاجتماعية في ممارسات وضيعة، مع تجاهل الصحافة العالمية لهذه القضية.
- تؤكد المقالة على أهمية الكشف الكامل عن الحقيقة ومحاسبة الجناة، وتنتقد استغلال معاناة الضحايا لتسجيل مواقف سياسية بدلاً من التعلم لمنع تكرارها.
مستغرب جدا استدعاء مرويات و"سوالف" من العصر العباسي وأزمنة السلاطين لاستنزالها قسرا على أخطر قضية اتجار بالبشر واغتصاب متسلسل ارتكبته شبكة جيفري إبستين للقوادة السياسية والجنسية، ولا سيما أن تعلة الناقلين، في ما ذهبوا إليه، أن تراثنا لا يخلو من "أبستنة". وبغض النظر عن تهافت الادعاء التعميمي وعدم دقة الكثير من الوقائع المزعومة، إلا أن استحضارها في صميم اللحظة الراهنة يسوغ في جوهره ما حدث وكأنه أمر عادي يقع في كل زمان ومكان! ومن ثم أيها الضحايا قدركم هكذا، إنها صيرورة تاريخية وحظكم العاثر شاء لكم ذلك! لكن ثالثة الأثافي وأكثرها مجّا، تقصّد مقاربة صارت بائسة جراء استهلاكها اللامتناهي في غير محلها، بامتدادها الاستشراقي السطحي والمشوه مدعيا مسلمة لا شية فيها، تصم تراثنا بـ"المعطوب"، ولهذا لا يوجد غيرك أيها الفارس التنويري في تأنيبنا والزن على بلاوينا في كل وقت وحين.
إنه إصرار وإلحاح على النكوص إلى الوراء، إما فخرا في غير محله كصرعة الأموية الجديدة، أو هجاء متقصدا لا يقوم على أساس من أي جنس سوى هوى النفس وحظها فتحا لاستقطابات لم نكد نتجاوز سابقاتها، فلا الزمن هو الزمن ولا السياق هو السياق، في تجاهل لمعنى تجنيد قاصرات استغللن جنسيا أعواما طويلة على يد نخب سياسية ومالية، هدمت مبنى القانون متفلتة من عقاب بالتأكيد يقع على الضعيف، ويفلت منه "الشريف" تقهقرا عن مفاهيم التنوير والحداثة، وردة إلى ممارسات أزمنة الإقطاع، تجسيدا لنبوءة المؤرخ الألماني أوسفالد شبنغلر في كتابه "انحدار الغرب"، الذي رفض فيه مفهوم التنوير عن "التقدم" الخطي الذي لا ينتهي، مجادلا منذ عام 1918 بأن الحضارات لا تسير باستمرار نحو اليوتوبيا، فهي كائنات حية تنمو وتشيخ وتموت.
بعد قرن على إشارت شبنغلر المستقبلية واعتقاده في أفول الثقافة الغربية، تتبدى أمامنا علامات مخيفة على صحة نظريته، فالنخب الاجتماعية المثقفة خضعت للمال، بغض النظر عن مصدره، وسعت وراء النفوذ حتى لو كان عبر دوائر علاقات انتهكت أجساد فتيات صغيرات من روسيا وأوروبا الشرقية كن من أسر مفككة وخلفيات فقيرة. مأساتهن ممتدة، فبعضهن تعرضن للاعتداء داخل أسرهن وجردن من إنسانيتهن، واعتُبرن أشياء، إن لم يكن لاستغلالهن جنسيا، تسلية لإبستين وأعضاء النادي السري لجزيرته المعولمة، وإن كان أغلب روادها نخب أوروبية وأميركية، رجال بيض يمثلون كريمة المجتمع الراقي افتراضا، ووضاعة يقينا. ومن دون تكرار لما سبق سرده لفت انتباهي فائض احتقار وعنصرية داخل الجماعة الواحدة، ولا يوجد أقبح من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك تجسيدا لما سبق، إذ يقول لجيفري إبستين إنه قال للرئيس الروسي بوتين إنه يريد مليون روسي يعتنقون اليهودية ويصبحون إسرائيليين من أجل إحداث تغيير جذري في إسرائيل دراماتيكيا على عكس الآباء المؤسسين الذين اضطروا إلى قبول مهاجرين من شمال أفريقيا والعالم العربي حتى يستطيعوا أن يكونوا انتقائيين وأن يسيطروا على الجودة بفاعلية.
مفاد الأمر ومنتهاه أنها منظومة تحتقر البشر ثاوية في عقول احتلت أجسادا ضعيفة، وهيمنت عليها كما فعل أجدادهم في شعوب بكاملها، ولئن تجاهلت الصحافة الإسرائيلية القضية التي تورط فيها صهاينة كثر، ليس على سبيل الانتماء الفكري وإنما العضوي مع كيان الاحتلال، فقد كان مثيرا للاستغراب ما يمكن وصفه بتعامي مؤسسات وشبكات الصحافة الاستقصائية العالمية أوروبية كانت أو أميركية، عن الوثائق ذات الأبعاد الدولية والتأثير العالمي شديد الجاذبية، والإثارة بالمعايير المهنية وحتى التجارية، بالرغم من عملها على قضايا شبكات إجرامية دولية أقل أهمية من الحالية، مثل وثائق بنما أو باراديز، في إدامة لجور وفساد تلاعب بالمجتمع بأكمله متجاهلا معاناة فئة لا تزال تصرخ من الألم؛ فقبل أيام أصدرت الضحايا بيانا ينتقدن فيه إعادة تعريضهن للخطر عبر كشف الإصدار الثاني لملفات جيفري إبستين أسماءهن ومعلوماتهن التعريفية، بينما يظل المستغِلون مخفيين ومحميين.
لم تنته المسألة بعد، وما زال الأمل معقودا على إنصاف مبني على الكشف الكامل عن الحقيقة ومحاسبة كل الجناة. هذا ما تقوله الناجيات، الطرف الأكثر أهمية في المأساة. وبدلا من تسخير كل فريق معاناتهن تسجيلا لموقف على حساب غريم، الأولى التعلم مما جرى لمنعه من التكرار مستقبلا، وحماية الفئات الهشة في جميع أنحاء البرية من وحوش كإبستين.
إنها ضلالات وكل ضلالة في عقل إبستيني.